رحيل راي برادبري صاحب رواية 451 فهرنهايت
الروائي الهارب من الموت منذ صباه
عواد ناصر
رحل أخيراً واحد من أهم صناع الخيال الروائي في عالمنا الحديث وهو راي برادبري، عن واحدٍ وتسعين عاماً، صاحب 451 فهرنهايت وهي الدرجة الحرارية التي تحترق فيها الكتب متخيلاً عالم المستقبل الخالي من الكتب، وظل يعارض فكرة الكتاب الإلكتروني سنوات طويلة لأنه فكرة تفوح منها رائحة الوقود حسب تعبيره، و لأن الإنترنت فكرة مجردة تدور في مكان ما من افضاء البعيد . أول من رثى الراحل هو الرئيس الأمريكي باراك أوباما بكلمات حرة وعاطفية لكنها تحمل الكثير من المعاني النقدية حتى لو جاءت في سياق تأبين مواطن أمريكي غير اعتيادي، مبدع ومؤثر في أجيال عديدة من الكتاب والعلماء والمربين. قال أوباما في تأبين براديري أعاد تشكيل ثقافتنا وجعل العالم أكثر اتساعاً … آيات الإعجاب والتقدير توالت، وتتوالى، لهذا الكاتب الأمريكي المحبوب، وبالنسبة لكثير من الأمريكيين فإن خير رحيل برادبري يحيل، فوراً، إلى عقولنا تلك الصور المؤثرة من عمله الأدبي، وغالباً، منذ وقت مبكر . وأضاف تفهم برادبري أن تصوراتنا يمكن أن تسهم كأداة في تفاهم أفضل، نحو للتغيير، والتعبير عن أكثر قيمنا اعتزازاً، وبلا شك فإن راي سيستمر ملهماً لأجيال أخرى عبر كتاباته . حسب أليسون فلود من الغارديان .
حكامنا ومبدعونا
تثير فينا كلمات الرئيس الأمريكي وهو يرثي مبدعاً من بلده، حتى لو جاءت في سياق بروتوكولي، أسئلة عديدة بشأن مبدعينا الكبار الذين رحلوا بصمت ولم يذكرهم، أو يتذكرهم ملك أو رئيس أو وزير عربي، ولم يقرأ أحد هؤلاء حتى سورة الفاتحة بل لم تذع حتى أخبار رحيلهم من تلفزيوناتنا وإذاعتنا المحلية بعناوين رئيسة في نشرات الأخبار. رحل محمد مهدي الجواهري في منفاه غريباً، مطارداً، ولم تستقبله تربة وطنه حتى ميتاً، ورحل غائب طعمة فرمان في منفاه الذي أمضى فيه أكثر من نصف عمره، ورحل محمود درويش ليشتم من قبل حركة حماس الفلسطينية وترابه لم يجف بعد، وتعرض نجيب محفوظ إلى الاغتيال طعناً بالسكاكين، وعشرات غيرهم لاقوا مصائر مشابهة، بين التجاهل والفقر والنسيان والتناسي. برادبري ترك مئات القصص القصيرة وكتب الكثير من السيناريوهات لمسلسلات تلفزيونية ورشح السيناريو الذي كتبه لفيلم موبي ديك رواية مواطنه هيرمان ميلفل لجائزة أوسكار.
