أعمال محمد الفقير بالرباط

أعمال محمد الفقير بالرباط

 

إنبعاث من الحزن إلى الفرح ومن عماء الظلام إلى النور

 

 

 

فيصل عبد الحسن

 

 

   الجمال يدعوك دائماً للإعجاب به، والجمال عادة هو توافق، وأنسجام بين مكونات عديدة تتناغم جميعاً، فتصير محصلتها ميلاً، ومحبة في نفس الرائي لما يرى، سواء كان ذلك الجمال من خلق الله تعالى أو من إبداع مخلوقاته.

 

 ومما يدعو للتفكير طويلاً هذا المزج الجمالي بين الخط والرسم التجريدي في لوحات الخطاط والفنان محمد الفقير في المعرض الجماعي، الذي ضم ثلاثة فنانين كان بينهم الفنان محمد الفقير في المعرض الآخير، الذي أُقيم في قاعة النادرة وسط مدينة الرباط مؤخراً.

 

  الفنان الكاليغرافي محمد الفقير، ومن خلال معرضه وورشته في كشك صغير بشارع التشكيليين في منطقة سوق الزهور السابقة في مدينة الرباط وأيضاً عبر معارضه الفردية والجماعية منذ العام 2002 في أول مشاركاته في المعرض الوطني لفن الخط العربي بمدينة الرباط استطاع أن يفتن مشاهدي فنه الجميل، وأن يأسرهم بأبتكاراته في الخط العربي، ومزجه المتقن للخط العربي بالأشكال الهندسية والرسم التجريدي، ليقدم كل ذلك الجمال على الجلد أو القماش أو الورق، ما مثل باقة من الألوان والحروف بأشكال متفردة.

 

أشكال المقدس

 

   النص الصوفي الذي ادخله الفنان الفقير إلى لوحاته أضاف بعداً ميتافيزيقاً وأعطى فهماً فلسفياً، ورؤية جمالية خاصة به، فالله تعالى الخالق، المصور، وأسماؤه الحسنى حاضرة دوماً في نصه البصري، فهو موئل الجمال ومحط التقديس، الله تعالى، جلت أسماؤه مصدر النعم والرحمة والنور، تجده في كل حرف من حروفه وفي كل لون من الوانه الزاهية، وقد أزدانت بذكره اللوحات، فتعددت زوايا النظر إليها.  فهي قبل أن تكون لوحة تشكيلية صارت نصاً مقدساً يدخل البهجة إلى قلب كل مؤمن، ومتعة بصرية خالصة لمن يروم التمتع بالجمال، وكذلك فهي رؤية فلسفية للعالم، وما يحصل فيه لمن يريد فهم ماهية ما يدور وما يحدث حوله من أحداث، كما انها قيمة جمالية كبرى أختص بها هذا الفنان بين فنانين قليلين أنتهجوا هذه الطريقة في الخط والرسم، كنجا المهداوي من تونس ونجاة الخطيب ومحمد أمزيل والقاسمي وعبد الله الحريري، من المغرب، وفائق حسن من العراق وغيرهم.

 

  الفنان محمد الفقير الذي ولد بمدينة الرباط عام 1971 ودرس القانون، استطاع أن يدون مرافعته الفنية، التي بشرت بوحدانية الخالق، وجمال خلقه، وقدرته الكونية على بعث الأمل في قلوب الحائرين والباحثين عن خلاص، وأظهر قدرة متميزة في فن الخط وأن يجعله في لوحاته قيمة جمالية أضافة إلى قيمته المعرفية.

 

  ورفعه من وظيفة الإداء المعرفي إلى شكل آخر من أشكال المقدس، فالحروف التي تكتب بها اسماء الله تعالى وصفاته تصير مقدسة، وجديرة بالاحتفاء والتكريم.

 

الكرنفال الفني

 

   أن المعارض السابقة للفنان محمد الفقير أبتداء من معرضه التشكيلي عام 2008 بالمخيم الدولي بالهرهورة في منطقة تمارة القريبة من مدينة الرباط، وانتهاء بالمعرض الثلاثي الذي ضمه إضافة إلى الفنان محمد بن عبدالله، والفنان حسن عبازي في قاعة النادرة وسط الرباط، وأفتتح مؤخراً هذا العام 2014 استطاع أن يؤكد بصمته الخاصة، ولونه الفريد في المزج بين الخط والرسم التشكيلي.

