قراءة في أجواء المكان الذي لم يعد منه أحد

قراءة في أجواء المكان الذي لم يعد منه أحد
المقبرة.. قصيدة الموتى تترقب الأحياء
زيد الشهيد
كتابٌ مُشرعُ الصفحاتِ برقمٍ ظاهرٍ لا ينتهي.. قاموسٌ يضمُّ بين دفتي ترابِه أسماءً لحيواتٍ كانت ترسمُ وجودَها حركةً وفعلاً، رفلاً وميساً، غروراً وتبختراً، فاستحالت بفعلِ مُحصلةِ دورانِ عجلةِ الزمنِ أجداثاً.. مدّاً يملأُ الآفاقَ ويهتف بفمٍ ملآن، ينادي أنْ تعالوا، هيّا، هلمّوا، إلى عالمِ اللامنتهى، إلى مُطلقِ العيش.. ذلكُم هو المقبرة. المقبرةُ حكمةٌ.. حوارُ لمَن نسيَ أنَّ ثمّة حواراً لابدَّ من التفاعل فيه والتعامل معه، لكنه، بوجهٍ آخر، غرقٌ في عميمِ الغواية، واندفاعٌ في خضمِ التيه… المقبرةُ مآلٌ ومنتهى.. و الناسُ نيامٌ، حتى إذا ماتوا استيقظوا .. كلامُ مكينٌ محفورٌ على قرطاسِ رسالةٍ تؤكِّد البعثَ وتشير إلى تعددِّ الحيوات.. كان الاكديون مفعمين بإيمانٍ راسخٍ يُقرُّ أنَّ حياةً ستتجددُ بعد الموتِ لذلك اعتادوا دفنَ مقتنياتِ الميت وممتلكاته، ومعه غذاء يكفيه ليستعيدَ انفاسَه وحركته قبل ان ينطلقَ انطلاقةَ الواثقِ في الحياةِ الجديدة.. والابعد من ذلك كانوا يدفنون العبيدَ والخدمَ قَسراً ويستلبون حياتَهم ليكونوا مع اسيادِهم في الحياةِ الثانية أي في البعثِ الاول.. وجاءت الاديانُ من خلالِ الافكارِ المُنزّلة من السماء تُقر أنَّ ثمّة حياةً أخرى بعد الموت، أو أنَّ الحياةَ الحقيقيةَ والابديةَ ليست حياةَ الدنيا القصيرة انما حياةَ ما بعد الموت بساعات.. فما أنْ يموتوا ميتةَ الدنيا حتى يستيقظوا يقظةَ الابدية..
يتخايلُ الموتُ رفلاً وإنْ جاءَ على هيئةِ مُختلس.. حضورُ الموتِ ترجّلا على ارضٍ تهتزُّ لضرباتِ قدميه يرعبُ الاحياءَ ويفزعُهم فزعاً تصعدُ فيه القلوبُ الى الحناجرِ فتتعالى تكبيراتُ الغوث. آنها يبحثُ المخلوقُ عن ملاذٍ مهما صَغرَ وتضاءلَ حتى ليغدو خرمُ ابرةٍ وسيلةً مُثلى للنجاة.
