تعقيد المعقد لحل الأزمة السورية
طه عبد الواحد
كأن الأزمة السورية مبارزة بين الدبلوماسيين من دول العالم لاسيما تلك التي يتبارى وزراء خارجيتها في إظهار مدى الحنكة والدهاء، بل والذكاء، وحتى الدراية بأدق التفاصيل أحياناً مثلما فعل الوزير لافروف الذي عرض في مؤتمره الصحفي الأخير تفاصيل جعلته يبدو كمراسل صحفي أكثر من كونه وزير خارجية. هذا في الوقت الذي يسقط فيه كل يوم المزيد من الضحايا السوريين نتيجة دوامة العنف التي غرقت بها البلاد، بينما العالم منشغل بالحديث مجرد الحديث لا أكثر ودون أي فعل مؤثر من أي طرف دولي أو إقليمي أو من طرف المجتمع الدولي ككل عن دعم الجميع وتمسكهم وإصرارهم على خطة كوفي عنان، وضرورة توحيد الجهود لإجبار الأطراف السورية على الالتزام بها وتنفيذها.
وفي تناقض غريب عجيب تدهشنا به وتتحفنا العقول الدبلوماسية حول العالم، نجد إنه وفي الوقت الذي تتطابق فيه تصريحات رؤوس دبلوماسية الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وغير الكبرى، الفاعلة وغير الفاعلة في الأزمة السورية، حول خطة عنان، يطل علينا وزير الخارجية الروسي سيرغيه لافروف بدعوة لعقد مؤتمر دولي في موسكو، أو في جنيف، والروس يفضلون موسكو طبعاً، للبحث في سبل حل الأزمة السورية بمشاركة كل القوى الدولية والإقليمية بما في ذلك إيران والسعودية، اللتان تُتهم الأولى من جانب المعارضة السورية والدول المناوئة لنظام الحكم السوري بأنها طرف في الأزمة وتقدم الدعم العسكري لهذا النظام كي يبقى، بينما تُتهم الثانية من جانب نظام الحكم في دمشق والموالين له بأنها تقف وراء إشعال فتيل الأزمة وتغذي العنف في سوريا عبر تقديم الدعم للجماعات المسلحة. إنه اقتراح أزماتي لحل أزمة، ما يعني إنه عوضاً عن تقديم اقتراحات تساهم فعلاً في وضع حلول سريعة وإيجابية تنهي العنف في سوريا، اقترحت روسيا الدولة الكبرى عرضاً أصبح أزمة بحد ذاته، حيث ترفض الدول الغربية مشاركة إيران فيه، بينما قد نسمع رفضاً من جانب أطراف أخرى لمشاركة دول مثل السعودية وقطر وتركيا فيه. وبالمحصلة ستجد الدبلوماسية الروسية نفسها منشغلة ببذل الجهد لإنجاح مؤتمر دولي حول الأزمة السورية لإقناع الأطراف كلها المشاركة فيه، وكأنها تريد تعويض فشلها في تنفيذ فكرة عقد مؤتمر دولي لتسوية النزاع في الشرق الأوسط طالما حلمت موسكو بتنظيمه واستضافته لكنها لم تتمكن من ذلك لعجزها عن التأثير على تل أبيب بالشكل الذي يلبي المصالح الروسية في هذا الشأن.
