كلام بالقيراط أَأَدخلُ ياعراق

كلام بالقيراط أَأَدخلُ ياعراق
حسن النواب عند زيارة المراقد المقدسة عادة ما يقرأ الزائر في كُتيب صغير كلمات مباركة تشبه الدعاء قبل الدخول الى الضريح الشريف ، ومن الكلمات المؤثرة التي ترد بهذا الكُتيب الصغير وتقشعر لها الروح ، تلك التي تتعلق بالأذن والسماح وتبدأ بالفعل أأدخلُ ، ولشدة تأثري بهذا الفعل الذي يشي بالتردد والهيبة من المكان المقدّس الذي تزوره ،حرصتُ على توظيفه بنص نثري كتبته قبل عشرين سنة بعنوان اغواها بعنايته فتعطلّت اجنحتها ، والذي قرأته في ملتقى الشعر الثمانيني مطلع التسعينيات ، مما اثار شجن الحاضرين جمهورا وشعراء ونقادا وتفاعلوا معه كثيرا بما حمله متنه الشعري من روح التجديد والبوح الذي كان قريبا من الأبتهالات المقدسة ، حتى ان مجلة الأقلام الرصينة التي كان يرأسها الناقد الكبير حاتم الصكر ، قد سارعت الى نشره في اقرب اعدادها ، وكان نشره في المجلة التي عادة ما تنتقي اسماء المساهمين فيها بدقة وعناية كبيرة ، مفاجأة سارة لقلبي المشرّد تشبه التعميد الرسمي لشخصي كشاعر اثبت حضوره بالوسط الثقافي المزدحم بمئات الشعراء ان لم اقل الألوف ، واذكر ان عدد مجلة الأقلام الذي نشر ذلك النص كان من حسن حظي برفقة ملف للشاعر الكبير محمود البريكان الذي ضم قصائده الجديدة بعد عزوف عن النشر امتد لسنوات طوال ، ويبدو ان هذا الفعل الساحر واعني به أأدخلُ قد عاد مرة اخرى يطرق احساسي وهواجسي وانا ارزم حقيبتي مقررا زيارة الوطن بعد فراق طويل ، وثمة لوعة جارفة تعصف بمزاغل روحي حتى استنشق هواء العراق والثم تربته الطاهرة بشفتين مرتجفتين من حرقة الوجد ، وها انا اردد من اعماق قلبي أأدخلُ ياعراق ، أأدخلُ يا مذبح الأحلام ومصطبة المعذبين ، أأدخلُ ياحديقة النار وملاذ الأحزمة الناسفة والمفخخات وكواتم الصوت ، أأدخلُ يا نسغ عمري الحنون الذي شرّدني بالمهاجر والمنافي لسنوات ما توقف فيها الدمع ولا هدأت بها الشهقات ، أأدخلُ يامن تركتك خائفا مرتبكا قبل دخول الغزاة بسنتين ملتحفا جوعي وضياعي في عمّان ، تاركا خلفي عائلتي هلعة من رجال الأمن والمخابرات ، ومهنتي كمحرر على الملاك الدائم في مجلة الف باء ، ولم يمض شهرٌ على اقامتي في الأردن حتى وصلني كتاب فصلي من المجلة بيد الشاعرة نجاة عبد الله ، ثم تركت عائلتي الشقة المهلهلة في كربلاء وفرت زوجتي بجلدها وابني تبارك وابنتي حسنى الى اهلها في البصرة ، وبعد عناء حصلت على قرار طلاق غيابي من المحكمة وكفّ رجال الأمن من ملاحقتها وبرعاية الله وأدعية امي نجحتْ ام تبارك من الوصول مع طفليّ بعد سنة الى بيت خرب في حي نزّال ، ولم اكن قد تحملت عوزي لولا دعم جريدة الزمان التي طردت عنا شبح الجوع والحرمان ، مع مكافآت كانت تصلني من حركة الوفاق لعملي معدا لبرنامج عشائرنا تأريخ واصالة في اذاعة الوفاق الوطني مع اشرافي على تصحيح مجلة المسلّة وكتاباتي تحقيقات عن مدن عراقية في جريدة بغداد المعارضة لنظام الحكم في بغداد ، مثلما نجحت من التشبث بصمودي امام ضغوط نفسية وتهديدات مرعبة وحرب غير معلنة من بعض الذين حسبتهم اصدقاء وجهات امنية ظلت تلاحقني للحد الذي اتصلوا بي من دائرة امنية طالبين مني العودة واعلموني ان برفقتهم اخي علي النوّاب كرهينة ؟؟ وتحججت بأرتباطات ثقافية تمنعني من العودة بالوقت الحاضر ، وسيحين الوقت المناسب لأسمّيهم واسرد تفاصيل الاعيبهم القذرة التي حاصرتني في الأردن ، حتى حانت لحظة صعودنا الى الطائرة التي حملتنا مع اسمالنا الى استراليا وبعد اربعة شهور تهاوى الصنم في ساحة الفردوس ، أأدخل ياعراق ابي وامي وجدّي واصدقائي ورفاقي الجنود الذين استشهدوا على السواتر البعيدة من جزيرة الفاو وشرق البصرة ، أأدخل ياوطن البساتين المحترقة والمقابر الجماعية ، أأدخلُ يا وطن التآمر والمعتقلات والتصفيات والسرقات ، أأدخل ياوطن الفقراء والأبرياء والأحرار والشهداء ..فلست مناضلا سياسيا جاء يبحث عن مغانم ومنصب زائل ، انما مواطنا مسالماً يبحث عن أمان بعد ان اكلت سنوات الغربة كل ما في حياتي من عنفوان ، أأدخل ياوطني الراعف حزنا ودما ودمعا ، أأدخلُ حتى اقرأ قصائدي في احضانك ياعراق ؟
Azzaman Arabic Daily Newspaper Vo1/17. UK. Issue 4883 Monday 18/8/2014
الزمان السنة السابعة عشرة العدد 4883 الاثنين 22 من شوال 35 هـ 18 من آب اغسطس 2014م
AZP20