المقابرُ في بلدانٍ كثيرةٍ حدائقٌ .. في حين في بلدانٍ أخرى بريّةٌ موحشةٌ.. في بلدانٍ يُعمل للميتِ نصبٌ حجريٌّ من الرخامِ يُمدد على امتدادِ القبرِ، يُحفر فوقَه اسمُه وتاريخُ ميلادِه وموعدُ وفاته ويُترك للقارئ المُطالع حسابَ كمْ أخذَ من الدنيا من سنوات.. التدوينُ على الرخامةٍ يبدأ بأقوالٍ مأخوذة من الكتبِ المُقدسة.. أقوال تؤكِّد فناءَ المخلوقِ وبقاءَ الخالقِ إلى الأبد.. وأقوالٌ تخاطبُ النفسَ التي انتقلت من الحياةِ الدنيا إلى الحياةِ الأخرى أنْ تكونَ مطمئنةً لأنَّها ستكون قريباً من الله الذي أوجدَها هو، واستردّها هو. أو اشعارٌ وحِكمٌ تحتويها شاهدةَ القبرِ الرخامية او الحجرية تخاطب القارئ المار أو المتوقف عند القبر لاسيما إذا كان المتوفى شابّاً لم ينهلَ من متعِ الحياةِ الدنيا ما يُفترض أنْ ينهلَه غيرُه فنقرأ عبارات مثل يا قارئ كتابي، ابكِ على شبابي.. بالأمس كنت هنا، واليوم تحت التراب … النُصب أو الرخامةُ الموضوعةُ فوق القبر أو تلك التي توضع في مُقدِّمة القَبر يُراد منها إظهار الاعتزازِ بالإنسانِ ميّتاً، تماماً كما كان حيّاً، فيما في بلدانٍ لا يُترك من اثرِ لهُ غيرَ حجرٍ يُغرز فوقَ قبرِه انطلاقاً من رؤية أنَّ الميّتَ لم يبقَ منه شيءٌ وانّه عند خالقه وأنَّ عملَ الأضرحةِ والنُصبِ وألواحِ الرخامِ ما هي إلا تجنّي على الخالقِ وإعطاءِ قيمةٍ لإنسانٍ لا يساوي شيئاً طالما هو قد خرجَ من جادَّةِ الدنّيا.
مقبرةُ السلام في النجفِ تُعد أكبر مقبرةٍ في العالم. أرضُها رمليةٌ وشواهدُها ترابيةُ اللونِ شاحبةٌ، والقبورُ تتناسخُ او تتجايل.. قبورٌ تدثرُ قبوراً، وقبورٌ تتَّجدَّد على حسابِ قبورٍ… كنت عندما اصاحبُ أبي لزيارةِ أمِّه التي ظلَّ وفياً لها حتى وهي تنأى عنه راحلةً في قطارِ الابديّة وتراكم السنين فيزورُها في باكورةِ فجرٍ أول يومٍ من ايامِ عيدِ الفطر اقول كنت اقرأُ على شاهدةِ قبرٍ يجاورها هي لجدِّ أبي الذي يقول عنه ابي انك لم تشاهده لأنَّه توفي قبل ولادتك .. عندما مات أبي ورحتُ أزوره مع باكورةِ فجرِ رمضان واصطحبُ ولدي الصبي معي اكتشفتُ انَّ قبرَ جدِّ أبي أحتل وبقيتُ اشاهدَ قبرَ جدتي التي قلت لولدي انك لم ترها لأنها توفيت قبل ولادتك . وقد يأتي ولدي الذي سيكبر ليزورني بعد وفاتي ليكتشف قبر جدتي لا وجود له. وأنَّ قبري عندما يأتي ابنُه صحبته يوماً لن يجده، وهكذا…
حين تكون المقابر راحةً للراحلين