السؤال هنا ما هي الحاجة لهذه المؤتمرات أو لتأسيس مجموعة اتصال حتى، ما دامت كل القوى تعلن تمسكها بخطة عنان وعزمها دعم هذه الخطة وصولاً إلى تنفيذ الأطراف السورية لبنودها كاملة؟ ألن تشكل المؤتمرات الإضافية الجانبية مضيعة للوقت وإراقة للمزيد من الدماء السورية؟ من ثم ما هي الحاجة لهذه الخطوات الإضافية ما دامت كل الأطراف التي تريد روسيا رؤيتها في المؤتمر الدولي الذي يقترحه لافروف موجودة في هيئة الأمم ومجلس الأمن الدولي، الساحة التي شهدت توافقاً على خطة عنان منذ البداية؟ لماذا لا تركز الدبلوماسية الروسية جهودها في مجلس الأمن لتجد صيغة توافقية مع القوى الدولية حول آليات دفع الأطراف السورية إلى الالتزام التام بخطة عنان؟ أليس الهدف النهائي من خطة عنان إيقاف العنف لبدء حوار سوري ــ سوري تتفق فيه الأطراف السورية بإشراف دولي، لكن دون تدخل أو املاءات على أي من الطرفين، إلى صيغة لحل الأزمة؟ ما الجديد الذي سيحمله المؤتمر التي تدعو إليه روسيا ولا تتضمنه خطة عنان؟ أم أن الدعوة للمؤتمر إقرار دون إعلان مباشر بفشل خطة كوفي عنان؟ ليس لافروف وحده الذي يدهشنا من يوم لآخر بحنكته الدبلوماسية الفريدة العجيبة، ولا يختلف الحال عند نظرائه مثل وزير الخارجية البريطاني أو وزيرة الخارجية الأمريكية، فهؤلاء احتاروا في أمرهم، تارة يؤكدون إنه لا توجد أي نية أو إمكانية لتدخل عسكري في سوريا، وتارة يضعون التدخل العسكري ضمن الخيارات الجاهزة للتنفيذ عندما تنضج الظروف، وربما دون الحاجة لنضوجها. وتراهم يؤكدون أنهم اتفقوا مع روسيا على العمل المشترك والتنسيق لحل الأزمة السورية، ليعلنوا بعد ذلك رفضهم رؤية إيران على طاولة المؤتمر الروسي المقترح، وعدم قدرتهم قبل ذلك على التوافق معها حول تدابير لتطبيق خطة كوفي عنان عبر مجلس الأمن، ما يعني حقيقة أنهم وزراء خارجية الغرب كلهم في حالة ارتباك وعجز وعدم قدرة على القيام بأي عمل دبلوماسي أو سياسي يؤثر فعلاً على الأزمة السورية لحلها. أما إذا كانت جعبتهم قد فرغت من الاقتراحات الذكية المذهلة ولم يبق لدهم سوى الخيار العسكري فإنه مرفوض لأن القتل لا يولد إلا القتل، والعنف حتى إن جاء بذريعة حماية المدنيين لن يكون حلاً للأزمة السورية، بل تعقيداً لها، واقرب إلى صب الزيت على نيران الوضعين الإقليمي والدولي. هذه وجهة نظر شخصية ولكل الحق فيما وكيف يراه.
واضح أن المجتمع الدولي مرتبك، كما هو واضح أيضاً أن كل طرف يبحث عن مصالحه في سياق طرح الحلول للأزمة السورية. الغرب يريد وضع اليد على سوريا، وإن لم يكن كذلك فلا ثقة بنواياه لأن هذا الغرب لم يأت يوماً بالخير أو الأمن والأمان للشعوب العربية، بل على العكس تماماً، وبأقبح صور قد يتخيلها عقل. أما روسيا فإذا كانت حريصة فعلاً على مصلحة الشعب السوري فحري بها أن تتابع نشاطها المعهود عبر مجلس الأمن لتتفق مع القوى المعنية على صيغة لا تسمح بتدخل خارجي لكنها تفرض على الأطراف السورية تنفيذ البنود الستة لخطة كوفي عنان، فالوقت ليس وقت تسجيل الانجازات الدبلوماسية بالدعوة لمؤتمرات تزيد من تعقيد المشهد السوري المعقد أساساً لدرجة يصعب تخيلها. ولعله كان من الأفضل أن تقدم روسيا الدعم للشعب السوري بتوقيع اتفاقيات اقتصادية تساعده على تجاوز أزمته الناجمة عن العقوبات الغربية. إذ يبدو غريباً عدم توقيع أي اتفاقية في مجالات حيوية بين روسيا وسوريا خلال الاجتماع الأخير في موسكو للجنة الحكومية الروسية ــ السورية التي لم تخرج سوى ببعض البروتوكولات والبيانات السياسية.
انباء موسكو.
/6/2012 Issue 4224 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4224 التاريخ 12»6»2012
AZP07























