الـفن . . مملكة فـــي الحضارة العراقيـة

أول ملحمة بتقنية الرسم تمت على سطح إناء فخاري

 

الـفن . . مملكة فـــي الحضارة العراقيـة

 

 

 

فلاح المرسومي

 

في دراســـة يقــارب فيها كاتبها الأســــتاذ الدكتور زهيــــر صاحــــب  وللمـرة الأولـــى ، بكتابـــه المعنـــون ” مملكـــة الفـــن بالحضــــارة العـــراقيـــة “هـــــذه  المملكـــة  مـــن زاوية الشـــكل الفنـــــي ، وهـــو منهــــج يتـــوفر على قــــراءة البنـــى المعمّقـــة دون النظـــر الى الحكايات والســــــرد ، ومثـــل هـكــــــذا قـــراءة محفــــوفة بالمخاطـــــر ،لأنها ببســـاطة تخـــرج عـــن الســـائد فـــي الدراســـات التاريخيـــة وتنحـــرف باتجاهات رصـــد الفـــن مـــن الــداخل ، ولقـــد  وجدنا صعــوبة في الخوض بمحتويات الكتاب لأنه يغطـــي مســـاحة مـــن التـــراث المـــديد والمتنـــوع لحضارة ابتكرت أول الأشـــكال الفنيـــة فـــي التاريـــخ ، ولهــــــذا فقـــد اختـــرنا في قراءتنا للكتــــاب  بعض من النمـــاذج لهـــذه الأشـــكال التي جاءت بها الدراســـة  والتي بلـــغ عـــددها فـــي الكتـــاب ( ســـتون ) شكلاً من الشـــكل الأول ( نســـور النمــريك ) حتى الشـــكل الأخير ( أســــد بابـــل ) والغاية من الدراســـة بحســـب المؤلف هـــي لإحيـــاء التـــراث لـــدى القــارئ المعــاصـــر من دون  التخلى عن الحقـــائــق التـــاريخيـــة التـــي أســـست لهــــذه المملــــكة الفنيــــة العظيمـــة ، وهنـــا تجــــدر الاشـــارة الى ما قــالــه الــدكتـــور بــلاســــم  محمـــــد  مـــن أن المنهــــج الـــذي ســـلكه المؤلــف هــــو بحـــد ذاتــــه يـــوفــــر مجالاً واســــعاً لــدارســــي الفــــن ومتـــذوقيـــه بعـــد أن حقــــق ميــــزات غيــــر معتـــادة وكفايات تبـــدي نوعـــاً مــــن تخطــــي المـــألـــوف والعـــادي فــــي قــــراءة الفـــــن .. في مبحث الكتاب جاء أولاً عن (  تماثيل نســـور النمـــريك ) ، التي اكتشـــفتها البعثـــة الأثـــرية البــولنـــدية في العام 1990 م في مســـتوطن النمـــريك القــريب مـــن ناحيـــة فايـــده شـــمال الموصــل ، وهي مجمـــوعة مــن التمــاثيـــل الحصـــوية كانت بشــكل رؤوس نســـور من الحقبة المبكرة من دور حســـون ( 7700 ق.م ) وهنا تكمـــن أهميتهـــا كونهــا تمثّل أول الإبداعات التشكيلية التي تم اكتشـــافها حتى الآن في بـــلاد الرافــدين وفي منعطف آخـــر فإنها تعد نوعاً من التدليل على تراكم التجريب وزيادة الخبــــرة ، فنحاتو النمريك لم ينحتوا تماثيلهم للحصول على تمثلات مشــابهة ، بل لتأويل ( قــــوة ) تبقي الفكرة التي تمثلها الأشكال حاضرة دوماً ، إن الفكر الإنســاني في أقدم مقولاته على أرض الرافدين قد ” أحــل ” المفهـــوم محل الكائـــن ، فأبداع المفاهيم التي أمكن التعامل بها عوضاً عن التعامل بالأشــياء ، وكان ذلك تطوراً فكرياً كبيراً مكن الإنســانية من السيطرة على عوالمها الطبيعية ، فالرؤية السحرية الأسطورية التي ميّزت الفكر في عصر قبل الكتابة : عاملت المفاهيم على أنها كائنات أيضاً ، فتحول المفهوم في منطقها الى كائن ، ولم يكن ذلك فعلاً وفكراً تجريدياً مطلقاً منقطعاً عن الـــواقـــع ، بل كان ” تجـــريداً ” مشـــدوداً الى هـــدف علمـــي : غايته إحكام الســيطرة على الــواقع لتحقيق استمرار وجـــود الجماعـــة أو ربمـــــا بلوغ فكـــرة التشـــبث بالوجـــود.

