تطوّر مكافحة الجريمة السيبرانية

تطوّر مكافحة الجريمة السيبرانية

 

عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

 

 

 في مشروع (اعلان سلفادور) الصادر عن المشاركين في مؤتمر الامم المتحدة الثاني عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية ، المنعقد في سلفادور البرازيل خلال الفترة من 12 – 19 / نيسان / 2010م ، بشأن الاستراتيجيات الشاملة لمواجهة التحديات العالمية بخصوص نظم منع الجريمة والعدالة الجنائية وتطورها في عالم متغير …..

 

اوصى المشاركون بالمؤتمر المذكور بقيام مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ….. بتقديم المساعدة التقنية والتدريب الى الدول من اجل تحسين التشريعات الوطنية وبناء قدرات السلطات الوطنية بغية التصدي لـ(الجريمة السيبرانية) .

 

كما دعوا لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية الى النظر في دعوة فريق خبراء حكومي دولي مفتوح العضوية الى الانعقاد من اجل اجراء دراسة شاملة لمشكلة (الجريمة السيبرانية) وتدابير التصدي لها من جانب الدول الاعضاء والمجتمع الدولي والقطاع الخاص . فما المقصود بـ (الجريمة السيبرانية) وما هو موقف التشريعات العراقية لمكافحتها ؟

 

في دراسة منشورة في موقع السلطة القضائية الاتحادية لجمهورية العراق بتاريخ

 

 1 / 9 / 2013  بقلم القاضي فلاح حسن منور التميمي بعنوان (الجريمة السيبرانية) اوضح انه (اذا ما وردت عبارة (الجريمة الحاسوبية) او (جريمة الاتصالات والمعلوماتية) فهي تعني (الجريمة السيبرانية) .

 

أي ان المقصود بالجريمة السيبرانية هو الجريمة الحاسوبية او جريمة الاتصالات والمعلوماتية ، وبمعنى اخر ان الجريمة السيبرانية تعني استخدام اجهزة وانظمة وشبكات الحاسوب في ارتكاب الجرائم الماسة بأمن الاتصالات والمعلوماتية . واوضح القاضي فلاح حسن التميمي ان كلمة السيبرانية مأخوذة من (سيبر) ويعني الفضاء الانترنيتي كما تعني ترابط حواسيب مع انظمة اوتوماتيكية … كما اوضح ان فريق خبراء حكومي دولي عقد دورته الثانية في مقر الامم المتحدة في فينا للفترة من 25 – 28 / شباط / 2013 ، لاجراء دراسة شاملة لمشكلة الجريمة السيبرانية والرد عليها من الدول الاعضاء والمجتمع الدولي والقطاع الخاص وتوصل الخبراء الى نتائج وتوصيات مهمة منها (ضرورة الاهتمام بدراسة الجريمة السيبرانية واقتراح القواعد القانونية اللازمة لمكافحتها والحد منها) . وتطرق السيد القاضي الى ذكر التشريعات الوطنية الاجنبية التي عالجت بنصوص عقابية الجرائم السيبرانية ، كما ذكر عدد من التشريعات الوطنية العربية التي تناولت هذه الجريمة …. ولم يتطرق الى موقف التشريعات العراقية منها ، فهل اهمل المشرع العراقي هذا النوع من الجرائم ؟

 

ابتداء نقول ان المشرع العراقي حرص على مواكبة التطورات العلمية في مختلف جوانب الحياة ، وتابع ما ترتب على تلك التطورات من افعال او امتناعات ضارة بالمصلحة العامة او مصالح الافراد ، فبادر الى تجريمها وتحديد جزاء مناسب عليها  فعلى سبيل المثال تقرر في قانون العقوبات البغدادي النافذ في العراق منذ 1/ 1/1919 حتى منتصف عام 1969 .

 

–           المعاقبة بالاشغال الشاقة مدة لا تتجاوز سبع سنوات او بالحبس على كل من افضى بالمعلومات العسكرية العراقية الى مأمور لدولة اجنبية غير حليفة للدولة العراقية (مادة 7) –      المعاقبة بالاشغال الشاقة او الحبس على من حرض بفعل ظاهر علني على التمرد… (مادة 81) .

 

والفعل العلني يحصل غالباً بالنشر ، ويحصل النشر حسب نص المادة (78) من القانون المذكور ، بالكلام او الصياح او العمل او الايماء او التصوير او الرمز او بطبع الاشياء او اصدارها بوسيلة اخرى .

 

–           المعاقبة بالاشغال الشاقة والحبس كل من تسبب بطبع جريدة او كتاب او أي مطبوع اخر ، باحدى وسائل النشر المنصوص عليها بالمادة (78) بهدف اثارة شعور الكراهية والبغضاء بين سكان العراق ، او ضد نظام الحكومة المقرر . (مادة 89 / بند 1) .

