سيرة جنوب المغرب الذي يرفض أهله النوم

يوميات القاص إبراهيم أكراف

 

سيرة جنوب المغرب الذي يرفض أهله النوم

 

فيصل عبد الحسن

 

 تنهل الرواية القصيرة ” وصايا جدي ” لإبراهيم أكراف من ثنائية الصراع الدائر في كل عصر بين الجنوب والشمال، الشمال الذي يكون عادة متطوراً وغنياً والجنوب المتخلف والفقير، هذه الثانئية العجيبة، والتي تجدها ظاهرة في بلدان كثيرة، ومن تلك الدول كانت الولايات المتحدة، التي عانت من حرب أهلية بين الشمال والجنوب بسبب هذه الفروقات وغيرها.

 

  وليس المعاناة التي ينقلها الروائي تقع في احوال أهل الجنوب فقط كجنوب بل هي تقع بمماحكة أخرى تقع بين شمال أوربي وجنوب عربي وأفريقي، فثمة حياة أخرى يعيشها الناس في أوربا، وخصوصاً تلك الدول القريبة من  المغرب كإسبانيا وفرنسا، والتي يحلم الشباب من أهل المغرب وأفريقيا في الوصول إليها بحثاً عن العمل وفرص الحياة الرغيدة.

 

الجنوب والشمال

 

   بطل الرواية إبراهيم شاب في الواحد والثلاثين من عمره ينحدر من مدينة جنوبية في المغرب تسمى تازممارت وينقلنا السرد الروائي إلى مدن جنوبية أخرى وهي ليس أكثر حظاً في الرخاء من تازممارت كقلعة مكونة وأكدز.

 

  إبراهيم يقررعدم أتباع وصايا الأب بالبحث عن عمل بسيط كأبناء المدينة الآخرين، وأن يرضى بالعيش المتواضع في مدينته، لكنه لا ينصاع لهذه الوصايا مصراً على أكمال ما بدأه ” كتابة سيرة له ولمدينته ” متطلعاً لأن يغدو كاتباً مهماً يؤثر في الأجيال القادمة من أبناء مدن الجنوب ليضرب لهم المثل بأن الجنوب يمكن أن ينجب أبناء نابهين كأبناء الشمال تماماً.

 

  ويعلل كاتب السيرة أن تخلف الجنوبيين ناجم عن أنخراط الأجداد في الكفاح الثوري ضد المستعمرين الفرنسيين والاسبانيين والبرتغاليين بينما بقى أهل الشمال يمارسون النضال السياسي ضد المستعمر، ووفروا لأبنائهم فرصاً دراسية ممتازة، وما أن أخذ المغرب أستقلاله من المستعمرين في الستينات من القرن الماضي حتى أخذ أولئك أبناء الشمال المتعلمين أغلب الفرص الممتازة في التوظيف الحكومي لحصولهم على التعليم العالي، بينما بقي أولئك من أبناء الجنوب الذين أنحصر دورهم في مواجهة المستعمرين بالسلاح، ولم ينالوا هم أو أولادهم على شهادات دراسية عليا، فقد بقوا يشغلون وظائف متدنية، كحراس ليليين، وجنود، وباعة خضروات، وبقي الجيل التالي منهم بحكم جهل الأباء من دون تعليم عال أيضاً، مما ساهم في خلق بطالة واسعة في هذا الجنوب بحكم متطلبات السوق، التي تتطلب خبرات وكفاءات غير متوفرة لدى الجيل الجديد من أهل الجنوب إلا فيما ندر.

 

النص القرآني

 

  والروائي في روايته الأولى هذه يعمل على تعادلية، الأصل الوضيع في مقابل الأصرار على تغيير هذا الواقع بناء على نصائح وثقافة بعض المتعلمين، الذين انحازوا لمظلومية هذا الجيل الجنوبي الناهض، كالمهدي والدكتور عبد السلام، وعلى القدرات الخاصة ومواهب البطل إبراهيم.