 

وفـــي مشــــهد ” ســـنابل القمــــح ” الذي يعود ال5500 قبل الميـــلاد ( دور حســـونة) فإن للإنســانية الحق بأن تحتفل كل حين بتلك اليــد المرتعشـــة ، التي أمســـكت على استحياء بقطعة حجـــرية حــادة وراحت تحفر على ســـطح إحـــدى الجـــرار الفخـــارية ، نســقاً جميــلاً من أشــكال ســنابل القمــــح لتؤسس أول معالم لوحة تشكيلية تمثل منظراً طبيعياً في تاريـــخ الفـــن بخصوصية نحو مقام المنجزات التعبيرية في تاريـــخ الفنـــون التشــكيلية ، إن رســـم الســنابل يعني على وفق المعتقــد الســحري الســـيطرة عليها ، فالقوة السحرية للصورة فعلت هيمنة الفكــــر على التحكم بها ، لتحقيق وجـــود ســــاع الى الاكتمال ، وجود ينخلق ليصبـــح الفــن وجــوداً فعليـــاً ، ومشــهد الســنابل بمثابة ارتقاء من رؤية المألوف الى معنى من معـــاني الرؤيــا ،

 

وعن ” أســـطورية التمـــاثيل النســــوية”يقول المؤلف إن حضارة عصــر قبل الكتابة في بلاد الرافـــدين ( 7000 –  3500 ) ق.م ، بثّت خطابها الاجتماعي المعلن بدلالة أعداد كبيرة من التماثيل الفخارية النســـوية ، التي مازالت تثيـــر اهتمامات الفكـــر المعاصــر وذات دلالات مهمة في نشــوء الفكــر الإنســاني ، ويفصح اكتشاف معظم نماذجها في البيوت والحارات السكنية وترتبط بمظاهر الحياة ومفرداتها المهمة ، كونها غنية بالمعاني بوصفها تعبيرا عن مخاوف شـــعب بأكملـــه ، الذي اعتقد أن وجوده مرهون بإرادات قــوى خفيـــة فـــي الوجـــود ، وقد ركبت أجزاء التماثيل التي نحت على انفراد الراس واليدين والثــديين على الجذع  فيه من التأمل الشــاعري لهيئة الشكل الكلية التي اتصفت بالتناسب والراحة في الاستيعاب البصري لتناســـب أجزائها وكأنها تشكيلات متفردة في تاريـــخ النحت .

 

مدينة الحضر

 

