المتمرد الحالم يختصر عمره شعراً

عبد الأمير الحصيري 1945-1987

المتمرد الحالم يختصر عمره شعراً

 زهير غازي زاهد

عبد الامير عبود مهدي الحصيري عرفته سنة 1959 في اثناء لقائي بالشاعر مرتضى فرج الله والشيخ عبد الصاحب البرقعاوي في شارع الخورنق قرب نادي المعلمين ، وكان الوضع الاجتماعي في العراق قريب عهد بثورة تموز 1958 الوطنية ، وبداية انقسام الشعب العراقي إلى تيارين : أحدهما : التيار اليساري ويضم معظم الشعب العراقي ، والتيار القومي الخليط من القوميين ورجال العهد السابق والمتضررين من الثورة، وما يختلط بالتيارين من فعل المخابرات الدولية والاقليمية التي تشجع على استمرار الخلاف والصدام. رأيته شابا نشط الفكر والعواطف كان قد أصدر في حينه مجموعته الأولى (أزهار الدماء ) ويتداولها الشباب من الطلاب ، وهم في سنّه، لأنه لم يكمل دراسته الثانوية إذ كان مغمورا بالشعر والأحداث حتى قمة رأسه ، كانت ملامح التمرد تظهر في سلوكه وكلامه ، أهدى لي مجموعته الشعرية وهو يفخر بها ، فهي باكورة أعماله طبعها له جماعة اتحاد الطلبة من أصدقائه في حينه، فهو من عائلة فقيرة كنت أشعر بارتباطه بوالدته أكثر من والده .

