قراءة في صور الشاعرة الجزائرية عتيقة الصائغ
العـيون الثلاث تدمع
علي إبراهـيم الدليمي
(1)
مرات عديدة قرأت (ديوانها) الذي أستعرته من زميلة لي.. وتألمت كثيراً وعميقاً لهذا الحزن الإنساني النبيل، الذي حملته هذه (الإنسانة) الموجعة، قبل ان تكون شاعرة، أنا لا أعرفها جيداً، ولم أقرأ عنها وعن قصائدها سابقاً، لكني أنحني الآن أمام تجربتها الابداعية هذه، وأرفع قبعة الاعجاب، لإنسانيتها ووفائها، ولتضحيتها الطويلة، ولصبرها الجميل، ولمأساتها العميقة، التي ألمت بها.
(ولنقرأ بعض صورها الـ 50 التي رسمتها، بريشة فنانة متمكنة، والتي ضمتها بين دفتي ديوانها الشعري (العيون الثلاث تدمع) الذي صممته فنياً بيدها، وهي تجربة (إنسانية) مريرة، أستلهمتها مع حياتها الشخصية، ومعاناتها الحقيقية، كتبتها الشاعرة عتيقة الصائغ، كزوجة لأسير طيار، في حرب حدودية، مكث في أسره لمدة، خمس وعشرون سنة، أرختها منذ 10/9/1978 وحتى 10/9/2003، وقد كتبت هذه الصور قبل فك أسره، خصيصاً لزوجها، أولاً، (كرمز) أزلي متواصل، وللآخرين الذين يقعون في الأسر خلال الحروب الحقيرة، اينما كانوا، لكون موضوع الاسر، يمس العوائل ومصيرهم بالدرجة الاولى، قبل غيرهم.. في كل زمان ومكان.
(2)
وقد كتبت مفتتحة ديوانها، بكلمة شاملة:
هذه السطور لحظات
من معاناة ربع قرن قضاها زوجي في السر… ومايزال.
لا يهمني
في أي خانة ستوضع،
ولا في أي قائمة ستُدرج،
ولا لأي جنس ستًنسب،
بقدر ما يهمني
إلى أي قلب ستنفذ،
أي ضمير ستُحيي،
أي إحساس ستُحرك.
ولكنها تعطي الاولوية لزوجها (علي) وهذا أسمه الصريح، ومن أجله كتبت قصائدها، بقصيدة (حصار):
عين علي
آه من أسر ربع قرن ياحبيبي الأسير،
صادر حريتك
وأغتصب كرامتك،
حاصر بطولتك
وطوق شهامتك،
حجز إقدامك
وقيد شجاعتك،
استباح شبابك
وأنهك صحتك.
وفي قصيدة (بَطش) تكشف الستار عن الوجوه الكالحة للذين ينتزعون عن الأسير الأعزل الاستنطاق العسير:
انقضَّ على وجودك وكيانك
وتعامل مع إنسانيتك بوحشية،
دَفن ماضيك وبَطش بحاضرك
وأضاع مستقبلك بهمجية،
غير معتبر العروبة ولا الإسلام
ولا الضوابط الدولية،
غير معترف بالحق ولا بالقانون
ولا بالوطنية،
مارس عليك كل أنواع الظلم والعدوان،
وأخضعك لكل وسائل الضغط والطغيان
بدون أن ينسى أي شكل
من أشكال الاستنطاق العسير،
وأي لون من ألوان التعذيب المرير.
وتواصل، الصائغ، مرارتها بقصيدة (الغربة):
فَعل بك كل هذا خمساً وعشرين سنة
ولا زال الجهل بالمصير
صال وجال وتمادى
بدون حسيب أو رقيب،
بعدما تُركت بين يديه
كيتيم وحيد غريب
أنكرته عشيرته ولم يعد أمره يهمها
لا من بعيد ولا من قريب.