أمــا جداريــة ( أم الـــدباغيـــة ) التي اكتشفتها بعثة الاكتشافات البريطانيـــة برئاسة عالمة الآثار ” كارك برايــد ” في مستوطن أم الدباغية الواقـــع قليــلاً الى الغـــرب من مدينة الحضـــر الأثرية ، أقدم نماذج الرسوم الجدارية في بلاد الرافدين والذي يعود تاريخــه الى أوئل (عصر قبل الكتابة –  5750ق.م ) وقــد نفــذ الرســـم على جـــدار إحـــدى غــرف الخـــزن بعد أن أعد له أرضية مناسبة لتمثيل الرسوم بلون أصفر ورسوم الأشكال البشرية والحيوانية باللون الأحمــــر ، وهو يمثل موضوعاً لمجموعة من الصيادين يحاولون الإيقاع بقطيـــع من حيــوان( الأوناكــــر)في فـــخ لغرض اصطياده ،  وتمثـــال ( رجل تل الصــوان ) الذي أكتشف في تل الصــوان الذي يقع على ضفة نهر دجلـــة الشــرقية الى الجنوب من مدينة ســـامراء ويعود تاريخـــه الى دور ســامراء ( 5300 ق.م )واكتســـب أهميــة كـــونه تمثال الرجل الوحيـــد من بين الأعداد الكبيرة من التماثيل الفخاريــة النســـوية  التي أكتشـــفت معـــه ، ويبلغ ارتفاعـــه زهاء ســبعة سنتمترات ، وعثر عليـــه في إحـــدى الغـــرف الســـكنيــة الكبيــرة وهو في حالة جيدة من الحفظ ما عدا فقدان سفلي من ساقه الأيسر وكف يده الأيسر أيضاً، والتمثال يثير الدهشة عند المشاهد فقد تم تطعيم العينين والحاجبين بخامات ملونة ، الصدف الأبيض والبؤبؤ والحاجبين بمادة القار السوداء وهو بذلك يتمتع بظاهرة وحدة التنوع في بناء الشـــكل ، وانه بسبب تجوفة ووجود ثقب في سمت رأســـه قد فعل هذا من إسطوريته في الشـــعائر الســحرية الاجتماعيـــة التي تنشد تنشيط  ظاهرة تناسل الجنس البشــري لإدامة فعالية الزراعة بعد أن عانى مجتمع دور سامراء من كارثة ارتفاع نسبة وفيات الأطفال لأسباب مجهولة ولــــحد الآن . وعن لوحـــة ( النســـاء الراقصـــات ) يقول بأنها واحدة من تلك اللوحات الدائرية ، التي رسمت على المساحة الداخلية المدورة لأحــد الصحـــون الفخــارية الجميلـــة التي اكتشفت من قبل عالم الآثار الألماني ” هيرسفلــــد” عام 1911م في مقبرة تعـــود لــدور ســـامراء من عصر قبل الكتابة ( 5300ق.م ) تحت تباليط الدور الإسلامية في سامراء ، ومنذ ذلك العام يفتخـــر بها متحف برلين بعرضها ويعّدها واحدة من الإبداعات المتفردة في تاريـــخ الفـــن على أرض الرافـــدين .  وللــــوحـــة (  أطفـــال تل الصـــوان ) حكايـــة ،عندما واجـــه مجتمــــع ســـامراء ( 5300ق.م ) ظاهرة اجتماعية خطيـــرة ، ألا وهي ارتفاع نسبة وفيات الأطفال بشكل خطيـــر الأمر الذي ولّـــد قلقاً سايكلوجيا ًجمعياً في خاصية المفاهيم المتحركة في الوعي الاجتماعي في الوقت الذي كانوا فيه بأمس الحاجة للأيدي العاملة لإنجاح اقتصادها الإنتاجي ،والأزمة التي أصابت المجتمع ولّدت منظومة من المعتقدات لمعالجة الآثار النفسية الاجتماعية لهذه الكارثة فظهرت فكرة الطقوس وهي من أقوى أشكال التعبير الديني ، فكانت فكرة إبداع تماثيل الأطفال الرخامية لتخبئ نوعا من الجدل . أن فكرة الجمال في تماثيل أطفال العراق الخالدة ، تتركز بنوع من الحدس العقلي لنظام العلاقة بين قدسية الأفكار وقدسية الخامات في الوعي الجمالي المتحرك بالفهم الاجتماعي .