كان شديد الطموح للانتشار والحصول على وضع اجتماعي وأدبي أفضل من وضعه. وهذا الشعور دفعه إلى الهجرة إلى بغداد متمسكا باتحاد الأدباء ورئيسه الشاعر الكبير الجواهري، فهو من النجف ايضا وهاجر إلى بغداد في وقت مبكر من حياته، فكان الحصيري يقتدي به ، فدفعه طموحه إلى بغداد مع انعدام أسباب المعيشة لديه . وهذا فرق بينه وبين الجواهري ابن العائلة العلمية الموسرة فجمع بينهما الطموح والتمرد على البيئة الاجتماعية وقيودها ، فلأجل أن يؤمّن وسيلة لاستمرار حياته عمل في مكتبة اتحاد الادباء بمقابل بسيط واتخذ من الاتحاد سكنا وملجأ له ثم اعتاد على ارتياد مقاهي شارع المتنبي كثيرا فصارت عنوانا له ، فمرة مقهى الزهاوي، واخرى حسن العجمي، واخرى البرلمان، وبعض الاحيان الشابندر في شارع المتنبي، وبعض المرات مقهى البلدية في نهاية شارع المتنبي من جهة الميدان ، واستمرت لديه حياة الصعلكة والتسكع فعرفه الوسط الأدبي إذ التقى بمختلف الأدباء في الاتحاد أو خارجه بهذه السمة مع أنه كان يكتب في بعض الصحف البغدادية وكانت كتاباته تنّم عن قدرة أدبية لكنه لم يشأ يثبت على حالة ثابته إذ كان كثير القلق شديد التوق إلى الحرية ورفض القيد ، لكن الحياة تجبره على الخضوع في مواقف وحالات يقتضيها استمرار الحياة التي كان منشدا اليها أعظم الانشداد ويحب ملاذّها بجنون ، لكنه لم يقبض إلا على كأس الخمر الذي اتخذه منقذا ومغيباً له عنها وعن مشكلاتها ومتطلباتها، فلجأ أحيانا إلى بيع نتاجه الشعري لمن يشتريه من الشباب المتطلع للشعر، فكثير من شعره قد ضاع، فهو كان يحمله معه بحقيبة مترهلة أينما جلس أو ذهب أو نام في عتبة فندق أو رصيف شارع وهو مخمور غائب عن الوعي . كنت التقي به كثيرا في مرحلة دوامي في كلية التربية من سنة 60 – 1963 وبعد تخرجي عينت مدرسا في إعدادية النجف الاشرف ، فكنت التقي به حين اتى إلى بغداد ولقائي كان أكثره في مقهى الزهاوي أو مقهى البرلمان ، فقد كانتا مفضلتين لديه، لرعايتهما له وتحملهما شطحاته أو ثقل زائريه . وفي نهاية ستينيات القرن الماضي وقبل أن انتقل إلى جامعة البصرة كان الحصيري يقوم بغزوات إلى النجف ، ويفاجئني صباحا ضرب على باب البيت في حي الحسين، فحين اخرج لمعرفة الطارق إذا بي اجد الحصيري واقفا يلفه الدوار . أدخله إلى المكتبة وكانت أقرب مكان إلى الباب وإذا به مخمور، فكنت ألومه على سلوكه في حياته لكنه يسمع اللوم ويتغاضى، وما إن نجلس ونأخذ شيئا من الافطار اذا به يطلب لزوميات المعري أو ديوان المتنبي، فهو يريد أن يستعيد قراءاته الشعرية أو تثبيتها، ما كنت اطمئن إعارته الكتاب ليخرج به إلى مقهى اتخذه في ايام مجيئه إلى النجف في شارع المدينة . وهو مقهى واسع هادئ صباحا اتخذه مكانا لقراءته آنذاك فكنت أعيره الديوان جزءا بعد جزء يكمل ما عنده ويعيده ثم اعيره الاخر . كنت أشعر أنه يمتلك العالم في خياله فكل شيء له حصة فيه حتى ما يمتلكه الآخرون من كتب أو مال ، لذلك كان لا يعد الطلب عيبا مهما كان قليلا ، فحين يحتاج يجد من حقه أن يطلب من أي صديق أو معرفة لسد حاجته – هذا كان سلوكه في بغداد وحين يجئ إلى النجف أياما حتى اواسط السبعينيات من القرن الماضي فقليلا ما التقيت به من سنه 70 سنة نقلي إلى جامعة البصرة حتى النصف الثاني من سنة 1976 بعد عودتي من القاهرة وحصلت على شهادة الدكتوراه ، فحين آتي إلى بغداد من البصرة كنت أتقصد لقاءه، واكثر ما التقيه في مقهى الزهاوي أحياناً، ومقهى البرلمان على رأس شارع المتنبي من جهة شارع الرشيد، فهي مقهى فارهة واسعة فيها ما يلزم الجلوس من وسائل لهو أو زوايا تحتوي حلقات الرواد من الادباء خصوصا ايام الجمعة يوم العطلة ، لكن الحصيري كل حياته كانت عطلة تجده كل يوم أحيانا يتوسطه حلقة من زائريه ويتمدد على اريكة المقهى وبجانبه حقيبته المترهلة العتيقة التي فيها كل حاجاته واوراقه وأسراره وبيده (النرجيلة) يصرف منها وينفث دخانها ويستغرق في الحديث أو يقرأ شعره للجالسين بترنم وانشاد يلفت انظار الاخرين من جلوس المقهى. كانت شخصيته جاذبة لمن يعرفه بصباحة وجهه وبوسامة ملامحه وبلثغته الخفيفة في لسانه وبوداعته حين يقبل على سامعيه لكنه ينتفض غضبا في وجه من يحس به المس بشعره أو بشخصه وبسرعة ينسى غضبه ويعود إقباله لمجالسيه ، كان يحس بقابليّته وبحقه في الحياة والتمتع بها، لكنه يكظم غيضه، لانه يجد من لا يستحق استحوذ على ما ليس من حقه بل كأنه سلب حقوق غيره ، فالحياة ظالمة والنظام ظالم