 

  والروائي ينهل من القرآن الكريم في الكثير من صفحات الرواية مستلهماً من حكمه، ومن أمثاله وقصصه، وتشبيهاته واستعاراته وتورياته، ومنطلقاته الفكرية العميقة في نقد الواقع، الذي يعيشه الناس في كل العصور، كقوله:  ”  أنا أريد أن أوصل صوتي للعالم، ولا أريد منهم جزاء ولا شكوراً “ص14، ” وكفاني شرفاً قوله تعالى ــ ن والقلم وما يسطرون ــ ص 16، ” والآن وقد حصحص الحق” ” هذا الطريق المستقيم هو طريقي، فإن اتبعتني فلك مني كل الرضا، وأن لك فيها لا تجوع ولا تعرى ” ص18، ” وهذا فراق بيني وبينك ” ص19   وعندما يطرده والده الحاج عبد الرحمان من المنزل بعد أن رفض اتباع نصائحه، قول الأب له، الذي يذكرنا بطرد ربنا تعالى لأبليس من الجنة عندما يقول الأب لأبنه” هيا احزم حقائبك واخرج فإنك رجيم يا ابن الشارع، وأنك من المسخوطين الكالحين في الغبراء إلى يوم الدين” ص20.

 

  وحين يحدث إبراهيم طيف المهدي وهو يوصيه بوالديه” إياك وعقوق الوالدين، لا تتبع كل شيطان مريد اتبع هواه وكان أمره فرطاً، أعص نفسك، إنها لأمارة بالسوء” ص21.

 

  والرواية مملوءة بالنص القرآني، وقد أضاف هذا النص جمالاً آخاذاً إلى لغة السرد، وأغناها بالكثير من المفردات و الصور الشعرية، وأعطاها عمقاً لغوياً وأثراء لا حد له.

 

وصايا الجد

 

أن شخصيات كالمهدي الفيلسوف، الذي يذكر اسمه كاملاً في إحدى صفحات الرواية، فيعرفه القارىء ” بالمهدي المنجرة ” أستاذ المستقبليات المغربي المعروف الذي توفي هذا العام يرحمه الله، وريمي حبيبة إبراهيم، والحاج الذي كان يعمل شرطياً في احد المعتقلات السابقة، ويستضيف إبراهيم بطل الرواية لمدة شهر في منزله بعد أن هجر أمه وأباه، ووعده له بأن يحصل له على فرصة عمل في بلاد العم سام ” يعني أمريكا “، ويعرف منه على قصة عذاب عاشها الحاج من خلال يتمه وأستغلال البعض لطفولته بالتسول، وبعد ذلك حين شب على الطوق صار جندياً في جيش المستعمر، ورقماً في آلة المحتل، وحين يقع من فوق الجبل وتنكسر اضلاعه يترك لمصيره في المستشفيات ولا ينال سوى تعويض مالي شهري قليل لا يكاد يكفيه، فكيف يعيل عائلة له بدأ بتكوينها ؟

 

   وصايا الجد في الرواية، والتي اشترط عليه جده أن لا يفتح مغلفها ليقرأها إلا حين يصير بعمر الجد عندما مات، وقد مات الجد في نهاية عقده الثامن، وهذا الشرط الغريب جعله يتساءل هل يطول به العمر إلى الثمانين كما طلب منه جده لكي يقرأ وصاياه ؟ !!    نصائح الأب ووصايا الجد في هذه الرواية لم تصلح للأبن إبراهيم، الذي قرر أن يحيا حياته ويسرد يومياته على الورق ليقول للعالم شيئاً عن جنوب المغرب الذي يرفض أهله النوم إلى الأبد لئلا يبقوا في تخلفهم وفقرهم لعقود أخرى قادمة.

 

    ـــ وصايا جدي / دار النايا للدراسات والنشر / دمشق ــ سوريا / ط1 العام 2013 / 64 صفحة من القطع المتوسط.

 

{ كاتب مقيم بالمغرب