سعدي يوسف في أنا برليني

سعدي يوسف في أنا برليني
نفي رطانة السائد
قراءة طلال سالم الحديثي
بهذا التوصيف القصيدة الشاملة الذي دونه الشاعر سعدي يوسف وأصدرته دار التكوين في دمشق قبل بضعة أشهر تحت عنوان أنا برليني يقول كتبت هذا النص، محاولة، في القصيدة العربية غير التقليدية كما أراها، أي القصيدة الخارجة على اللعنة الثنائية الناشبة .
الأمر، هنا، أعقد من قصيدة متعددة الأشكال.
قلت مرة إنني مدون حياة، ولست شاعراً.
كنت أريد القول أني لا أنتسب إلى رطانة السائد وإنبتاته.
كتبت بانوراما وأنا في برلين بين الأول من حزيران 2010 والأول من أيلول العام نفسه، ومثل ما فعلت في نيويورك، آن كتبت قصائد نيويورك وفي إيطاليا حين كتبت الديوان الإيطالي ، و في باريس و قصائد باريسية ، كنت أخرج صباحاً مع دفتري، لأرى برلين الناس تستيقظ.
علي أن أستقبل.. أن أرهف حواسي.. أن أحب العالم.. أليس هذا كافياً؟
ما الشعر إذاً؟
لعل الذي يرتسم في الذهن ذهن القارئ كما ارتسم في ذهني عقب قراءة هذا النص هو التساