محمود المشهداني.. برنامجه وشعره

محمود المشهداني.. برنامجه وشعره

تداعيات شتى في الأدب والسياسة

مهدي شاكر العبيدي

     منذ رمضان المبارك الفائت والدكتور محمود المشهداني يواصل تقديمه برنامج السيد الرئيس بوساطة قناة الشرقية الفضائية وتعيده تلك مسجلاً لتستأنس به وتقف على بينة مما يدور بين مَن يُضَيِفهم ، ويفعم نفوسَهم بتينك اللطافة والحبور المنبعثين مما يُعمر وجدانَه وصدره  نزوع للسهولة والطلاقة والنظر لمشكلات الحياة وأدوائها المستعصية من الجانب الساخر ، بخصوص تفرق كلمة شعبهم ، وعدم إجماعه واتفاقه على حلٍ وخطة يؤولان بالبلاد إلى التخلص مما يحيق بها من التحديات والأخطار ، قلت لتستأنس به وتكون داريةً بما يشتجر فيه من مصاولات ومداخلات ، أوسعُ جمهرةٍ من سواد الناس التي تشتكي في يومها من الإجحاف والقهر وغصبِ حقوقها وهدر كراماتها والإلحاف عليها بالوقيعة والغدر من سنين متوالية ، بحيث أعيا تلافي ذلك ومجاوزته أو على الأقل ، وضع حدٍ له معقول ومقبول من شأنه إسكات نائرة الغيظ والبرم والتذمر ، سائرُ الحكومات التي تعاقبتْ وتولت إدارة الأعمال والشؤون فيها منذ تأسيس الدولة العرقية بمؤسساتها الآخذة بشيء من العصرية والتحضر ، وبما يلائم الأوضاعَ والمواضعات والظروف ومستويات عقول بني البشر ومداركهم قبل تسعة عقود ونيف ، وكأنْ عَدِمت تلك الانتفاضات والثورات التي اندلعت آونة بإسهام من رجال العسكر وعموم جمهور الشعب ، أيَ جدوى وفاعلية للارتقاء به خطوات ومراحل من إنعاش حياته وتحسين معيشته ، وغفل من يقطعون برأي ولهم أفكارهم ومعتقداتهم وأنظارهم لما يجري على صعيد الواقع المنظور ، عن بعض التقدم والتحول والانتقال ولو بخطأ وئيدة ، فهذا التوسع في المدن وازدهار الحياة الثقافية في ربوع البلاد أجمع بلواحقها من معاهد وجامعات ومكتبات عامة ، وما طرأ على ميداني الزراعة والصناعة من تنامٍ هو أشبه بالطفرة لولا أن جنح ٍ للتخلف والتدهور والانتكاس ، وكاد يهوي إلى الإنمحاء والتلاشي من حياتنا كلياً ، بسبب من عوامل سياسية وصوارف حزبية ، اقتضت الفلاحَ مثلاً أن يهجر مزرعته ، ويترك حقله ، ويغشى دوائر الحكومة ، ويجالسَ القائممقامين خارج بغداد ، ويحادثهم في السياسة ومتى يسترد العرب فلسطين ويجدون حلاً لمشكلة اللاجئين ، كما ساد ذلك جنبات العراق في فترة معلومة تفشى فيها الجهل والتضليل ، وتوارى فيها ظل أغلب الموظفين المرموقين ، واضمحل شأنهم ، وانعدام تأثيرهم المعنوي في الحياة العامة ، وكاد يشمل ذلك متصرفي الألوية بعد أن جاوز صلاحيات القائممقامين ومدراء النواحي ، وغدت شبه معدومة بجانب الركون لمشيئة المسؤول الحزبي ، خلافاً لما ألفتُه في أول عهدي بالوظيفة من رعي للقواعد والأصول قبل سنين ، وهذه الحالة المقرفة من الانفلات وضياع المقاييس هي عندي من أسوأ مجتلبات حركة 14تموز وما تلاها من انقلابات وتحركات بسبب جهلنا بمعنى الحرية وعرفان الفرد بقدره ، وبَداره للذود عن حرمته وكرامته ، وتجنيبها الاستخفاف والاستهانة ، وصدق الشاعر الراحل حافظ جميل في قوله الناطق بلسان الحال لمختلف الفترات في العراق الغالي والمسَّور بقلوب أبنائه وصدورهم رغم كل هذه الأرجاس والأدناس .