الظلم من شيم النفوس فان تجـد ذا عــفـــة فـلـعـلــــة لا يـظــلـــم فرفضه للواقع الذي يعيش فيه هذا كان أساس حافزه ، وتضخم الرفض لديه حتى صار تمردا على كل شيء في الحياة فاتجه إلى الانتحار البطئ (إدمان شرب الخمر)، لأنه يخاف من الموت بالانتحار السريع ، وهكذا تقولبت حياته على اللاابالية في الأمور، لكنه شديد الإحساس بها، وشعره أصدق تعبير عن ذلك حتى حين توفرت له فرصة عمل في التلفاز ليكسب قوت يومه وافق ظاهراً وأبى الخضوع لقيد الوظيفة باطنا، لأنه بتصوره أكبر من رئيس المؤسسة في أدبه وحقه ، فكيف يخضع لأوامره وقيوده في الدوام ، ففي هذه الحال وافق ظاهراً ورفض بسلوكه في عدم الاستقامة في دوامه اليومي وهيأته فرفضه مدير التلفاز وكان حزبيا متشدداً (1) . فعاد الحصيري إلى حياته وتمرده الذي يشعر بحلاوته بالرغم من شدة المرارة، لأنه يخلو من قيود الوظيفة وأوامر رئيس الدائرة ، حتى هيأ الله له الأستاذ عزيز السيد جاسم رحمه الله، فالتزمه، وتقبله على ما هو عليه من سلوك غير مألوف، ورثاثة في طلعته. ومما يثير التعجب في سلوكه انه مسرف شديد الإسراف اذا حصل على مبلغ في مناسبة اذكر أنه حاول في بداية السبعينيات أن يسافر إلى الكويت وفعلاً سافر لكنه أخفق في محاولته البقاء هناك وتثبيت أقدامه ، فكان مستعداً لأن يكون شاعرا لأمير يلتزمه وكتب شعراً لكنه لم يتوفق لأنه مبعثر الفكر متناقض السلوك فلم تقبله البيئة التي ذهب إليها وعاد إلى العراق ، وحكى لي عن سفرته وإخفاقه في مقهى حسن العجمي في منتصف سبعينيات القرن الماضي وكانت بداية علاقته بالسيد عزيز السيد جاسم لكنه رمى سبب إخفاقه على جهل من اتصل بهم في الكويت وغبائهم لإقناع نفسه في إخفاقه .

ومرة أخرى زار أحد الأمراء الكويتيين بغداد فأحضر قصيدة في مدحه وذهب إلى فندق بغداد حيث ينزل الأمير لكن الحرس لم يسمحوا له بلقائه، فأخذوا قصيدته فكان كرم الأمير أن كافأه بمئة دينار ، وهي ثروة في سبعينيات القرن الماضي ، فلم تثبت الدنانير في جيبه سوى تلك الليلة ونهار غدها ثم خلا جيبه وعاد إلى ضغط الحاجة . كان رحمه الله كريم النفس فيما يستطيع فيدعو أصدقاءه ويغدق عليهم بما عنده ثم يعود إلى الحاجة .

تحسنت حاله حين التزمه السيد عزيز السيد جاسم، واستطاع ان يحصل له براتب شهري من الاعلام يأتي الحصيري رأس الشهر ليتسلم مئة دينار بعنوان تقاعد شاعر، كما كان يخصص لبعض الشعراء .. فصار الحصيري يعتدل حاله رأس الشهر وأياما منه ثم يعود على انه كان يراقب عدم رضى من التزمه السيد عزيز .

وظل على هذا الحال يراوح بين استعداد للحياة رأس الشهر تجده يلبس البدلة ويغتسل فيظهر على احسن صورة وخلق وخلال يومين أو ثلاثة تجده ملكا في جلسته وكرمه وبعدها تنتهي تلك الابهة التي لبسها مضطرا ليرضى السيد ويسعف نفسه ثم يغط في غيبوبة يقظة وروح تريد الانطلاق إلى العالم الأوسع حتى حل آخر يومه وودع الحياة التي أبى أن ينسجم معها ويوافق مقتضاها رحمه الله ، وحمل إلى مدينته النجف الاشرف .

لقد كان طاقة ابداعية أفصحت عن قدرتها منذ حداثة أيامه ولكن ضيعتها وشتّتتها ظروف حياته القاسية وعدم العناية بالكفاءات والقدرات الخلاقة في هذا الوطن .