تبدو القبور في أغلب الاحيان بيوتاً للراحةِ المستمرةِ حتى يوم البعث بعيداً عن الشقاء الذي يلاقيه الانسان في حياته. لذلك كثيراً ما كنّا نسمع مَن يترحمَ على شخصٍ توفي فيقول مات واستراح . وهو تعبيرٌ عن عُظم آلامٍ يعرفُها القائلُ عاناها الراحلُ.. وامام هذهِ المعاناة قد يفلت كلامٌ من عِداد الأمنية لدى احدِهم أو من بابِ التصوّر عند الغيرِ من أنّ الايامَ التي تمر على الانسان تحملُ معها شقاءَها ومآسيها لذلك من الأَولى أنْ يرحل قبل أنْ يتراكم ذلك الشقاء وتتجسّد المآسي لتطفئ فُسحةَ ضوءٍ في حياة.. حدثني احدُهم أنه كان يُدرِّس في مدرسةٍ ريفيةٍ وعند نهايةِ الدوامِ يقف على كتفِ الطريقِ ينتظر سيارةَ ركاب تقلّه إلى المدينة حيثُ يسكن.. وصادفَ مرةً أنْ توقف سائقُ لوري وفتح الباب وناداه تفضّل يا استاذ.. لبّى الاستاذُ النداء شاكراً وارتقى الى القمارة جنبَ السائق الذي كان يتمايل ويطوّح بجسدِه يمينا وشمالا توافقاً مع اغنية لسعدي الحلّي ينطلقُ من مسجّل السيارةِ بأعلى طبقة، ويروحُ يترنّم على ايقاعِ اللحن، ووقع الموسيقى، وصوت الحلّي الشجي… وبلمحةٍ منه شاهدَ المعلمَ سارحاً فاغلق المسجّل وانبرى يسأله باهتمام خير يا استاذ ؟ عساك ما تعبت .. لحظتها اطلق الاستاذُ حسرةٌ بطولِ لسانِ ريح أيُّ خير يا رجل.. الحياة كلُّها تعب وشقاء، مرارات وألم، احزان ومآسي.. وتدفق يتحدّث عن الهمِّ، والشقاء، والانكفاءِ في متاعب الدنيا. اردفها بأبيات من قصيدة ابي العتاهية التي تبتدئ بـ لدوا للموت وابنوا للخرابِ »» فكلُكُمُ يصيرُ الى ترابِ … ولم تمر غيرُ دقائق حتى تغيّرت ملامحُ السائق وتكدَّر وجهُه وراح يتحسَّر مُردداً حقاً يا استاذ. الحياة كلها ألم وشقاء واحزان لا تنتهي… وصادفَ أن مرَّت تلك اللحظةِ سيارةٌ تتبعها عدة سيارات لذوي الميت واقاربه واصدقائه تحمل تابوتاً لمتوفى منقولاً صوبَ المقبرة.. ذلك جعلَ السائق المتكدِّر يهتف بحنجرةٍ مختلجة، صارخاً رووووووووح، خيعونك متت وارتاحيت .
مراسيم الليلة الاولى تخيلاً
أتخيل بعد أن تتلاشى الأصوات، ويعم هدوء غير معهود طوال اليوم يرفع الموتى أغطية قبورهم الحجرية أو يزيحون طبقات التراب التي أهيلت عليهم ، ويخرجون.. يتطلعون إلى أنفسهم فيتذكرون أنهم بعد أن يلفظوا أنفاسهم تتم لهم مراسيم التغسيل والتكفين، ثم إقامة صلاة الميت، وبعدها حملهم إلى المقبرة.. هناك حيث تُحفر لهم حفرة تمتاز بعمقها. يُنزلون ليمددوا، ثم يهال عليهم التراب، وتوضع فوقهم كتلاً حجرية، فيتساوون مع الذين ماتوا منذ قرون.. سيزارون مرة ومرة، وثم بعد ذلك يصبحون نسياً منسياً.