    تعلمْ كيف تنــحدرُ النفوسْ

          وتلثم موطئ القدم الرؤوسُ       وصانعْ لا يفتكَ ضئيل قدرٍ

            تجــــامله ولا رذل خسيس       فـــذا بلدُ العجائبِ ليس فيه

            قياسٌ والمغفلُ مـــن يقيس           على إني لا أبرئ رجال الادارة أولاء يومذاك من بعض الهنات في مسالكهم وتصرفاتهم من قبيل شعورهم بالتميز ، كتخصيص حقول لهم في نوادي القصبات حين يؤمونها من بيوتهم في بعض الأمسيات والليالي ، ولا يحق لأحدٍ من صغار الموظفين والمشتركين في النادي أن يتخذ من كراسيه مستراحاً ، وقد شُهدت بنفسي في نادي طويريج مرة مشهداً يضحك الثكلى ، ذلك أن قاضياً عندنا بعث أحد العملة فيه ، لموظف كردي جاءنا منقولاً من الشمال ، وكان جالساً حينها في ظل شجرة ضحى يوم جمعة ، أن ينهض من كرسيه ويغادر مكانه لأنه يريد أن يستريح فيه ، فبادر المبعوث بالقول : قل له ((ألعنْ أبو نوري السعيد الذي عيَنك ، وأتى لنا بحلف بغداد)) فأنصاع الرجل لأمرة المواطن الكردي وأنفته. إنتقاد لاذع