كتب شعره بالشكلين العمودي والحر ، ففي بداياته كان ينفر من التغيير والتطور الذي حصل في شعر التفعيلة، وأصر على العمود، ولكن بعد أن أثبت تمكنه من المقفى أراد أن يثبت قدرته في الشعر الحديث، فكتب القصيدة الحرة ولكن ملامحها ظلت تناغي العمود وأبدع أيضا.

كتب القصيدة الطويلة في العمودي والحر، فكان طويل النفس مقتدرا في لغته وصوره الشعرية حتى حاول أن يجاري المعلقات المعروفة فاتخذ عنوانا لقصيدة طويلة في بغداد سماها ” معلقة بغداد ” بمناسبة الاحتفال العالمي بذكرى الفيلسوف الاسلامي (الكندي ) سنة 1962 ونشرت في حينه .

إنّ دارس شعره تقوم في نفسه ملامح فكر الحصيري ومضامينه ، فشعره عبر عن ثورة شاعر اجتماعية سياسية لكنه لم يظهر سياســــــيا، وإنما أصرّ على ظهوره شاعرا قد كبتت أفكاره الوطنية والقومية والانسانية أحداث وتقــــــلبات اربكت خطاه ففقد توازنه السلوكي في المجتمع الذي هو ايــضا عاش مرتبك الخطى والاحداث ، ففي هذه الحال علينا أن لا ننسى الأحداث والانقلابات السياسية وآثارها النفسية والفكرية على الشاعر . أتابع مراحله مع المراحل الاجتماعية .

كان الحصيري ينشد الحرية بوطنه، فانساق مع فورة الشباب لهذا التفكير الوطني المتحرر، فدفعته حياته للانتقال إلى بغداد المدينة التي كانت بين 59 – 63 صاخبة بالصراع الاجتماعي والفكري والسياسي وذلك بين تيارين احدهما يساري يضم كل اطراف اليسار من شيوعيين ووطنيين وديمقراطيين وتيار مضاد ضم القوميين بكل فصائلهم وقوى خفية تقف وراءه تنشد إسقاط الخط الوطني في ثورة تموز 1958 التي قامت بخطوات أزعجت قوى التسلط العالمي البريطاني الزائل والأمريكي المتقدم للساحة والسيطرة عليها، فشاعرنا منذ كان في النجف انساق مع تفكير التيار الأول كان وطني الاندفاع في شعره ، ثم أخذت عواصف تلوح في الأجواء لتغيير الوضع واذا بانقلاب دموي في شباط 63 قلب موازيين القوى والتفكير بقيادة حزب البعث ومن آزره فانكفأ فكر التيار الأخر المضاد ثم الانقلاب القومي الأخر بعد سنة ونصف دام متأرجحا حتى سنة 1968 الانقلاب الذي عاد به البعثيون للسلطة .

 فالشاعر لم يغير موقفه وتفكيره الوطني ولكن لم يشأ ينساق مع العواصف السياسية في البلد ، وهو يشعر بضعف موقفه الاجتماعي والخوف يسيطر على لسانه على الرغم من انه كان شجاعا في رأيه الشخصي بين الآخرين ولكنه لا سند وراءه لا مادي ولا بشري ، لذلك ظهر كل ذلك في شعره .

 فشعره ذو فكر يساري متخفّ لم يغيره وظل يشعر بوطنيته ويؤيد المواقف القومية العادلة لا العنصرية في شعره يعبر عن كل ذلك عنوانات قصائده، فهو في عنوان ” وطني ” يعبر تعبيرا صادقا عن وطنه ولكنه في عنوان ” خارطة الخلود ” يضع أو وضع له بعد العنوان العبارة ” ستبقى ثورة السابع عشر من تموز الجبارة خالدة أبد الدهر ” فهي عبارة استرضاء ربما وضعها ناشر ديوانه وراعيه عزيز السيد جاسم، لأنه هو أيضا عايش النظام متقيا سطوته التي أصابته عند انكشاف البواطن .

