الوليد تلاطفه الملائكة

قصه قصيرة

 

الوليد تلاطفه الملائكة

 

 مختار الربيعي

 

 

تساقطت الامطار الوفيرة اثناء الليل،  واضاءت شمسه في النهار بلون وردي مشع،  حتى صارت سماؤه وردية ، واكتست اشجار الصنوبر وبره من قطرات الندى تجمدت نقطا ثلجية وكنا نخرج لنستنشق هواء النقي فتنتعل حذاءك الشتوي،  وترتدي معطفا من الفرو سميكا الى درجة ان يديك في قفازيك السميكين كانت تتباعدان عن جانبيك في الهواء وكان لا بد واذا جلست في الزلاقة،  من ان تأخذ معك عصا تمسكها في يدك طوال الفسحة،  ولذلك اسندنا الى مدخل البيت عدة عصى مختلفة الطول . وكنت في كل مرة تخرج للفسحة تختار عصى اخرى غير سابقة وكنا نخرج من بوابة البيت ومن هنا نبدأ فسحتنا المبهجة ونشرع بعصاك في  رسم الخطوط فوق قطرات الثلج وتناخي نفسك،  وتناخي السماء والطيور والشجر وتناخى حتى هسهسة الثلج المتكسر تحت الحديد زلاقتك وتحت اقدامنا وكان كل ما حولك ينصت اليك ويفهم غمغماتك وحدنا نحن كم كنا نفهم ما تقوله لانك لم تكن قد تعلمت الكلام بعد،  وان كنت ترتغم بمختلف الالحان،  وكانت كل لا .. لا … لا .. لانك،  وبا..با ..تك ..وفا .. فا .. فانك تسير الينا شيء واحدا انك سعيد ثم لزمت الصمت،  فتطلعنا حولنا على مسافة ووردت بنفسي النبرة المندهشة واقتربنا منها، فراحت تطرق اعمدتها واحدة بعد الاخرى بعصاك تحتنا،  وفي الحال مددت لك يدي وشرعنا ويدي بيدك تنحدر الى الاسفل الجرف وحين وصلنا الى الماء بدأ اسطح النقرة الصغيرة ثابتة لا يضرب مرمى البصر فحل النهر وتناهى الينا من هناك غرير الماء في الحصى،  ولم يكن جريان الماء مرئيا الا اذا راقبنا لبرهة ورقة الشجر وهي تسبح وتتحرك ببطى الى الامام حيث ضحل النهر ببطئ حركة عقرب الدقائق في الساعة،  بجانب الماء رقدت شجرة الصنوبر مكسورة، جلست عليها واخذت ادخن سيكارة،  كنت اعرف اني سأمكث هنا الى ان تملأ انت غبطة من كافة المتع النقرة الصغيرة،  افلت العصا من يدك وافتريت من افضل موقع يناسبك في الشجرة . ذلك الممتدد داخل الماء مباشرة،  وبقيت راقدا عليه بمقدمة صدرك،  وصرت تحدق في الماء من الغريب انك في الصيف لم تكن تميل الى اللهو في اللعب المألوفة،  لكنك همت بفحص الاشياء باللغة الدقيقة،  وكان بوسعك ان تضل . الى ما لا نهاية . منشغلا بزحزحه حبة الرمل الصغيرة فوق راحتك،  او ورقه الصنوبر الضئيلة او فتيته من العشيت،  وكانت كسرة من طلاء الجدار بالبيت لا تزيد عن ملي متر تكشطها بأظافرك جديدة بأن تسلمك لمعه التأمل طويلا . وكان عالم النحل والفراش والبعوض يشغلك اكثر بكثير من عالم القطط والكلاب والابقار والغربان والطيور . اي كون .. لا نهاية له تفتح لك من قاع النقرة الصغيرة وانت راقد على شجرة يكاد وجهك يلامس الماء متمليا في القاع . وكم من حبات الرمل الدقيقة والصغيرة استكنت هناك،  وكم من حصى تباينت ضلاله لونه،  واي رغب اخضر رقيق كسا الحصى الكبير،  وكم من الاسماك المولودة لتوها دقيقة شفافة الجسم،  كانت تسكن مكانها تمام بلا حراك،  وتارة اخرى تثب فجأة في الهواء تائرة الماء معها وكم من دقائق لا ترى الا بالمكرسكوب كانت مرئية لعينك وحدها ؟ بعد دقيقة قلت لي .. الاسماك تسبح قلت للكون اقترب لاجلس بجوارك ها اذن لم ترحل الاسماك بعد الى النهر الكبير ؟ يا لها من اسماك صغيرة لعلها مخلوقة لتوها وهي ضئيلة للغاية .. ووافقتني بسرور . كان الماء في النقرة صغيرة شفافا, الى درجة انه لم يكن ليرى لولا صورة السماء المنعكسة عليه من اعالي الشجر . دليت رأسك مقتربا من الماء وامسكت حفنة من حصى القاع فأرتفعت قليلا من النقرة ساحبة من عكارة دقيقة  وظلت معلقة مكانها ثم هبطت وحينها فككت قبضتك من الحصى الذي كمشته فأهتزت صورة الشجرة على سطح الماء وحيث اعتدلت رافعا نصفك العلوي من على شجرة ونهضت بسرعة،  ادركت انك تذكرت لعبتك المفضلة التي أن اوانها .. رشق الماء بالحجارة ومرة أخرى رجعت الى جلسة اولى وتخيرت انت حجرا كبيرا وقلبته في راحتك تأمله بحب مختلف جوانبه واقتربت من الماء ثم قذفت الحجر الى وسط الدوامة،  واندفعت نافورة الماء الى الاعلى يحيط الهواء المتوج،  واصطك الحجر المكتوم الصوت بقاع الحفرة وانداحت الدوائر في الماء ووقفت مستمتعا بصورة الماء المضطرب بأندثاره،  وبصوت الحجر المكتوم وبقية الماء الى أن هدأ كل شيء،  وتناولت حجر أخر كما فعلت من قبل تأملت ثم ألقيت به . والان … ماذا تنوي ؟ هل ستواصل رمي الاحجار،  ام تمضي الى الامام .. وقلت مقررا نمشي الى الامام حين ذاك حملتك على ذراعي وخففت بك نهر دجلة كان علينا ان نعبر الوادي الضيق المشبع بالندى الذي بدت به تيجان البقول البيضاء المتكاثفة كأنها رغوة كست الوادي منصهره تحت حرارة الشمس متموجة في خطوط غمرها النحل بطين سعيد .. ارتفع الممر الى الاعلى بين شجرات الصنوبر ثم جلسنا في موضع لم تحصد اعشابه وزهوره بعد فطالت كتفي وانا جالس على الارض ومشيت وانت تخوض برأسك بين اعشاب والزهور لا يظلك شيء سوى السماء التفت حولي مرة ثانية وانا افكر لعل احد غيرنا لم يشاهد هذ اليوم وهذه السحب التي تتمهل فوقنا في هذه اللحظه والنهر الجاري تحتنا في وسط الغابة،  والحصى الذي القيته بيداك وما زال راقدا في القاع وخيوط الماء الصافي تلتف من حوله،  وهذا الهواء اذا السنوات التي انصرمت لم تنصرم وترتدي من جديد طفلا صغيرا تجري بين الزهور تطال كتفيك فتطير الفراشات فزعه منك ؟ امن العقول انك لن تتذكر نفسك،  ولم تتذكرني ..؟؟ حقا انك لم تتذكرة هذه الشمس الحاره التي تلفح كفيك .؟ وسوف تنسى تماما مذاق هذا اليوم الصيف الطويل وصوته الذي لا يشبه الحقيقه في الشيء ؟ اين يمطر كل هذا ؟ وبأي قانون غريب ينقطع ويتوارى في عتمة العدم ؟ اين تنطوي اسعد الفترات الباهرة عند بداية الحياة ؟. واوراق لحظات الطفولة ؟