العراق شعراء ومواقف

العراق شعراء ومواقف
فارس الخطاب
لقد أفرزت المتغيرات التي مرت وتمر بها الامم تيارات من الادباء والفنانين المؤيدين او المناهضين للسياسات والافعال المتحققة على الارض، ولعل التاريخ الوطني لكل امة ووطن يحمل في طياته اسماء نقشت حروفها بما قدمته من نتاجات ادبية او فنية لصالح قضايا شعوبهم واوطانهم، وفي العراق كان هناك مرتع خصب لشعراء الامة بسبب حالة الزهو والازدهار التي زينت تاريخه وما حوته ارضه من خير وفير جعلت المتغنين به يشكلون فواصل تاريخية تدل على الكثير من تفاصيل احداثه ومواقف شعبه، وفي العراق ايضا تعرض الشعراء لملاحقات وتصفيات نتيجة مواقفهم من تلك القضية او ذاك الحاكم بما جعل لاساليب الانتقام منهم خصوصية غير لائقة بالمنتقمين، ولعل جريمة التمثيل المشين بالشاعر الشهيد فلاح عسكر الذي اعتقل من قبل القائمين على احداث عام 1991 والتي تسمى حاليا بـ الانتفاضة الشعبانية ، تمثل صورة من صور الانتقام الممنهج من الذين يتقاطعون بالموقف مع فئات او جهات تتقاطع مصالحها مع هذا النظام او ذاك، فهذا الرجل الذي كان يقول الشعر في حب العراق، قطع لسانه وهو حي،ثم قطعت يداه وملات بطنه بالبنزين، واغلق فمه بشريط لاصق واطلق الرصاص عليه، فانفجر جسمه كالقنبلة وتناثر في الهواء، لذلك لم يبق من جسده شيء للدفن ولم يعثر حتى على بقاياه. وبعد عام 2003 واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها والانسياح الإيراني في بلاد الرافدين، كان موقف ادباء وشعراء وفنانو العراق حرجاً للغاية، فبالإضافة إلى قوة الصدمة وغرابتها في نفوس هذه الطبقات من مثقفي العراق، كان هناك من يبحث عنهم ويلاحقهم بقوائم تصفية منظمة طالت الكثير منهم خطفا وتعذيبا ثم قتلا من قبل مليشيات ومفارز ترتدي بعضها لباس مغاوير الداخلية كما كان يطلق عليها في حينه ، مما اضطر البعض منهم، وهم من خاصة الادباء والشعراء اصحاب المواقف الوطنية شعرا وعطاءا ثقافيا، اضطروا إلى مغادرة العراق واللجوء إلى دول امنت لهم إلى حد ما حق العيش بكرامة وامن انسانيين.
يبدو لي ان جزءا رئيسا من سياسة تدمير العراق كانت ومازالت تكمن في موضوع مهم جدا يتمثل في تصفية عناصر التنوير فيه وإجبار الآخرين على ترك العراق ووضعهم في حالة من شغف العيش والكفاف الذي لا يسمح لهم بممارسة دورهم الثقافي والعلمي الوطني لنصرة قضايا شعبهم، كما مارست الحكومات التي جاء بها الاحتلال محاولة ترسيخ واقع جديد يتمثل بإحلال ادب وشعر الداخل وتكريس وسائل الإعلام المتاحة وامكانات الاحزاب والتشكيلات القائمة الآن، لخدمته وإشهاره على حساب نتاجات من هم في خارج العراق، ولعل المتابع يلاحظ بوضوح النزعة الضيقة للتشكيلات الادبية الجديدة في العراق والمتمثلة بهيمنة منطق الاقاليم والطائفية الصريحة مقارنة بما كان يتغنى به شعراء العراق على مر الزمان واعتمادهم العراق الواحد وخدمته هدفا لرسائلهم الشعرية. إن هذه السياسة منعت إلى حد ما ظهور خطاب وطني واضح من موضوع احتلال العراق إلا من شعراء كانوا يمثلون رموزا وطنية تاريخية غير مسيسة وغير مأجورة امثال شاعر العرب الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، وشاعر الرافدين رعد بندر وغيرهم.