الذكرى.. حكمة القادم
في سبعينات القرن العشرين يوم كنت في العشرين كثيراً ما أتخذ في زيارتي لبغداد، عملاً او استجماماً، طريقاً لسوق السراي اخلف ورائي مقهى حسن عجمي التي أصرف فيها وقتاً لشرب الشاي ومطالعة وجوه الادباء والكتاب بملامحها الحقيقية وتقاسيمها ولون بشرتها بعد ان كنت اشاهدها على صفحات الجرائد والمجلات فلا اخطو باتجاه شارع المتنبي بل صوب الميدان ومن الركن الايسر الذي احتله مقهى الزهاوي في الثمانيات انحرف شمالاً مواصلاً الطريق لانعطف شمالا ايضاً متخذا درب القشلة والسراي الهاديء حيث يلوح لي السوق من بعيد.. اعتدت ما أن انعطف من مقهى الزهاوي حتى اجد نفسي أمر بأكثر من محل تخصص اصحابه بحفر أسماء من يتوفاهم الله على رخامات لتكون شواهد قبور.. لفت انتباهي آنذاك رجل طويل القامة يمتلىء حيويةً وابداعاً. يخط على رخامة بيضاء مستطيلة وناصعة اولا ما مكتوب على ورقة امامه بقلم فحم اسود. يعيد قراءة ما موجود على الحجر مع ما في الورقة ليطابق الاثنين لئلا يخطئ فيخسر قيمة رخام غالي الثمن قبل ان تمتد يده ترفع مطرقة وازميلاً ليشرع بالحفر على أمل ان ينتهي ليأخذ فرشاة يغمسها بصبغ البوية الاسود اللون ليمرر رأسه على ما حفر بغية ابراز الكلمات التي تحتوي اسم المتوفي وتاريخ وفاته وبعضها كلمات رثاء يفضل الكثير من اهالي المتوفين حفرها على الحجارة المستطلية لتعمق اثر لوعة الفراق واظهار مدى اوسع من الحزن والأسى… حفي الثمانينات صارت زيارتي تتكرر فأرى ذلك الرجل وقد تقوس ظهره وقلت حركته وضعف بصره.. وفي التسعينات كنت ابصره قعيداً في مقدمة الدكان يوجه شاباً ببعض تعليمات الكتابة والحفر.. وفي السنة الخامسة من العشرة الاولى من عقد القرن الواحد والعشرين لم اشاهد له اثراً. يومها وقفت لأسأل الشاب الذي اقترب من عمر الثلاثين عنه فواجهني بقسمات الحزن وكادت دمعة تنفلت من أسار جَلَدِه وكبريائه انه أبي.. لقد توفي قبل عشرة ايام.. وها انا احفر على هذه الشاهدة اسمه وتاريخ وفاته.. قوله ذلك عمق لدي يقين أنَّ المقبرةَ سجل زمني مَن دوَّن يوماً معلومة عن غيره سيأتي غيرُ آخر ليدون معلومة عنه، وجعلني استمع لصوت يتناهى من عمق الكون، من قرار الأرض، من الفضاء المطلق، في تساؤل أقرب إلى التندر، أدنى من التأسي هل امتلأتِ ؟… فأسمع ردّاً من فمٍ أخاله فاغراً، جائعاً، شرهاً ، يعلن بلسان اللهفة وهل من مزيد ؟
الرومانس.. تجسيد مقبرة، متوالية أسى
وهم يدخلون عصراً رومانسياً في الشعر، ويخرجون من أسار المثالية نحو العاطفة اتجه الشعراء الانكليز الى الطبيعة كونها محفزاً نموذجياً للعاطفة وتفجير الاحاسيس وصيد المرارة من حياة وجِدوا مرغمين على العيش فيها بكل تفاصيلها. يساجلون الحزن الكظيم مع البهاء العميم. يتأملون الجمال يرفل على خميلة اليناعة لكنه بعد حين يذوي، فيخرجون بحصيلة اسئلة لا جواب لها، ما يجعلهم يتكدرون. هذا التأمل خرج به وليم وردزورث بعدما وقف على مقربة من فتاة كانت منهمكة في حصاد القمح وسمعها أو هكذا اراد ان تكون تغني متمايسة على جمال، مستشعراً نبرة اسى ينسكب من صوتها مدافة بحزن دفين، فكتب قصيدته حاصدة السهلThe Solitary Reaper ، وجلس بيرسي شيللي يدوِّن أرملة الطير تندب رحيل الحبيب
