الإعلام وثقافة الأزمات

تلك الكتب الإعلام وثقافة الأزمات كان الصديق قد اودع كتابه لدى احدى المؤسسات لطبعه ونشره، وعندما كان يزور تلك المؤسسة للاستفسار عن لكتاب يأتي الجواب بان اللجنة المكلفة بتقرير مصير الكتب لم تجتمع، ولم تحدد موعدا لاجتماعها، وبعد مراجعات للمؤسسة واستفسار عن اللجنة واجتماعها قيل له: ان اللجنة اجلت الاجتماع لان الظروف السياسية التي يمر بها البلد تستدعي التاجيل، وتعطيل مثل هذه النشاطات، ولان الظروف غير مناسبة لها، كما ان المؤسسة بحاجة الى تركيز الاهتمام على ما هو اعتيادي من نشاطاتها ولعل اغلب دور النشر العراقية الرسمية وغير الرسمية تعمد الى ايقاف او تاجيل نشاطاتها خلال اوقات الازمات، ومثل هذا التصرف قد يكون من عموميات مراحل الازمات، اذ تلجأ مؤسسات ومنظمات غير ثقافية الى ايقاف وتاجيل بعض نشاطاتها في ظروف اشتداد وتازم الواقع السياسي لحين ظهور بوادر اخرى، كما ان هناك من يستغل اوقات الازمات للحصول على مكاسب معينة، سياسية واقتصادية واجتماعية ولالقاء الخسائر الناجمة عن الاسباب والنتائج على جهات سياسية، وكل هذه التوجهات تطرح نفسها في ظروف الازمات، ومن خلال الفضائيات والصحف والمجلات التي تهتم بما هو اني وظرفي، ولكن الغالب على هذه التوجهات انها اعلامية، وانها مؤقتة ومحدودة وانها تفتقر الى الثقافة ووعيها، وفعالياتها، وتنظيرها وبرامجها. ويحدث ان تشهد الساحة الثقافية انعقاد ندوات ومؤتمرات متواصلة مع الازمات وتداعياتها، ولكن هذه الندوات والمؤتمرات غالبا ما تكون مشدودة الى السياسة واعلامها، وغالبا ما تكون انية وظرفية، ولا تشكل غير ومضات سريعة في نشاط المنظمات والمؤسسات الثقافية. ومع ان العراق من اكثر البلدان تعرضا للازمات واشكالياتها وتداعياتها، الا ان بلدانا اخرى اقل تعرضا للازمات قد استطاعت ان تكتب وتصدر كتبا عن هذا القليل، وان تقدم المتابعات والدراسات الجادة عنه. ومما يلاحظ على المؤتمرات والمهرجانات الثقافية العراقية انها تحاول ان تكون بعــــــــيدة عن الســــــياسة ومجرياتها واشتدادها وسخونتها في اغلب الاحيان، ففي الوقت الذي تشتد فيه الا زمات تقدم القصائد والدراسات وكانها في عالم اخر، وكأنها قد كتبت بمعزل عن ظروف العراق وما يواجه من تحديات. ولست ادعو بذلك الى ثقافة اعلامية، تسيطر عليها الشعارات والتقريرية، وتسودها الانتماءات الطائفية والعرقية والمصالح الانية، ولكنني اجد ان الاندفاع وراء الاعلام قد عزز من خطورة هذه التوجهات، وان من الضروري الرجوع الى الثقافة بمعناها الوطني والتاريخي، والرجوع الى الادب العراقي الذي كان ومايزال راسخا في هويته الوطنية متواصلا معها، ومدافها عنها. ومما هو اوضح ان الاعلام في الاغلب يتحرك تلبية لمن يسيطر عليه ولكن الثقافة تتحرك برصيدها من المبادئ والقيم، وبما قدمت من اسماء وابداعات على امتداد تاريخها، وهي ليست ادبية فقط، وانما تشمل الميادين الفنية والعلمية، وان الحاجة ملحة لان تظهر كتب عن المنظور الفلسفي والاجتماعي والنفسي ولان تتواصل المعارض والندوات والمؤتمرات مع الازمات وتداعياتها، وان لا تظل النزعة الادبية هي المجال الوحيد للثقافة، في كل المجالات،معززة بحب العراق، والاخلاص له، وعمق ورسوخ وحدته الوطنية معززة بالجهد العلمي الحريص على وعي ودراسة ما يقدم العراق من تجارب وتداعيات.