 

و( أول ملحمــــة عــراقيــــة  ) كانت بتقنية الرســـم على ســـطح إناء فخاري كبيـــر الحجـــم أشـــبه بالطبــــق ، ذو قاعـــدة دائرية الشـــكل قطرها 50 سنتمتراً وجوانب مستقيمة ارتفاعها 15 سم ، واكتشفت في أحـــد القبـــور في مـــوطن الأربجيـــة قـــرب المــوصل ، مــن دور حلف (5000 _ 4500 ق.م ) وقد أعتبرت الملحمــــة الأقـــدم في تاريـــخ الفكــــر الإنســــاني ، ويظهر على ســـطح قاعدة الإناء من الداخل ما يشـــبه شـــكل المــــذبح ، وهو شكل ذو خاصيـــة قدســـية أعّــد لتقـــديم القرابين في المزارات الـــدينيـــة . وعن ” الكتــابة الســـومــرية ” يقول المؤلف : أن أحد المؤرخين الســـومريين كتــب ” إن توثيق تاريـــخ الحضارة يعنــــي حفظ إبداعات الفكــر الإنســاني مـــن الضيــــاع ، فليحتفل العالم كل حين بذلك الكاتب الأول بالتاريـــخ ، الذي انتقى تلك القصبة من  أهـــوار العـــراق ، وأحال مقدمتها الى شكل مثلث ولامســـها بخفة على ســـطح الطيـــن الناعم ، فأبدع أول حرف مجـــرد لا شيء فيه سوى شــكل المســـمار، وبتحريك أشكال المسامير وإعادة تركيبها ، ولدت ألف علامة وعشرة الآف مدلول ، حقاً كانت أرض الرافدين بؤرة الإنجازات المهمة في تاريخ الفكر الحضاري ، وان أقدم صور الأشياء المادية التي دونت بالكتابة الصورية هي الأغنام والماعز والأصواف وصورة المحراث وشجرة النخيل وقائمة طويلة سجلت العلامات الدالة على كلمات مثل سنبلة القمح والثور والبقرة والكلب والخنزير .. الخ ، لقد طّور الســومريون في عصرهم الذهبي (2800- 2371 ق.م ) أثر تعاظم خبرتهم القائمة على التجريب المستمر نظام كتابتهم الرمزية وارتقوا به نحو مرحلته المقطعيــة –  الصــوتية ، كما وان الكتابتان الأكـــدية والآشــورية تعدان من أجمــــل الكتابات في تاريـــخ الحضارة الرافــدينية ، والكتابة الســـومرية بمثابة الكتابة العالمية المستخدمة في المراسلات الدولية في ثلاث حقب زمنية من تاريخ بلاد الرافدين : البابلية عند توسع دولة الملك حمورابي والحقبة الثانية ابان عهد الامبراطورية الآشورية في عصرها الحديث ( 911 –  612 ق.م ) عندما أصبحت أوسع الأمبراطوريات في امتدادها الجغرافي والحقبة الثالثة فكانت في عهد الدولة البابلية الحديثة (626 –  539 ق.م )إذ دونت اللغتين البابلية والآشورية بالكتابة المسمارية وانتشرت بوصفها لغة الدبلوماسية العالمية الى مناطق مترامية الأطراف في أرجاء المعمورة وتزامن مع ذلك انتشار الآداب الرافدينية مثل ملحمة ” كلكامـــــش ” الى مناطق الدول الحثية في جنوب تركيا ، والدولة العيلامية غرب إيران وغيرها من الدول الإقليمية المجاورة ، وفي موضوع ” المعبـــــد” يقول المؤلف أن المرحوم الدكتور بهنام أبو الصــــوف شـــخص بشـــجاعة نادرة ، أحد أبنية ” تل الصـــوان ” من دور ســـامراء ( 5300ق.م )بأنه كان مــزاراً مقـــدســاً بفعل كبـــر حجمه وضخامة سمك جدرانه وخلوه من آثار الأدوات الحياتية ، وتلك أقدم إشارة على تمييز إنسان (عصر قبل الكتابة ) لحيز مكاني ، حوّله بفعل تفكيره وعواطفه الى شكل معماري معبّر عن معتقداته وطقوســـه وشـــعائره ، بعدها أكتشف المرحوم الأ ستاذ فؤاد ســـفر في مستوطن أريدو من دور المعبـــد (4500 ق.