لا أريد ان أسهب نحن نجد العنوانات الوطنية والقومية المدافعة عن الأمة والوحدانية في شعره، لكن الحرية والثورة على الظلم هي الدائرة الدلالية لشعره .

لذا نجد هذه العنوانات وأمثالها ” شمس التأميم ” تحية الجبهة الوطنية ، يا ابن الجبال الشم ، أنشودة الفلاح ، امتي ، جذور الاستغلال ، صوت فلسطين ، صوت الفداء ، شهداء تشرين ، مواثيق الإسلام ، سلاماً أيها الخليج ، مدينتي .. وأمثالها تموج في مضامينها تفكير يشده حب الحرية والاستقلال . ان تحليل ثلاث قصائد من ديوانه الذي طبعه السيد عزيز السيد جاسم تظهره متحدثا صريحا مرة عن رمز الشراع وأخرى في مدينتي وفي الليالي الأخيرة التي ودع بها الحياة فالاولى ” احفر الريح ” (2) تعبر من عنوانها على فعل المستحيل . يتخذ فيها من الشراع رمزا يخاطبه في عصف الرياح :

أُحفُرِ الريـــح وارتـفـــع أيّ مغنــى من نهار .. بــه المرافــــئ تهنـــــــا

وانطلق في يد الاعاصيــر نشــــــــوا

نَ ورتل أقصى المطامــح أدنــــى

وتحرر من التقاليــد .. وارقــــــص في مروج الموج المرنّــم غصنــــــــا

كل ما ترتئــي رغائبــــــك الريّـــــــا تفتّح يحضنــــــك مـــــــا تتمنّـــــى

وتنشّق عبير روحـك في الافـــــــــق اذا أدمــن الـــقــنـــــــوط المعنّــــى

وارتشف من رحيق الحانك الخضـ

رِ إذا ناعــس البكـــــــور تثنّــــــى

*****

وهكذا يستمر في أفعال الأمر ثم يغيرها بأفعال الماضي حتى ينتهي المقطع ثم يبدأ المقطع الأخر نبداء الشراع ( يا شراعا ) يجعل الشراع وكأنه قائد ” يشرب الأفق خطوة ” “ويهدي إلى الموانئ سفنا ” حتى نهاية المقطع ويبدأ المقطع الثالث بالنداء نفسه ” يا شراعا ” وفيه تبدو شكواه وأسئلته الحياتية الحائرة :

يا شراعا قد هدهد الدهــــر دنيــــا

ه وأوهى من زهوه السمح مبنـى

حينما اطلق السفائــــن في البحــــر يقـود اللهيـــــب منهـــنّ ظنـــــــــا

ويعلّى بهــــــا على مفــــرق اللــــجّ

ويسقي الرياح رعبــا وضغنــــــــا

أين تمضي؟ وقد مضت تملأ البحر وتوهي طريقـــــــك المستمنّـــــــــا

*****

ويكرر السؤال ( أين تمضي ) مرتين بعد ذلك ولا نجد جواباً وفي المقطع الرابع يكرر النداء ( أيهذا الشراع )

أيهذا الشــراع يا مـــــلك الأمـــــــواج

بالأمـــــس يا صبــــاحــــــــا أغَنّــــــا

حسبك الفخر أن رفعة هـــــذي الـ

سفن الغرّ من كفاحـــك تجنـــــى

أنت أهديتها إلى مكمـــن الســـــــر

 وأسلمتهـــــا المســــــار الأحنّـــــــا

لا يثقلّك طارق الهـــــم وارحـــــم

            خافقا منك كــان للرغــــد بَنّــــــا

لـذ بماضيك واقطـف الغـــــد منــــه

 وتجنّب نشيــــد ” كنّــــا وكنّـــــــا “

ان تفــاخـــــرك للبــــــوارج امجــــــا

دٌ ضخام فحسبك الصمــت معنـى

ودع الأمــس أن يحــــــدّث عمّـــــا

 كنتَ تضفي به على اللمح وزنـا

فلقد جبت كـــل عصــر وعاشـــــر

ت نجوما قطعن سهلا وحزنـــــــا

*****

وهكذا تستمر الابيات ” وحملت الأعراس ” ” وتوسدت الف بسمة سحر ” “وتراميت فوق أروقة الحلم ” ثم يقول :