 

–           المعاقبة بالحبس او الغرامة او بهما كل من عطل او عرقل او اضر قصداً المواصلات البرقية او التلفونية او قاوم بالقوة تصليحها ، فضلاً عن الحكم بتعويض الضرر الواقع (مادة 180) .

 

وعندما صدر قانون العقوبات العراقي النافذ حالياً رقم 111 لسنة 1969 انتبه الى الاخطار التي اخذت تحيط بوسائل الاتصالات بمختلف انواعها فأفرد فصلاً خاصاً ضمن الباب السابع الذي تناول فيه (الجرائم ذات الخطر العام) . ليحدد في الفصل الخامس (جرائم الاعتداء على وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية) فعاقب بالسجن او الحبس من عطل عمداً وسيلة من وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية المخصصة لمنفعة عامة او قطع او اتلف شيئاً من اسلاكها او اجهزتها او حال عمداً دون اصلاحها ، وتكون العقوبة السجن اذا ارتكبت الجريمة باستعمال مواد مفرقعة او متفجرة اذا ارتكبت في وقت حرب او فتنة او هياج (مادة 361) .

 

كما عاقب القانون بالحبس وبغرامة او باحدى هاتين العقوبتين من تسبب عمداً في ازعاج غيره باساءة استعمال اجهزة الاتصال السلكية او اللاسلكية . (مادة 363)

 

ولم يتخلف المشرع العراقي عن مواكبة التطورات الاممية والعربية في بحث موضوعات التكنولوجيا الحديثة واحتمالات اساءة استخدامها ، والجرائم الحديثة ذات الصلة بالحواسيب والاتصالات السلكية واللاسلكية ، وجرائم الكمبيوتر والجرائم الاخرى في مجال تكنولوجيا المعلومات ، وجرائم الحاسب الآلي اشكالها واساليب مواجهتها .

 

وبادر قسم الدراسات القانونية في (بيت الحكمة) بعقد ندوة موسعة عن موضوع (القانون والحاسوب) في آب 1998 .

 

كما أسهم المركز القومي للحاسبات الالكترونية في العراق بتأهيل الكوادر العاملة في مجال الحاسبات واجراء الدراسات وتقديم المشورة الفنية ، وباشر المركز المذكور منذ عام 1994 بتنظيم  دراسات عليا لمنح شهادتي الدبلوم العالي والماجستير في مجال الحاسبات بالتعاون مع جامعتي بغداد والتكنولوجية . وفي محاضراتنا في المعهد العالي للتطوير الامني والاداري خلال السنوات 1999 – 2002 تحت عنوان (الاجرام المعاصر) تطرقنا في الفصل الثاني الى (جرائم الحاسب والشبكة العالمية للمعلومات) .

 

واعتنينا بمكافحة تلك الجرائم ، واقترحنا ما يأتي :-

 

1-         العناية الخاصة باعداد وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية في مختلف مجالات التقنية العصرية وفيها الحاسوب وشبكة المعلومات (الانترنيت) ، في صناعتها وصناعة ادواتها الاحتياطية ، وتنظيم المتاجرة بها ، ونصبها وتشغيلها وصيانتها وتعليم حسن استخدامها وحماية امنها .

 

2-         تطوير التشريعات المتعلقة بنظم عمل وادارة الحاسبات وشبكة المعلومات وايضاح مختلف الجوانب المتعلقة بالمسؤوليتين المدنية والجنائية الناجمة عن سوء استخدامها عمداً او خطأ ، مع مراعاة الضوابط الاخلاقية بشانها ، والاجراءات الواجبة الاتخاذ في التحري وجمع الادلة ، وفي التحقيق والمحاكمة ، وتنفيذ الاحكام المتعلقة بجرائم الحاسب والانترنيت .

 

3-         تخصص اجهزة الضبط القضائي من شرطة ومحققين قضائيين بمكافحة جرائم المعلوماتية اسوة بما اعتمدته دول اخرى في هذا المجال ، مع مراعاة حسن اختيارهم ورقي مؤهلاتهم وحسن اخلاقهم وتاهيلهم وتدربهم على ايدي افضل الخبراء وفي ارقى المعاهد المتخصصة داخل العراق وخارجه .

 

4-         توحيد الجهود الوطنية بكل ما يتعلق بالحاسبات وشبكة المعلومات العلمية ، بقيادة مركز وطني للحاسبات وشبكة المعلومات ، بما يضمن ســـلامة عقود تجهيزها ونصبها وتشغيلها وحمايتها وضمان امن استــــــــــــخدامها ، وان تكون الاجــــــهزة الامنية في مقدمة مؤسسات الدولة والمجتـــــــــــمع ومنها الحاسوب والشبكة العالمية للمعلومات …….