وتتأسى، في قصيدة (الجور) عن الابطال وعقوبتهم الغير الإنسانية:
وكأن الدفاع عن الوطن ذنب عظيم
ليس له رحيم ولا غافر
وحماية الحدود جريمة كبرى
من تفانى فيها الأول يُرتّب الآخر
والتضحية في سبيل الوحدة وِزر بليغ
عقوبته: البطل يعامل كالحقير
ومن أصيب في ميدان الشرف منبوذ
يُحكم عليه بأنه مفقود وهو أسير
فلا جهة يهمها أمره
ولا إدارة يخصها وضعه
وهذا جور كبير.
وتتسأل في (فضيحة)، المجتمع الدولي الصامت أزاء هذه المأساة الرهيبة:
مئات الشهور من الإنكار
ومن الحيف ومن الأحزان
أين الإنصاف؟
أين العدل؟
أين حقوق الإنسان؟
هذا خزي وعار
لم تعرفه أماكن ولا أزمان
فِعل مخجل
يتنافى وتعاليم كل الأديان
وأمر يندى له
جبين كل من هو إنسان
فكيف أغفلته وسكتت عنه البلدان؟.
وتتوقف، الصائغ، عند (حزن) ابنتها (عُلا)، ومأساتها الطفولية، التي تركها والدها،عند الأسر وهي في ربيعها الثالث:
عين عُلا
إن رمى بها الكبار في سلة النسيان
فهل تنسى “عُلا” مرارة
أغرقتها في بحر من القلق وعدم الاطمئنان
وفاجعة آلمتها آلاف الأيام
لحظة لحظة وتكبدتها في كل حين من الاحيان
في أعيادها وأفراحها
في طفولتها وهي من الصبيان
في شبابها
وحتى هي عروس من العرسان.
وفي (دموع) تتعاطف مع موقف طفلتها البرئ من أبيها:
كيف تنسى
أنه أفقدها الحماية
والعطف والحنان
أنه انتزع منها الراحة
والسكينة والامان
أنه فَجَّر عيونها دموعاً
لو جُمعت لأغرقت الوديان
أنه حيرها
ولم تستوعب حكماً على الموجود أنه مفقود
وهل هذا بالإمكان؟
وتتذكر الشاعرة بألم (وحدتها) :
وأنا كيف أنسى الأسر!
وقد أقتحم حياتي وعسر فيها اليسير
تركني وحدي في الدرب أمشي وأسير
في الحياة أُقرر وأدير
بدون سَند أو مشير
ولا من اهتماما لأمري يعير
في عالم أصمّ وضرير
هاجم استقرار حالي بدون استئذان
أخل بتوازن وتناسق وجودي
وقلب المعايير والأوزان
جَمَّد الأحاسيس في حياتي وسحق المعاني
وطمس الجمال وهدَّ الأركان.
وتتواصل الشاعرة عتيقة الصائغ، بصياغة تصوير معاناتها الإنسانية، بقصائد عديدة لا يسع الحيز هنا لنشرها، ولكن أنهي هذا العرض بصورتها الاخيرة (تضرع) من ديوانها، وهي مناجاة إلى الله ليجيب دعاؤها بعد هذه الشدائد التي توالت عليها:
لي إله أدعوه وأتلو كتابا
أن يخفِّف محنتي ويسهل صعابا
أن يكلل صبري أجراً وثوابا
أن يجعل مأواي جنة ورحابا
أن يضئ مسيرتي مصابيحا وشهابا
أن يكسوني من سوق الصبر ثيابا
أن يرويني من نَبع الرضا شرابا
أن يهديني في دنيا تمزقت شعابا
أن ينصفني ويفتح لي بابا
وأن يجعل المؤمنين والمتقين لي صحابا
فإليه وحده سؤالي ومنه أرجو جوابا
باختصار: أن يفرج كربتي ويعيد ” نجابا “*
*الإسم العائلي لزوجها الاسير:علي نجاب
