حسبك الأمس ذاك فخراً ولـــكـن

لا تدع للقنوط رأســــــك يحنـــى

هكذا يستمر حواره الداخلي حتى ختام القصيدة .  وبعدها قصيدة ” مع الشراع الغارب ” (3) يبدأها :

ألفتَ الرزايا وانتجعت اللياليـــــــا

 فكيف سترتاد الضحى والأمانيـا

تنقّل فيك الظل والجدب واللظــى

 ثلاثين عاما عاريـــات كواسيـــــا

*****

يستمر فيها حواره الداخلي واصفا ايام عمره ولياليه حتى يقول :

ثلاثون قد مرت ثقـــــالا واربـــــــع

 ولم أر فيها ما يغيــظ الماسيـــــــــا

ولم ابتصـر منهــــــن الا تعاقبــــــــا

 وغير أصابيح يرثـــــن اللياليـــــــا

*****

حتى قوله :

فياويـــح عمـــــر ليتنــــي ما ألفتــــه

 وما ارتدتُ من دنيا لظاه الأقاصيـا

وليت رؤاه لم تنــــــم بنواظــــــري

جحيما بليل المأمل العذب واريــــا

*****

وهكذا يستمر الحوار يصف نفسه وأيامه وسنينه ثم لا يقبض على شيء غير الاخفاق والألم وكأنه يناغي قصيدة مالك بن الريب التي وصف فيها غربته ورثى بها نفسه  (4) .

*****

والقصيدة الثالثة ” الليالي الاخيرة ” (5) كتبها على الشكل الحر هي مكملة لما ذكرت في حواره الداخلي يقول :

غازيا كنتُ في مهبط الظل .. حين أطل البريق

حطّمَ الباب .. فضّ السلاسل عنها

أشرع الكهف في الريح ..

ألقى جناحيه جسرين بيني وبين النهار

كنت أتلو كتاب القنوط .. ارتل آي الدوالي

وفؤادي فوق جدار الاساطين يغفو .. جرساً يوقظ الشموس

ويقود الأشعة الذهبية .. يغسل فيها نعاس الزروع

غير أني أعاشر صمتي .. وأستلهم الصمم المستضئ

بنوافذ تستشرف الغيب .. لابسة حفق حدسي

نظارة من زجاج الغيوب

*****

حتى يصل حواره لنفسه وحياته إلى قوله :

في سمائي بحر من الحلم .. من شجر الانتظار صواري

يتناقل هّمس الرياح الغيورة أخيلتي

يتحرى رحيل الضفاف

كنت مستسلما للغياب

التطلع يرقبني غفلة

أتصفّح سِفْر القنوط

واتلو نشيد الدوالي

وارقب موكب عمري .. يغادر في كل آن

منازل موطنه .. منزلا .. منزلا

*****

هذه القصائد الثلاثة تختصر حياة الحصيري بقلمه شعرا ، فقد وقف نفسه عمره للشعر ولكن انتهى كباسط كفيه إلى الماء، لكنه ذهب وبقي ديوان شعره إلى جانب دواوين كبار الشعراء صدقا واخلاصا .

 الهوامش

( 1) وهو محمد سعيد الصحاف آخر وزير للاعلام في النظام السابق لما قبل الاحتلال .

( 2) ديوان عبد الامير الحصيري ” شمس وربيع ” 299 تقديم واعداد عزيز السيد جاسم ط بغداد 1986 .

( 3) السابق 309 .

( 4) ديوان الحصيري “شمس وربيع” 345 .

(5 ) انظر القصيدة في كتاب ” شعراء الواحدة ” نعمان ماهر الكنعاني ص 23 مكتبة النقباء – بغداد 1985 .