A Widow Bird Sate Mourning For Her love عند صخرة امام شجرة جوز عارية الاغصان تمر بها رياح الشتاء فتنتج عواءً يتوافق وزقزقة حزينة هي ندب ورثاء لافتقاد تطلقه انثى الطير كنعي لفقد قرينها فيما صوت عجلات طاحونة الحبوب يصر في الهواء » العواء ليعلن تراجيديا المخلوقات على هذه المنظومة الارضية، ودخل توماس غري عالماً مُهمَلاً ومكاناً هامشياً. دخل مقبرة. وراح يتجوَّل بين القبور. داس على اديم الارض فأبصر مفارقة غريبة غامضة صخورٌ جاثمة شفرة الموت الازلي ومبعث اليأس وانبثاق مخالب الرعب وتخيل الموت ذئباً شرساً بأنياب عدوانية لا تُقاوَم ومن بين الصخور تنهض اشجار فتية بأغصانٍ زاهية، غضة واوراق خضراء عريضة يانعة تبهج النفس وتوشوش للدواخل بجمال الحياة وحلاوة الامل، فكتب مرثية تكتب في مقبرة كنيسة ريفية In a Country Churchyard Elegy Written … وعلى وجه آخر كتب احمد شوقي شعراً تماهت فيه الحكمة بالدين عبر مديح نبي الاسلام كما لو كان يلوِّح للغارقين في فوضى الحياة الموهومين، والمهتدين بـ الغاية تبرر الوسيلة مقولة ميكافيللي الشهيرة التي همس بها يوماً في مسامع المغامرين ليدفعهم لا ليحذرهم، ليغريهم لا ليرشدهم، ليحفز دوافعهم لا ليكبح جموحهم. كتب شعراً يقول
فمن يغترُّ في الدنيا فإني »» لبستُ بها فأبليتُ الثيابا
يتبارى بيت شوقي ليرفع بيرق التحذير خافقاً يشير إلى فضاءات أرضية مُسوَّرة. الناس فيها نيامٌ يتوسدون الثرى ويلتحفون صفوف الحجارة.. اناس جاءوا من اجيال تترى وحقب تتالت عابرة القرون، تردد متوالية الدفن المستديم والتواري تحت الثرى ما قاله المعري يوماً يخاطب ذوي العقول والضمائر قبل الهائمين الضاربين في برية الدنيا بوعي مَن طمع بما رأى وابتهج بما احرز هذي قبورنا تملأ الرحب فـ خفف الوطء ايها الهائم هيام البلداء ، الجاري جريَ الوحوش.

الغراب والقبـــــر
من الغراب تعلمنا نحن البشر ابجدية القبور ومعنى ان ندفن موتانا بقدسية فلا نترك سوءات بني جنسنا مكشوفة في العراء. ما فعله الغراب يوم قتل غريمه فحفر حفرة دفنه فيها واهال عليه التراب أيقظ في قابيل شعور أن لا يترك اخيه هابيل الذي قتله بصخرة ضغينته وطمعه مرمياً في البرية. ليفعل على اقل تقدير ما فعله الغراب.. كان ذلك ايذاناً بانطلاق سيمفونية القبور المبنية على تون التجمع الموتي حتى في مسيرة الموت يشعر الانسان بحاجة التكوين المجتمعي » الجمعي .. انها خشيته من ان يرى نفسه هباءً تذروه الرياح بعد موته. لذا آثر تمزيق الصورة. أمِلَ في غياب رمادية العاقبة.. لم يكن قبل ان يصنع الغراب قبراً يعير همّاً لمخلوقات أخرى تذوي أمامه، وتموت، فتُتركَ، لتحيلها الايام بتواليها هياكلَ عظمية تتبعثر على ارض الله… وظلت اللامبالاة متواصلة لديه ومتأصلة حتى اليوم. لا عَظمَة على الارض إلا هو، ولا مهيمن على المقدرات غيره.. ابتكر فتبجح. قويَ فتجبر. صحا فتبختر. استغنى فصار يمشي مرحاً. مسك آلة الدمار فقتل. انحنت امامه الرقاب فداس عليها. زمناً وصار إلاهاً.. لكن القبور كانت تلجم كل ذلك. كانت نواقيسَ تدقُّ كلّما ارتفع منسوبُ الكبرياء فيه وتفاقم اعصار الجبروت تنذرُه برذالةِ آخر العمر، وبؤس الخاتمة .