 ورغم ذلك الانتـقاد اللاذع الذي رامه به مواطن عراقي متولد في الكويت ، ويفتخر ويأسى معاً لأن والده نكّل به العهد السابق واقتص منه ، فكان من ضحاياه وصرعاه ، ومفاده أنه من غير اللائق بالمشهداني بعد طول صبر ، واحتمال للشدائد والبليات وتعرضٍ للسجن والحكم عليه بالإعدام ، والاقصاء من الخدمة في الجيش كما قيل ، فضلاً عن مزاولته الطبابة العسكرية المضفية على المنتسب لها غير شأن ومكانة وتصون ٍ ومهابة ، أن يؤول أمره إلى مقدم برامج ، وهنا اعترض عليه السيد حيدر العبادي مقدم اللقاءات الصحفية مع الوجوه والأماثل من الشخصيات العراقية المؤثرة في تشخيص حياته الحاضرة وما يضمره له المستقبل الآتي من التقلبات والمتغيرات ، وذلك من طريق قناة البغدادية ، فإنه ظل متواصلاً فيه ، ومضيِّفاً كل مرة نخبة من رجال السياسة الجدد ، بعد غياب رهط الأقحاح المخضرمين والمتمرسين بها والذين آثروا اعتزالها تاركين إياها لوجوه جديدة كما هو معروف أمثال حسين جميل وعبد الرازق الشيخلي وسلمان الصفواني وعبد الفتاح ابراهيم وابراهيم كبة على تباين مشاربهم ونوازعهم ، ومنهم مَن تناهى في امتداد الحياة ، وشهد فرَق الشعب من الجرود السكانية والاستفهام عن اتجاهات أفراده السياسية السابقة واللاحقة ، وكأنهم مدينون بوجودهم في الحياة لصفوة من حكامهم ، وبلغت الفهاهة ببعض البسطاء أن يفتعلوا جدالاً بشأن التلفزيون ، هل أن مشاهدته محللة أم محرمة من الناحية الشرعية ، كان ذلك التلاحي محتدماً وسط حافلة نقل الركاب وسائقها المرح يحاول صرفَهم عن الإيغال فيه أكثر بحديثه عن ” وحش الطاوة ” فهو أرخص ما موجود في السوق زمن الحصار المقيت ، مخيلاً لذاته أن استرساله في هذا الضرب من الفكاهة والتظرف هو إحدى وسائل معارضة الحكومة ، وهو بهذا أوعى من بعض مناضلي الخارج والمطالبين بإثابتهم لقاء خدماتهم الجهادية فمن أجل هناءتنا وسعادتنا وصفاء بالنا وخلوه من الوساوس والهواجس ، وتأميلنا أن يسود الوئام والمحبة والمسالمة وإحسان الظن بين طوائف الشعب وفئاته كافة ، وأن يعي المسؤولون واجباتهم حيال بني جلدتهم من إنصاف من يشعرون بالظلامة الواقعة بهم، متخاشين الانحياز لانتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية ، ومجتنبين ما لزِمه بعضُ من خلص لهم الزمام في غير زمن وفترة من استغلال المناصب للإثراء السريع الفاحش ليس غير ، ومن يتصدى للتنويه والتنديد بمخازيهم التي لا تنتهي ، يأخذونه بالقهر والقساوة والعنف بدلاً من محاسنته ،  والاقرار بزوغانهم عن الحق ، ونكولهم عن المروءة ، وتماديهم في المكابرة والتعنت والغلواء ، أجل من أجل أن ينتفي من البلاد العراقية وعنها هذا الخطر الجائح الجديد المسمى بالإرهاب الموعَز والمشار به من لدن أطراف وجهات مشبوهة ومطعونة في أهوائها وأغراضها ، نصّب أزلامُها ودعاتها من أنفسهم أوصياء على الناس في ما يعبدون ، حاسبين أن الحق بجانبهم وناصرهم وبقية الملأ ضالون وكفرة ، وهذا هو الدنيا العياء الذي يشق على أميل العقول والنفوس للمسايرة والاستئناء والإتئاد في مداواتهم منه ومعاونتهم على الاشتفاء ، ومن سوء حظ الجيل المتأخر ، أن فتحوا أعينهم عليه ، وريعوا لفرط ما أنزله بالعباد من الضر والأذى ، وما ألحقه بالمنشآت والمؤسسات والبنى من التخريب والدمار ، وما سيضني بنو الإنسان نفوسهم في إعادة بنائه وردّه إلى ما كان عليه ، وما أدري إلى كم من السنين سيطاول هذا الإرهاب في تهديده واجتياحه العالمين العربي والاسلامي إذا لم ينبرِ لقمعه ومكافحته واستئصال شأفته حازمون