 

وشهدت جمهورية العراق اهتماماً متصاعداً باستخدامات التقنية الحديثة والحماية القانونية للاتصالات الحديثة والمعلومات العامة والخاصة خلال القرن الحادي والعشرين .. واهم صور هذا الاهتمام :-

 

اولاً / اصدار مجموعة تشريعات جديدة لحماية امن التقنية والاتصالات الحديثة منها :-

 

–           القانون رقم 31 لسنة 2013 لتصديق الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات .

 

–           قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية رقم 78 لسنة 2012 .

 

–           قانون المصادقة على اتفاقية تنظيم احكام التوقيع الالكتروني في مجال المعلومات الالكترونية في الدول العربية رقم 101 لسنة 2012 .

 

ثانياً / الارتقاء ببرامج تأهيل وتدريب الملاكات العراقية على ادارة الاجهزة والمعدات الالكترونية وانجاز المعاملات الادارية والمالية بواسطتها وضمان سلامتها وامن استخدامها وبخاصة في المعاهد المتخصصة واهمها الاكاديمية العراقية لمكافحة الفساد في هيئة النزاهة ومركز التدريب المالي والمحاسبي في وزارة المالية والمركز التدريبي في ديوان الرقابة المالية الاتحادي ، والمعهد العالي للتطوير الامني والاداري في وزارة الداخلية .

 

ثالثاً / اعتماد الحكومة العراقية خطة مركزية وطنية للحوكمة الالكترونية في جميع الوزارات والحكومات المحلية واقليم كردستان وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر بالامر الديواني 46 لسنة 2009 .

 

رابعاً / التزام وزارة العلوم والتكنولوجيا في الحكومة العراقية بموجب قانونها رقم 75 لسنة 2012 بالاسهام بالنهوض بواقع العلوم والتكنولوجيا في العراق ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية في العالم بما يسهم في ترسيخ المقومات الاساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق .

 

خامساً / اهتمام مختلف وسائل الاعلام العراقية وبخاصة الصحف والمجلات بنشر التحقيقات والدراسات ذات الصلة باستخدامات وسائل التقنية الحديثة في ادارة مؤسسات الدولة والمجتمع ، وبخاصة الجرائم ذات الصلة بالحاسوب والانترنيت وامن الاتصالات والمعلومات (الجرائم السيبرانية) … ومنها على سبيل المثال :-

 

–           دراسة الاستاذ الدكتور عباس زبون العبودي عن الاثبات الالكتروني في مجلة دراسات قانونية العدد 21 / 2007 بيت الحكمة .

 

–           دراسة الاستاذ الدكتور جمال ابراهيم الحيدري – الاسس الفلسفية والقانون لتجريم غسيل الاموال في مجلة دراسات قانونية – العدد 22 / 2008 بيت الحكمة .

 

–           دراسة الدكتور كريم خميس خصباك والدكتورة نوال طارق ابراهيم – الجرائم المخلة بالاخلاق عبر الانترنيت – مجلة القانون والقضاء – العدد الثالث – 2010 .

 

–           دراسة المحامي – لواء شرطة متقاعد – عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي – الشرطة الالكترونية بين الواقع والطموح – مجلة المحقق – العدد الثامن / 2010 .

 

–           دراسة الدكتور – لواء شرطة متقاعد – اكرم عبد الرزاق المشهداني – القرصنة الالكترونية وسبل مواجهتها – مجلة المحقق – العدد التاسع / 2010

 

–           دراسة القاضي فاضل عباس الملا عن الجرائم الالكترونية واخطارها الامنية – جريدة القضاء الواقف – نقابة المحامين – 2013 .

 

–           تصريحات اللواء المهندس علي حسين رحيمة الساعدي مدير عام الاتصالات والمعلوماتية في وزارة الداخلية عن (جرائم المعلوماتية) – جريدة البينة الجديدة – الخميس 8 / 3 / 2013 .

 

واحدث الدراسات العراقية التي اطلعت عليها حول الموضوع ، دراسة الرائد المهندس زياد خلف كاطع التي انجزها للحصول على دبلوم دراسات عليا بعلوم الامن الداخلي من المعهد العالي للتطوير الامني والاداري واسهمت بمناقشتها يوم 23 / 6 / 2014  وعنوانها (امنية المعلومات في الاتصالات الادارية الحديثة).

 

ومن الحقائق المؤكدة عبر التاريخ الانساني ان كل انجاز علمي او تكنولوجي يقدم خدمات للبشرية لابد ان يفرز سلبيات ضارة غير متوقعة توجب على حماة النظام العام ومكافحة الاجرام ان يمنعوا تلك السلبيات ويقمعوا مستغليها باساليب علمية وعملية قانونية سديدة … وان تسبق اجهزة مكافحة الاجرام ، على الدوام ، عصابات الاجرام في كل زمان ومكان ….