من يقف وراء أزمة فقدان الثّقة ؟

من يقف وراء أزمة فقدان الثّقة ؟

 

 

معتصم السنوي

 

 

لعل أسوأ ما تمُنْى به أمة أن يفقد أفرادها الثقة بعضهم ببعض ، فقدان الثقة يجعل الأمة فرداً، والثقة تجعل الفرد أمة، الثقة تجعل الأجزاء كتلة ، وفقدانها يجعل الكتلة أجزاء غير صالحة للألتئام ، بل يجعل أجزاءها متنافرة متعادية توجه كل قوتها للوقاية والنكاية .. ولا نذهب بعيداً فواقعنا أصبح نتيجة لمجل الصراعات السياسية والمذهبية والمصلحية والحزبية يشكل بمجمله (أزمة ثقة) تنعكس هذه الظاهرة الشاذة على حياة المواطن الذي كُتبّ عليه أن يكون حقلاً لتجارب الآخرين لأنه عراقياً في بلاد الرافدين ويعيش على ترابه المقدس . فلا يستطيع الكاتب أن يكون كاتباً مجيداً ولا الشاعر أن يكون شاعراً متفوقاً ولا أي عالم وصانع يجيد عمله وصناعته وإذا وثق بنفسه لدرجة ما ، وكم من الكفايات ضاعت هباء لأن ذويها فقدوا ثقتهم بأنفسهم ، واعتقدوا أنهم لا يحسنون صنعاً ولا يجيدون عملاً ، بعد أن جرفتهم التيارات الحزبية والمصلحية لمتاهات الغربة والتشرد بعد أن فقدوا الثقة بأنفسهم وبالمجتمع الذين عاشوا فيه . وكل ما ترى من أعراض الفشل في أمة سببه فقدان الثقة ، فالحزب ينهار يوم يفقد الأعضاء ثقتهم بعضهم ببعض، والشركة تنهار يوم يتعامل أفرادها على أساس فقدان الثقة ، والمدرسة تفشل يوم لا يثق الطلبة بأساتذتهم والأساتذة بطلبتهم، والحكومة تنهار إذا لم تكن هناك ثقة بين أعضائها وبرنامج متفق عليه تسير عليه . وبسبب أزمة  الثقة وفقدانها تتولد أمراض أجتماعية خطرة في المجتمع ، ثم هناك عقول للنابغين وكبار كل نظمنا -على  ما يظهر- مبنية على فقدان الثقة ، فوظائف ” المفتشين ” في جميع مصالح الحكومة والشركات أصبحت مؤسسة على فقدان الثقة ، فالمفتش الحالي يراقب حركات مرؤسية حتى لا يختلسوا أو يزوِّروا، ومفتشو الوزارات يرون إلى أي حد يطبق الموظفون تعاليم الوزارة. قد كان الظن بالمفتشين أن يؤدوا عملاً آخر غير هذا، وهو أن يشرفوا على عمل المرؤوسين ليوجهوهم وجه صالح ، ويتعاونوا معهم على رسم الخطة القويمة ، ويصححوا الخطأ ، ويكملوا النقص ، ولكنهم – في الأغلب- وقفوا فقط موقف الضابط يضبط الجريمة، والصائد يرقب الفريسة ، لا موقف الهادي المرشد والناصح الأمين . فإن أردت ” بنداً ” واحداً منم بنود ما ينفق من الأموال في سبيل عدم الثقة فاجمع مرتبات المفتشين في جميع مصالح الحكومة .. وليس الأمر مقصوراً على هؤلاء، فالمراجعون ومراجعو المراجعين، والأوراق تمر من يد إلى يد ومن قلم إلى قلم ، ومن دائرة إلى دائرة ، ومن وزارة إلى وزارة كل ذلك له أسباب ، أهمها ” فقدان الثقة” وأن شئت حصر ما يستهلك من الأموال لفقدان الثقة فلا تكتف بمرتبات المفتشين، بل أضعف إليها مرتبات كل هؤلاء الذين ذكرنا، فلو قلنا (إن نصف مرتبات الموظفين ينفق في سبيل فقدان الثقة لم نُبِعد . وليست المصيبة كلها في الأموال، لو كنا نقدر للزمان قيمة كغيرنا من الأمم لاستفظعنا ما يستوجبه فقدان الثقة من أيام وشهور وسنين تضيع في إجراءات وتدقيقات ومراجعات ومناقشات وتعليقات مبناها كلها ” فقدان الثقة” ثم هناك عقول للنابغين وكبار أولي الأمر في الأمة تفكير ثم تفكير ، وتقدر ثم تقدر ، وتضع الخطط تلو الخطط ، والقوانين واللوائح والمنشورات  تلو القوانين واللوائح والمنشورات ، ويخيل أنها بما فعلت تأمن الخيانة والسرقة والتزوير ، وتظن بذلك أنها تعالج ما فسد وتصلح ما أختل ، وهي إنما تزيد بذلك في ” فقدان الثقة” يضاف ما تسبغه هذه الظاهرة كلها على نفسية الموظف ، فهو