وكفاة ومخلصون يتخلون عن ضغائنهم وأوغارهم مع أندادهم وقرنائهم السياسيين ، ويتضافرون معاً في تسديد ضرباتهم نحو مكامن هذا الإرهاب المخيف ، من أجل هذه الأمنيات وغيرها من وجوه الإصلاح ، وإسداء العارفة لمعاشر المجهدَين في حيائهم القلقة منذ ما يزيد على عقود ستة ، انقسم فيها المجتمع العراقي إلى شلل متقاطعة وجماعات متناحرة لا نريد أن نذكر مسمياتها ، إنما ننوه بعض التنويه بأسبابها ودواعيها ، وأبينها هذا الإعجاب الطافح برجل مصر عبد الناصر مغضين عن بعض سلبياته وعدم تحميله الملامة على تسرعه في خطواته ومداخلاته في شؤون خارج مصر ، حتى إذا رحل كرحيل غيره من الحكام ، إلى رحمة الله ، كشف غير كاتب من كتاب مصر عن الانتهاكات والجرائر التي تسبب في وقوعها زائر الفجر ، بينا غالى آخرون فور خروجهم من السجون ومنهم ( محمود أمين العالم ) ، فزعموا باحتمال تطوره في تفكيره وتحوله إلى اليسار ، بمجرد رؤيتهم للسد العالي ، متغاضين عما لحق بهم من حيف وظلم في ظروف متعلقة بالحراك الثوري بالعراق، و شرح هذا يطول ، ففي هذا البلد الطيب أناسٌ كلهم حرص على تراثه ومفاخره وأمجاده ، ويضنون باستباحته ، ولا ينخدعون بالشعارات الرنانة ، ثم آذنت بعض الظروف والتحولات الغريبة لما شابها من الاقتسار والاجحاف ، وآلت إلى أقسامه الاثني من جديد نعف بدورنا عن ذكر مسمياته أيضاً ، قلت أخيراً من أجل تحقق أيسر ما يمكن من الوسائل التي تلتئم بها جراح الماضي ونسيان ما فات ، يُضيّف المشهداني في دارته الرعيل تلو الرعيل من رجال الوطن وإناثه من المشتغلينَ بالقضايا العامة ليتدبروا أمره و يستدفعوا الشر المحدق به ما وسعهم ، غير مبتغ ٍ من اجتماعاته المتوالية بهم دعاية انتخابية ، ولا هُم  يرومون للتعريف بأنفسهم ، كمنظرين لأحزابهم ومروجين لشعاراتها وأهدافها ، غير داعين للاتفاق على شكل الحكومة المقبلة بعد الانتخابات ، وقد خفّ لدعوته سائر ممثلي المكونات والأطراف والهيئات والدكاكين السياسية ، الا اليسار المنحسر دوره اليوم في اللعبة السياسية لا في العراق فحسب بل في أغلب البلدان العربية ، ومن بينات ذلك ودلائله إخفاق رئيس حزب التجمع وعضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو خالد محيي الدين – كما يطيب له أن يدعى دوماً في أحاديثه للإذاعات – أمام مرشح جماعة الإخوان في آخر انتخابات مصرية.  لكن يبقى صوته مدوياً في رباع وادي النيل إذا استبيح ذمار وانتهكت حرمات وديست حريات ، وتشخيصه هو الصائب لمسببات النكوص عن الأخذ بالمعاني الصحيحة للحياة السوية والمستندة إلى النصفة والعدالة واحترام حقوق الانسان ، وذلك بلسان أبرع كتابه فريدة النقاش ورفعة السعيد . ويبقى اليسار عندنا في العراق محتفظاً بنفس قدرته على الاستمالة الوقتية لمن يحترسون منه ويتحفظون وينكمشون ويجسمون أخطاءه التي يبتدر هو لمراجعتها بغية تجاوزها في العمل السياسي ، وذلك على ضوء ما أسماه اليساريون عامة بالنقد والنقد الذاتي ، بدعوى أنّ من لا يعمل لا يخطأ ، غير متشدقين بأنهم كانوا على رأس الحركة الوطنية في عقود من السنين معروفة ، وحفيت هي الأخرى بصحة التحليل وصادق التفسير والتشخيص لتدهور الأوضاع في آونة يقترن بها إسهامهم في ازدهار الحياة الثقافية بأجزل نصيب ، ويكاد شارع المتنبي بذخائره ونفائسه من الأديبات والكتب الحاضة ِ في محتوياتها ومضموناتها على الاعتزاز بأمهات التراث العربي القديم ، والتعريف بأصول تحقيقها ، وفقاً عليهم لسبقهم في ارتياده والتجوال فيه ، فلا غرو أن استجاب الفاضل الدكتور