صحيح ان الاحتلال في العراق لم يظهر شاعر بعينه كشاعر للمقاومة كما هو الحال في التجارب العالمية الكثيرة ومنها على سبيل المثال الشاعر لويس اراغون الذي يعتبر من اشهر شعراء المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الالماني النازي لبلاده اثناء الحرب العالمية الثانية، وكان لقصائده كبير الاثر في إثارتها للشعور الوطني لدى الفرنسيين وتشجيعهم للقيام بتحرير وطنهم، حتى ان البعض منها تحول إلى اغان تتردد على شفاه الشعب الفرنسي ،ولكن الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يقترب إلى حد كبير من لقب شاعر الوطن في مواقفه الشعرية عقب احتلال العراق، ولم يتوان ابدا في التعرض شعرا لما ألم بالعراق من خراب وتدمير ودم، فكانت قصائده محل اهتمام العراقيين والعرب وكان هو محط فخر واعتزاز اينما حل تقديرا لثباته في مواقفه التاريخية لصالح العراق وطنا وعبد الرزاق شاعرا، وهاهو يقول معبرا عن حالة القهر التي يعانيها العراق والعراقيون في ظل الاحتلال الامريكي والإيراني
يا سيدي.. يا عراقَ الارض.. يا وطني
وكلما قلتها تغرورقُ المقل
حتى اغصّ بصوتي ثم تطلقه
هذي الابوة في عينيك والنُبُلُ
صبرَ العراق صبورٌ انت يا جملُ
وصبرَ كل العراقيين يا جملُ
صبرَ العراق وفي جَنبيهِ مِخرزهُ
يغوصُ حتى شغاف القلب ينسملُ
لقد اعطى عبد الرزاق عبد الواحد للعراق الوطن ما يستحق، ولعله طرّز بقصائده إطار تاريخه الشخصي عبر اجيال ستاتي وتقرا له ما يجعلها تقول دائما، لقد مثلّ عبد الرزاق عبد الواحد العراق وكاننا نراه عند احتلاله من قبل اعداءه
عُدْ بـي لِبغـداد ابكيهـا وتَبكينـي دَمـعٌ لِبَغـداد.. دَمـعٌ بالمَلاييـن ِ
عُدْ بي إلى الكَرخ اهلي كلُّهُم ذبحُوا فيها سَازحَفُ مَقطوع َالشَّراييـن
حتى امُرَّ على الجسرَين..اركضُ في صَوبِ الرَّصافَةِ ما بَيـنَ الدَّرابيـن ِ
اصيحُ اهلي…واهلي كلُّهُم جُثَـثٌ مُبَعثَـرٌ لَحمُهـا بيـنَ السَّكاكيـن
خُذني إليهِم… إلى ادمى مَقابرِهِـم لِلاعظَميَّـةِ.. يا مَـوتَ الرَّياحيـن
حتى يقول
كَم مَسجِدٍ فيكِ.. كَـم دارٍ مُهَدَّمَـةٍ وَكَم ذ َبيح ٍ عليها غَيـرِ مَدفُـونِ؟
تَناهَشَتْ لحمَهُ الغربانُ، واحتَرَبَـتْ غَرثى الكِـلابِ عليـهِ والجَراذيـن ِ
يا ا ُمَّ هارون مـا مَـرَّتْ مصيبَتُنـا بِـا ُمَّـةٍ قَبلَنـا يـا ا ُمَّ هـارونِ
اما الشاعر الكبير رعد بندر فقد ظل مرهون بحب العراق، وقد عرفته عن قرب واعلم انه ومنذ احتلال العراق، لافرحة مرت به، ولا ضحكة ملات فاهه، ولا نام قرير العين يوما دون هاجس العراق وما يجري في العراق من تدمير وتدنيس وخراب
ســـلام ٌايـهــاالـوطـن ُســـلام ٌكـلـه ُشَـــجَــن ُ
ســــلام ٌايـهــا الـدامي ومــا لـدمـــائــهِ ثــمـن ُ
ســـــلام ٌايــهـــا الـمـقــتــول ُلا قــبــرٌ ولا كـــفــن ُ
ســـــــلام ٌيــا عــزيــزاً ذل َّ، ذل َّ لـذلـِّـــهِ الـزمـــن ُ