 

 والفنان الذي وجد بصمته الخاصة بعد عمل طويل، ومحاولات كثيرة جادة ابتدأها منذ متوسط العام 2009 واستمرت حتى نهاية العام 2010 وهو يعمل في ورشة شخصية، لإنتاج لوحات خطية وحروفية وواقعية بالمدينة القديمة من الرباط، وقد ظهرت نتائج هذه التدريبات في هذه الورشة لأول مرة عام 2011 أثناء مشاركته في المعرض الدائم لمحمد بن علي الرباطي، فكانت لوحاته المشاركة في غاية الجمال والتميز.

 

 اما معارضه التالية في مارس2011 والتي شارك فيها بالمعرض الجماعي  للفن التشكيلي بالمركز الثقافي الروسي، وفي المعرض الجماعي  للفن التشكيلي  بدار الثقافة محمد حجي بسلا الجديدة، فقد رسخا فهمه كفنان وأظهرا له أهمية الابتداء بالرسم الواقعي كبداية للولوج إلى عالم التجريد في الرسم.

 

  وقد تميزت جهود الفنان محمد الفقير بتعدد المعارض التي شارك فيها عام 2011 ومنها مشاركته في المعرض الجماعي للفن التشكيلي بمدرسة علوم الاعلام بالرباط، والمعرض الجماعي للفن التشكيلي بقاعة النادرة بالرباط، والمعرض الجماعي للفن التشكيلي في ” E .N.S.E.A “، المتحف الوطني للفنون التشكيلية.

 

 وقد تأثر الفنان بمشاركته في اول تجمع لاغلب الخطاطين المغاربة عام 2011 وكانت المشاركة هي الحدث البارز في تطور نظرته الفنية، وقد سمي ذلك الكرنفال الفني بالمعرض الوطني الاول وهو الأول من نوعه في المغرب بالمكتبة الوسائطية التابعة لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.

 

عماء الظلام

 

  وقد ظهرت تأثيرات مشاركته في ذلك المعرض في معرضيه اللاحقين، فكان الأول في عام  2012 عند مشاركته للخطاط سيمحمد قرماد بمعرض ثنائي في المركز الثقافي باكدال في مدينة الرباط.

 

 والمعرض الثاني أفتتح في رمضان من عام 2013 عرضت فيه الأعمال الفنية لتجمع الخطاطين المغاربة في المعرض الوطني الثاني بالمكتبة الوسائطية التابعة لمسجد الحسن الثاني في مدينة كازابلانكا.

 

  أن أظهارالهوية الفنية في العمل الفني هي من أولى الأهتمامات التي ركز عليها الفنان محمد الفقير في معارضه السابقه ومعرضه الآخير.

 

    وقد أكدت  خمس وعشرون لوحة من لوحات الفنان في معرضه بقاعة النادرة أن لدى الفنان قضية فكرية، وجمالية، والأولى تتعلق بالثانية ولا تنفصل عنها.

 

  فالحرف العربي الذي اعتمده في لوحاته هو بذاته هوية فكرية، وعقائدية للعرب المسلمين، فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وهو كلام الله تعالى المكتوب بالحرف العربي، وأثره الفكري والعقائدي باق في عالمنا الأرضي إلى يوم تقوم الساعة.

 

  فهو يكون مفردات حياتنا وتعاملاتنا مع الآخرين، ويفسر لنا ظواهر الحياة ويدلنا على ما ينبغي فعله او عدم فعله لكي ننال رضا الخالق وسعادة الدنيا والآخرة، ومن جانب آخر فالحرف عندما يُخط بفرشاة فنان، فإنه يحمل حمولات جمالية بصرية، مدهشة، وما تحمله الكلمات التي يعبر بها الفنان عن نص أدبي أو بيت شعر من التراث أو حكمة ما، فإنه يجعل لنصه المرئي حمولات جمالية أدبية تقرب اللوحة من النص الشعري، الذي يقرأ من وجوه عديدة، ويمثل ذروة الأحساس الفني بالحياة والأنبعاث من الحزن إلى الفرح ومن عماء الظلام إلى النور.

 

 

{ كاتب عراقي مقيم بالمغرب