محسن عبد الحميد رئيس الحزب الاسلامي الأسبق ، لدعوة السيد حميد مجيد موسى إياه أن ( يتواجد ) في احتفاليتهم بيوم الشهيد الشيوعي ، فحضر مع المدعوين في مقر جريدة طريق الشعب بشارع أبي نؤاس ممثلٌ عنه يوم 13 شباط عام 2004م كما قيل ، ومعروف أن كلاهما عضو في مجلس الحكم ، وليس غيره متيحاً فرصةً نادرة للحوار وتبادل الرأي ، ويتعلل الدكتور محسن عبد الحميد أنه قَبِل دخول مجلس الحكم ليسهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من كيان الدولة المتداعية بعد حوادث السطو والنهب والدمار والتخريب المسماة نكايةً بالحواسم ، واللفظة الأخيرة ابتدعها النظام  السابق على أساس أنه مؤهل للمواجهة ، وسينهي المنازلة مع العادين بعدها بالانتصار عليهم والغَلبة النهائية ولأمر ما وعلى ورود أسم الفاضل محسن عبد الحميد في السياق الأخير من المقال ، خطر في بالي اسم الكاتب المصري المتنور سيد قطب الذي هو معدود من أساطين النقد الأدبي ورموز الثقافة المصرية وفي مقدمة المعنيين في سنين مبكرة بتحليل روايات نجيب محفوظ قبل أن يكون من المشتغلين بالسياسة ، ويغلو بعضهم في امتداحه أنه لولاه لما استطار صيت نجيب محفوظ ولمعت شهرته وراج أدبه حتى حظي بجائزة نوبل التي تمنح للأدباء العالميين ، وهذه الحقيقة يجهلها ولا يحيط بها أغلب محترفي الكتابة النقدية ببغداد وتبابعتهم من ملخصي محتويات الكتب ، وذيولهم من المحسوبين والطارئين والمدخولين في الخانة الأدبية ، بينا كان نجيب محفوظ في حياته يقرها ويعترف بها ، ويعاود عليها بالذكر في أحلك الظروف التي مرت بمصر ، قبل وبعد أن طالت يد الحاكم بالانتقام من هذا الرجل الذي كان لتصفيته أبلغ الأثر في التهوين من سمعة عبد الناصر ، فمن المُجمع عليهِ أنّ الاقتصاص من الكاتب ورجل الفكر مهما كان منطلقهما ومهما كان اختلافنا معه ، قد يعود على المبادر  له بالمذمة والسوء ، وبالفعل تسارعت الأحداث بعدها ، فقد تهددتنا اسرائيل وتحرشت تركيا بالحدود السورية ، وأغلقنا مضايق تيران في البحر الأحمر بوجه البواخر القادمة إلى اسرائيل، وخفّ الملك حسين وحل في القاهرة مسوياً نزاعه معها وعارضاً استعداده لمواجهة الخطر الاسرائيلي المحتمل ، ومُوقِفاً حملات الصحافة الأردنية على السلطات المصرية بسبب سيد قطب ، إلى أن هُزِمنا وتبين أنّا لا نمتلك في المواجهة غير الأناشيد والخطب الجوفاء ، وغدت قضية فلسطين مجدداً ومنذ قرابة ستة عقود ذريعةً لقّناصي الطرائد من الانقلابيين للتنكيل بشعوبهم في هذا الوطن أو ذاك باسم تحريرها ورد الحق إلى ذويه ، أو على الأقل محو آثار هذه النكسة المريعة وتجاوزها ، وتنوسيت قضية سيد قطب الذي بادر كتبيو سوق السراي لإبراز مؤلفاته وآثاره بعد أن كانت مودعة ومخزونة لأسباب لا أحيط بها بمخازنهم ، وهذه الحالة وإن بدت لأول وهلة من أساليب التجار في استغلال الفرص لترويج بضاعتهم غير أنها تدل من وجه ثانٍ على عجز ذوي السلطان عن قمع أهل الفكر والرأي ، أياً كان نصيبهما من الوجاهة وارتضاء الجمهور بها ، ثم أن أي رسالة أكاديمية تناقش في أروقة الجامعات في الوطن العربي والعالم ، ويتناول موضوعها حركة النقد الأدبي ، محال أن يسهو كاتبها ويغفل عن دور سيد قطب في تنشيطه ، وأما ما عندنا في العراق ، فتهمل الدراسات الرصينة لجهابذة النقاد : جلال الخياط ، علي عباس علوان ، مدني صالح ، حسام الآلوسي ، نعمة رحيم العزاوي ، وداود سلوم ، ويكتفى بالتنويه بدالات نفر محدود ومعدود من نقاد الوصفات الجاهزة والكتابات الصحفية مما يشين ويخزي ويخجل .