يرى كل هذه النظم واللوائح والقوانين والمراجعات والمناقضات فيشعر أنها إنما شرعت له ومن أجله وبسبب فقدان الثقة به، إنها كلها تنظر إليه (كلص وكمجرم وكمزور) فيفقد الثقة بنفسه ، ويعمل في حدود ما رسم له ، ويشعر بالسلطان عليه فلا يجرؤ على التفكير بعقله ، ولا يجرؤ على تحمل تبعة ، ويفرّ من البت في الأمور ما وسعه الفرار، حتى يكون بمأمن دائم من الأسئلة والمناقضات وهذا هو سر ما نراه في بطء العمل والتهرب من المسؤولية الوظيفة المكلف بإداها ، وركود في الحركة ، وضياع لمصالح الناس في دوامة (الروتين) الذي بات يهدد تفسخ المجتمع وتحويله دمى تحركها خيوط لاعبين من خلف كواليس المسرح. إذ لا شيء يبعث الثقة في المرؤوس مثل أن يثق به الرئيس، ولا شيء يبعث الحيرة والارتباك والاضطراب إلا ما يشعر به من “فقدان الثقة” .. ولو قلبنا كل هذه النظم رأساً على عقب وهدمناها من أسسها وأزلنا أنقاضها، ثم بنيناها على أسس جديدة من الثقة البحتة ، ما خسرنا من الأموال وما خسرنا من الأزمان والأنفس ما نخسر الآن ولو كثرت اللصوص وكثر الخائنون والمزورون … ولنأخذ مثالاً من واقعنا اليومي ، إذا فتحت مكتبة وأسس نظامها على الثقة بالموظفين والمترددين من المطالعين فاستغنيا عن مراقب واستغنيا عن مدقق واستغنينا عن مفتش وهكذا، واكتفينا بمعير للكتب وأجهزة الحاسوب والموظف المكلف بوضع الكتب كل يوم في أماكنها ، فماذا يكون الشأن وماذا يكون حسابنا في المكسب والخسارة ؟ لا شك أننا سنفقد كتباً يسرقها بعض المترددين ، وهذا هو كل الخسارة، ولكنا بجانب ذلك نوفر مرتبات كاتب ومراقب ومفتش ، ونوفر أزماناً طويلة تصرف في عمليات الجرد والحصر ، وننشر الثقة بين المطالعين، ونشعرهم بان المكتبة في حمايتهم هم وتحت إشرافهم ، فننمي فيهم الشعور بالتبعة، فإذا كان هذا مكسبنا وهذه كل خسارتنا ، فإلى النار هذه الكتب المفقودة ، وخَسِئت عين كل من ينظر في عمليات الحساب إليها وحدها ، ولا ينظر إلى كل هذه الأرباح التي ربحناها . وهذا المثل الصغير يمكن تطبيقه تمام التطبيق على الأعمال الكبيرة في المصالح المختلفة . وأن هناك من (يشتري نشر الثقة بين الناس وتسهيل الأعمال ، وشعور الناس بالطمأنينة بأي ثمن بل لو أن التجارب دلت على أن ما نفقد من الأموال أكثر مما نربح إذا أسسنا النظم على أساس الثقة وعلى وجوب الأنتظار على هذا الأساس الجديد حتى يذهب هذا الجيل الذي أفسدته الأنظمة المتحجرة ، وقضى على نفسه وعلى شعوره ، ولا ينتظر جيلاً جديداً ينشأ في أحضان (الثقة) والشعور بالواجب وبالتبعة وبالحرية في العمل في دائرة ضيقة من القوانين المعقولة .

 

وهكذا الشأن في جميع الأمور (السياسة والاجتماعية) ، فثقة أفراد الأحزاب والمجالس والمنظمات والهيئات الرسمية والأهلية بعضهم ببعض –  ولو مراعاة للمصلحة- أضمن للنجاح ، وأقرب لتحقيق الغرض ، وثقة الجمعية برئيسها ، والرئيس بأعضائها- ولو تصنعاً- أقرب لأن ينقلب التصنع خُلقاً.. يتضح مما تقدم- أن العدوى في المعاني كالعدوى في المَحسات ، فكما أن التثاؤب يبعث التثاؤب ، والضحك يبعث الضحك فكذلك الثقة تبعث الثقة وعدمها، وللتخلص من هذا (المرض الاجتماعي) .

 

أرى أن تقوم الجهات المتخصصة في الشؤون الإدارية والمالية وعلم النفس والاجتماع في الجامعات بإعداد دراسات لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة للتتماشى مع ما وصلت إليه البلدان المتقدمة في هذا الشأن. وهنا يطرح السؤال الأستفهامي نفسه : إذا كنا لا نثق بتعامل (الأجنبي) معنا ، ولا نثق فيما بيننا (كعراقيين ) ، فكيف نعيش؟