م ) سلسلة معمارية تطورية لمجمعة من المعابد تطورت من غرفة بسيطة مبنية من الطوف ، حتى أصبحت مباني معقّدة التنظيم تتوفر فيها عدّة أبواب لدخول المتعبدين وخروجهم في أوآخر دور العبيد في الربع الأول من الألف الرابع قبل الميلاد ، ولقد كان المعبد عند سكان بلاد الرافدين نموذجاً رمزياً مصغّراً للكـــون بســـمائه وأرضـــه ، ومســـرحاً يلتقـــي على منصتـــه اللازوردية ،الإله بالشعب في جميـــع المـــدن الرافدينيـــة . ولقد فك المهندسون المعماريون صمت جدران المعابد بأجناس الفنون التشكيلية المتنوعة ، فتحول بهو المعبد في مستوطن (العقير ) (3200 ق.م ) الواقع قرب شمال بابل الى متحف دائم للصور التشكيلية . وفي بروتورية ( فتـــاة الــوركـــاء ) أشار الى أن رأس الفتاة كان بالحجم الطبيعي تقريباً ، منحوت من حجر البستر الشــمعي وأكتشف في معبـــد الإلهـــة ( إنـانـا ) في مدينة الوركـــاء التي أشتهرالتمثال باسمها والذي يعود تاريخـــه ال( 3200ق. م ) ولا يمكن تحديد شخصية الفتاة هل هي بشـــــر اعتيادي ؟ أم كاهنة رفيعة المنزلة ؟ ام زوجة أحد الحكام ؟ أم هو وجـــه إلهة ؟ وكل هذه التسؤولات مطروحة نظراً لقوته التعبيرية العظيمـــة ، لقد أعتبر السومريون العينين أهم الحواس ، ولذلك فهي أحتلت في معظم تماثيلهم أهمية قصوى في دلالتهما التعبيرية فهما البصر والبصيرة ، أما الحاجبين فهي أشبه بسعفتي نخلة متلاقيتين وسط أسفل الجبهة مدلول على النخلة ، إلا إنها من جهة أخرى كالسيف . وفي تمثال ” الكاهـــن الأعظـــم و الكاهنـــة العليـــا ” فأن نظام الشكل في تمثال الكاهنيـــن ، يُعــــد بمثابة إبـــداع إضافة للمـــوجود وفي ذلك تكمـــن قـــدرة الفنـــان فـــي التعـــالي علــى جميـــع الصـــور الفـــردية وشـــتى أنـــواع التفاصـــيل والجــزئيــات ، يبّث تمثال الكاهن الأعظم والكاهنة العليا خطابهما الدلالي من خلال مصاحبتهما من تماثيل علّية القــوم وكبر حجمهما إزاء التماثيل المحيطــة بهمــا وقدســـية المكـــان الذي احتضنهمـــا ، والشــخصيتان منذورتان لفعل العبادة وموجودتان في خلوتهما للتواصل مـــع فكـــرة الإله ، وفي ذلك نوع من الدراما للأسطورة السحرية التي تمثل طقس احتفالات ( الزواج المقــدس ) من الفكـــر الســـومري . أما  ( مســـلة النســـور ) فهي معروضـــة وبكل فخــــر في متحف اللــوفر في باريـــس كونها واحـــدة مــن أهـــم روائـــع النحــت الســـومري في عصـــره الـــذهبــي ( 2800 –  2371 ق. م ) منذ أن اكتشفها الآثاري الفرنســي ” دي –  ســارزك ” في أوآخـــر القـــرن العشـــرين في مدينة لكــش قرب قضـــاء الشـــطرة في الناصــرية ، والنصب يمثل تذكاراً يخـــلد انتصار جيش مدينة لكــــش السومرية على مدينة ( أُومّا ) ، وتعد هــذه المســـلة أقــدم وثيقة دبلوماسية تنظم العلاقات بين مدينتين كبيرتين من المدن الســومرية الشهيرة . وعن ( راية أور ) فأنها الراية الملكية التي تعــد بمثابة راية ســـومر الخالــدة ، اكتشفها الاثاري البريطاني المشهور ” ليونارد وولي ” بالمقبرة الملكية