سكنى المقابر لافتة احتجاج
حين يستحيل الفقرُ هويةً، وتتسع الهوة بين الاغنياء والفقراء، وتموت الضمائر في دواخل المنتفعين الجشعين تغدو المقابر اماكن مباحة، وحرية سكن لجموع المعدمين تراهم في اكثر من بلد وامام اكثر من مسؤول . لا ينافسهم فيها احد، ولا يقترب منهم احد في وقت يشير الموقف إلى لافتة رداءة الانظمة، ودناءة المؤسسات، وزمن يتجلى فيه الانحطاط على أشده، والانسانية تغور في اودية الوضاعة، والتدني، والاهمال.
لا أحد مات فعاد يشرح لنا ما رأى وماذا حدث، لكننا على هدي كتبنا المقدسة نحفِّز مجسات المخيلة لتصوير حياة ما بعد الموت.. كيف تكون الجنة اذا نحن أدركناها بأعمال الخير وكيف تكون النار ان سبقتنا شرورنا لتسحبنا إليها.. في الجنة سرور دائم وفي النار سعير ابدي.. في الجنة يستقبل الداخلون بالترحاب وبعبارة هنيئاً لكم بما كسبتهم، وفي النار يسحب القادمون مدفوعين بالأكف من قفاهم، يغمرهم الرعب فيجاهدون لعدم الدخول لكن الاكف تصرخ بهم ذوقوا ما كنتم تفعلون… انها الدنيا ميدان عمل او قاعة امتحان او ممر زمني، وعقل منح للبشري كي يتصرف. مع اشهار ان ما تعمله وتفعله له تقييم يفضي الى نتائج. في الاشهار ترغيب وترهيب، تحفيز للعمل الصالح ووعيد للفعل الطالح، اغراء لإداء ينفع يقابله تحذير لسلوك يضر… والنهاية تؤول الى قبر في مقبرة، وجدث من بين اجداث. في واحدة من ابداعاته يكتب شيخوف قصة بعنوان المقبرة The Graveyard يحكي فيها عن شخص اعتاد على زيارة قبر ليس مَن يحب، بل مَن يكره فيجد وروداً يابسة على رخامة القبر التي تجثو فوق الذي تحت الثرى استنتج منها ان مَن دفنوه زاروه لزمن ثم اودعوه الى كف النسيان…الزائر هذا يأتي ليعاتب مَن ينام تحت هذه الرخامة، إذ كان فناناً شهيراً اغرى الزائر يوماً واعلمه انه سيكون ممثلاً ذات صيت واسع فعن طريقه اصبحتً ممثلاً. اصطادني من بيت الاهل بفنه. أغراني بحماسة ان اصبح ممثلاً. وعدني بنيل انواع المغريات.. مغريات لم تجلب لي سوى الدموع والحزن. . لم تُنمِّ فيه غير الوعي الذي قاده الى جحيم الاحساس بمأساة نفسه ومعاناة البشرية المعذبة، تلك التي تعيش على ايقاع كدٍّ، وجهدٍ، وعذابٍ، وعسف، وسحق.
لا فوارق، بل فنـــاء
في المقبرة يتساوى الجميع. تنعدم الفوارق الاجتماعية فلا تميز حين تقف امام الهياكل العظمية لمَن كان فقيراً او غنياً، ملكاً او عبداً، سعيداً او حزيناً، شريراً او وديعاً… في المقبرة تنبري حكمة أنَّ مآلَ الارض مقابر، والبشر سيفني احدهم الآخر إن ظل الاستحواذ ديدنا، والاستغلال درباً للحياة.
/6/2012 Issue 4225 – Date 13 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4225 التاريخ 13»6»2012
AZP09