دعوة للإنفتاح

       كما لا يغيب عن الذاكرة أن الكاتب الجهبذ هذا كان أولاً من كتاب مجلة الكاتب المصري برئاسة تحرير طه حسين ، ونشر في مجلة الآداب من أمريكا التي ساح في بعض مدنها ، مقالاتٍ نفيسة  في الدعوة للانفتاح والتسامح ولقاء الآخر ، مما يتناقص هو والاتهام الباطل عن تعصبه وائتماره بأنصاب الحكم ، ولا أدري لمَ لمْ يترجم له المستشار طارق البشري في كتاب خلفته ورائي بدمشق يحتوي دراساتٍ في آثار محمد فريد ( ابو حديد ) ، وعبد العظيم أنيس والشيخ علي عبد الرزاق ويوسف القرضاوي والأخير نَقمَ عليه الأزهر لمشايعته الفتن ، والضلالة في المجتمعات العربية ، وطارق البشري كاتب رصين توهمته يسارياً ذات يوم لنشره مقالاته بمجلة الكاتب أيام ولاية أحمد عباس صالح صاحب ( اليمين واليسار في الإسلام ) ، وذي الرأيين المتباينين تماماً بشأن أدب نجيب محفوظ قبل كام ديفيد وبعد إبرامها !أراني انسقت لتداعيات مختلفة في الماجريات السياسية والتحولات الأدبية دون أن يجمعها جامع يوحد بينها ، وهي صدى لما يشوب حياتنا الحاضرة في عراقنا المرزوء ، من اختلال وتفكك واضطراب وشخوص عناصر الفتنة والشقاق ، والفرقة والتجافي ، بين مكوناته ، مستطرداً منها وفيها nأي التداعيات- في تأملي جدوى هذه المداخلات والمساجلات المشتجرة في كنف دارة الطبيب العسكري والشاعر ورئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني ، محملاً إياه الملامة على توانيه في الاستعجال لتشريع قوانين تصب في مصلحة الأغلبية الصامتة من خدَمِ الشعب سابقاً كقانون التقاعد دون أن أنفي أن بينهم من كان مرتشياً أو مقصراً أو مهملاً ، فكل شيء آخذ اليوم بزي جديد لتجميل الصورة ، فقد شطب على اسم الرشوة وصارت تدعى إكرامية ، وعلى حين أنه تجاوب مع رفقائه النواب والنائبات في مضاعفة مرتباتهم وأعطياتهم ، حتى وصلت الحال إلى تكفل المجلس بمداواتهم ، وذراريهم كما قيل ، ومعاونتهم على الاشتفاء من أوصابهم وجراحاتهم النفسية ، وعاذرة إذا تم ذلك في عهده ، ولا عاذرة إذا تم في عهد مَن تلاه ، أهم محوجون يا سيدي إلى المال ؟

        وقد يكون من الاشتطاط في القول أن نجاهر ونعلن رأينا بوضوح ، أن لو أنفِقت المقادير الطائلة من المال ، المستوفاة من لدن المنتخبين لهذا المجلس بفضل “ترحيل” الأصوات الفائضة التي احتازها رؤساء الكتل ، لصالح غالبيتهم ، ورُصِدت من الأول لإصلاح الشبكة الكهربائية في أنحاء البلاد جميعاً ، ولمدة السنوات العشر الماضية ، لكانت الجدوى أبين ، والنتيجة أدل على الفعل الملموس ، وبذلك يغدو القول أنه لتلافي الأخطاء الملازمة لممارسة الديمقراطية ، أن نزددَ أكثر في شيوعها وإدخالها في حياتنا ، قلت تغدو القولة ذي هذراً وهراءاً .

 وأخيراً وعلى أية حال فشخص المشهداني مقبول لتمتعه بهذه الخصيصة المحببة الكاريزما ونفسه متفتحة لتفهم قيم العصر ، ودينياً هو أدنى إلى التسمح منه إلى التزمت والإصرار على الرأي الواحد بدلاً من الطواعية والتظرف ، فو الله لقد ابتلي هذا المجتمع العربي المنبسط في هذه الرقعة من بلاد الله ، بأنفارٍ لو واتتهم الفرص، ولو استطال اقتدارهم ، واستشرت مكنتهم ، لحرموا على الملأ حتى سماع هذه الوصلات الموسيقية مما يؤثره مخرجو البرامج في القنوات الفضائية ، لأنهم يحيون في حال من تحجر العقول وتبلد الأفهام ، ولا عهد لذواتهم بالروح الشاعرية المستوحية معاني الالاهيات والأخلاقيات التي هي في الصميم مما يَنزع له شعراء الانسانية عامة ، والمجلون في هذا المضمار من العرب المسلمين بوجه خاص ، وقلة من أولاء اعتادت الإنطلاق  في توجهها من عينية ابن سينا أو تجليات ابن الفارض في بوحه بشوقه نحو واجب الوجود ، حسبما اجتليته في شعره القليل الذي قُرِئ لي بعضه من الانترنيت بعد أن سَمعتُ أن استوعبه ديوان ، والسلام .