في أور بالناصرية ، ومحفوظة حالياً في المتحف البريطاني في لندن ويمثل وجهي الراية واحد للحرب والآخر للســـلام فبعد النصر بالحرب يمكن التمتــع ببركات السلام . وعن  ( مســــلة حمـــورابي  ) يقول المؤلف بأنه لــو أقيم معرض من دون جـــدران لروائــــع الفنـــون العالمية ، آليت إلا أن تمثل بلاد الرافدين فيه  ” مســــلة حمـــورابي ” والتفضيل الجمالي المُتأت فيـــه من الأفكار الإنســانية العظيمة التي قدمتها نصوص المسلة القانونية للفكر الإنســاني التي مازالت حيّة تفكر في عقولنا حتى هذه اللحظــة ، وقد اكتشفت من قبل البعثة الأستكشافية الفرنسية في مدينة سوسة عاصمة الدولة العيلامية  بإيران حيث نهبها الملك العيلامي من مكان عرضها في  أحدى ساحات مدينة (ســــبار) قرب اليوسفيه جنوب بغداد في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، والمسلة محفوظــة في متحـــف اللـــوفر في باريــــس ، أما عن ” المـــــلوك الآشـــــوريين ” فيقول عنها انها كانت صور ملوك بلاد آشـــور ولم تكن صور مقصودة لذاتها بل لتشفيرها عن دلالات تنتمي الى مســتوى آخـــر غير منظور وهي بمثابة ” التأويل ” لخاصية الصــفة الأمبراطورية المتحركة في بنيــة الفكر الحضاري الآشـــوري ، ويحتفظ متحف النحت الآشوري بثلاثة تماثيل أحدهما للملك الهمام ( آشــور –  ناصــر –  بال ) الثاني ، الذي أسس السياقات المميزة للأسلوب الفني الآشوري ، والآخران يعودان لابنه ( شــليمانصر الثالث ) . وذكر عن  ” الثور المجنــــح ”  أن النحات عمـــد الى المراوحـــة بين التبسيط والاختزال تارة : والتعقيد والتضخيــــم تارة أخرى ، ليظهر الشكل السريالي وكأنه كائن يفكــر ويعـــدو ويطيــــر الى مسافات أسطورية ، وفي سؤال للمرحوم العلامة الأستاذ مدني صالح عن ماذا يعني له التمثال ، فأجاب : لقد تحول رأســه الى حاســوب ، وجناحاه الى طائـرة ، وجســـمه الى دبابه . وصف يمثل خاصية التواصل بين الحضارة الآشورية والفكـــر المعــاصـــر . وبالتمثال علامة مميزة للحضارة الآشورية ، مثلما ” أبو الهــول ” في الحضارة الفرعونيـــة .وفي مسك ختام القراءة هــــذه نأتي بفخـــر على أحـــدى ناطحات الســحاب في العالم القديم ألا وهــو (  بـــرج بابـــل ) والذي يعــد انتصــاراً للعمارة العمودية على حساب الامتدادات الأرضيــة الواســـعة لنظام العمارة الأفقيـــة … ولكن للأســــف غــدا هــذا البرج اليوم عبارة عن حفرة ونبات الحلفاء كما يقول عنه أستاذ الجيل العلامة المرحــوم ( طـــه باقـــر ) في محاضرته عن برج بابل ضمن فعاليات المؤتمـــر العلمـــي للآثار الذي انعقد في بغداد بتاريخ 15 /3/ 1978  حيث طابوق البرج المنقوش عليه أسم الملك ( نبوخذ نصــر ) محفوراً بعلامات مسمارية حمله أهل الحلة القدامى وبنو به  بيوتهم ، وهذه ظاهرة عدم الفهم لأهمية الأثر في الفكر الإنساني ، في حين أن الروائع الفنية بكل أجناسها نقلـــت من بلاد الرافدين . . لتتوزع على متاحف العالم الشـــهيرة في عواصم العالم المختلفـــة .

 

{ الكتــاب من إصـــدارات دار الجــواهـــري للنشر والتوزيع /بغداد/ 2014/ ويقــــع بـ470 صفحـــــــة .