القراءة فضاء ديمقراطي
نوه بأهميته العديد من الكتاب والفنانين داخل الولايات المتحدة وخارجها لأنه ما زال يعيش بين آلاف المعجبين بروائعه في الخيال العلمي التي ستبقى خالدة كما قال المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبيرغ. سيصار إلى طبع مجموعة قصص قصيرة مشتركة تحية لبرادبري، حسب الناشر الأمريكي هاربر كولينز، يشارك فيها 26 مؤلفاً، من بينهم مارغريت أتوود وأودري نيفنغر وديفيد إيغرز. خص باردبري قضية القراءة بأهمية استثنائية في عام 2008 في كلمة امام الصندوق الوطني لدعم الفنون لأن القراءة تخلق فضاء ديمقراطياً يتيح للناس كيفية إعطاء أصواتهم، قائلا اذا كنت تعرف كيف تقرأ، تكون أكملت تعلمك عن الحياة، ومن ثم تعرف كيف تعطي صوتك في سياق الديمقراطية. ولكن اذا لم تكن تعرف كيف تقرأ، فإنك لن تعرف كيف تقرر، وهذا هو الشيء الأهم في بلدنا. نحن ديقراطية قرّاء ويجب ان نحافظ عليها على هذا النحو . لكن ما أهم ما احتفظت به ذاكرته هو، عن الموت والحياة منذ زمن موغل في القدم، عندما كان طفلاً في الثانية عشرة من عمره؟ لنقرأ ما قاله بنفسه كنت أعشق السيرك وعالمه المليء بالألغاز والغموض أعتقد أن أهم ما علق في ذاكرتي هو السيد الكتريكو Electrico) . كان ذلك في عطلة عيد العمال، عام 1932، وكنت، آنذاك، في الثانية عشرة من عمري عندما جاء ذاك السيد إلى مسقط رأسي مع الاخوين ديل …. وكان هو المؤدي الذي يجلس في الكرسي الكهربائي ممسكاً بزر الساحب اليدوي لخشبة العرض وكرسيه ذاك كان مشحونا بـ 50000 فولت من الكهرباء. لمع البرق في عينيه ووقف شعر رأسه في نهاية الأمر. جلست أدناه، في الصف الأمامي، فما كان منه إلا أن ربت على كلا كتفي ونقر أنفي بإصبعه مداعباً، ثم صاح عش، إلى الأبد . فكرت مع نفسي يا إلهي ، إنه أمر رائع كيف فعلت ذلك؟ .
ساحر صغير
في اليوم التالي، كان علي أن أذهب للمشاركة في دفن أحد أعمامي الأحب إلى نفسي. وعند عودتنا، أنا وعائلتي مرة أخرى من المقبرة نظرت إلى أسفل التل باتجاه ساحل بحيرة ميشيغان فرأيت هناك الخيام والأعلام المرافقة للكرنفال فقلت لأبي يا إلهي أوقف السيارة ، فسألني مستنكراً ماذا تقصد؟ قلت لا بد لي من النزول . هذا أنا، طفل الثانية عشرة أقول ذلك. أوقف أبي السيارة ونزلت وكان غاضباً لأنه توقع مني البقاء مع العائلة لتقديم العزاء. ولكني ترجلت من السيارة على أي حال، وركضت نحو أسفل التل حيث الكرنفال. حتى قبل بضع سنوات، نسيت أمر الجنازة. لكني كنت أركض هارباً من الموت، ألست كذلك؟ كنت أركض باتجاه الحياة. كان السيد إلكتريكو هناك، في الكرنفال، أسفل التل، جالساً على الرصيف عند واجهة الحفل، فاضطربت ولم أجد ما أقوله. كنت خائفا من ردة فعل غبية تجعل مني معتوهاً. كنت أحتفظ بخدعة سحرية في جيبي، واحدة من تلك الكرات وإناء الحيل، هو وعاء صغير في داخله كرة وتتلخص اللعبة في أنك تجعلها تظهر وتختفي، وما أن قدمت له عرضي السحري سألته هل تستطيع لك أن توضح لي كيف يمكن القيام بهذا؟ كان هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. وهو ما أتاح التواصل بيننا. كان يعلم انه كان يتحدث إلى ساحر صغير . كان برادبري هارباً من الموت باتجاه الحياة، إذن؟ ولم يزل بمنجى من الموت، لأنه تخلد مبدعاً يقص القصص القصيرة على العالم، ليجعله أكثر اتساعاً وقابلية للفهم والتفاهم.
/6/2012 Issue 4224 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4224 التاريخ 12»6»2012
AZP09