ســلام ٌمن غـريـبِ الـدار ِعـاف َعـيـونَـه ُالـوَسَـن ُ
يُـقيـل ُعـثـارَ غـربـتـهِ بمـا جـادتْ بـهِ المِـحَـن ُ
ويُـبـصِـرُ، كله ُعَـيـن ٌ ويَـسـمـعُ، كــلـه ُا ُذن ُ
بانَّ خـيـولَـك َالـعــربـاءَ هـــدَّل َسـرجَـهَـا الـوَهَــن ُ
وقدْ صـارتْ كــلاب ُالـلـيــل ِخـيـلاً فـوقـهـا رَسَــن ُ
ويشير بندر صراحة للدور الإيراني في العراق فيقول في قصيدة اخرى
للناس احزانهم قالوا.. فقلت نعم
لكن حزن العراقيين مختلف
ومدّع، ختمت بالذل جبهته
يَكفيهِ لا عِرْضُهُ عِرْضٌ ولا الشَرَفُ
يقولُ قولَ مُكِبٍّ فوقَ ذلّتِهِ
إنَّ الحُثالى بعَارِ الذلِّ قد عُرفوا
صارَ العِرَاقُ جَديدَاً قول ملتحِفٍ
بعَارهِ، بعضُ ما في عارهِ الصَلَفُ
نعَمْ جديدٌ وهذا الموتُ متحفكُمْ
والميّتونَ على جدرانِهِ التُحَفُ
هُما احتلالانِ هذا ظاهرٌ اشِرٌ
وذاكَ خافٍ خطاهُ اللّيلُ وَالسُدُفُ
كِلاهُما القوسُ موتورٌ باسهمِهِ
والواتِرُونَ لَهُمْ اجسَادُنَا هَدَف
إن احتلال العراق الرسمي قد ذهب لكن مواقف الشعراء والكتاب بقى إلى الابد، وكما بقى وسيبقى صوت السياب وهو الذي عاش ومات بهاجس العراق حين قال
صوتٌ تفجّرَ في قرارةِ نفسيَ الثَّكلى عراقْ
كالمَدِّ يصعَدُ، كالسَّحابةِ، كالدُّموعِ إلى العيونْ
الرِّيحُ تصرخُ بي عِراقْ
والموجُ يعولُ بي عِراقٌ، عِراقٌ، ليسَ سِوى عِراقْ
ومعه وبعده شاعر الامة الكبير محمد مهدي الجواهري وهو يستشرف برؤياه الثاقبة مستقبل العراق في ظل الاحتلال البريطاني وظل من جاء بهم الاحتلال لسدة الحكم حين قال
يا دجلة الخير ما يُغليكِ من حنقٍ يغلي فؤادي، وما يُشجيك يشجيني
ما إن تزال سياطُ البغي ناقعةً في مائك الطهْر بين الحين والحينِ
ووالغاتٌ خيولُ البغي مصبحةً على القرى آمناتٍ والدهاقينِ
يا دجلة الخير ادري بالذي طفحت به مجاريك مِن فوقٍ إلى دونِ
ادري على ايِّ قيثارٍ قد انفجرت انغامُك السُمر عن انَّاتِ محزونِ
سيبقى الشعر واجهة الامم وسجلهم الذي لا يبلى ولا يشوه بإقلام المرابين والمتلونين، وقصائد شعراء العراق متواصلة بما في بعضها من رؤية بعيدة ومعاني عميقة وصرخات تشق ليل العروبة وتنبه الى الخطر المحدق بها ولعل قصيدة الشاعر الليبي عبد المولى البغدادي تمثل رؤية مستقاة من واقع الصور التي رسمها شعراء العراق في وجدان المواطن العربي، ولعل ما حصل في بعض الدول العربية لا يحتاج إلى تعليق، لاحظوا الشاعر الليبي حيث يقول
اَزِفَ السَّبْقُ يا خيولَ السِّباقِ مَنْ عَليهِ الرِّهانُ بعدَ العراقِ؟
مَنْ عليهِ الرِّهانُ يا لجمَ الماسِ ومستودعَ الكنوزِ العِتاقِ
اَزِفَ السَّبْقُ والمنافِذُ سُدَّتْ واستعدَّتْ رقابُنا للسِّباقِ
وَدَنَتْ ساعةُ اللَّحاقِ ببغدادَ فماذا يكونُ بعدَ اللَّحاقِ؟
/6/2012 Issue 4223 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4223 التاريخ 11»6»2012
AZP07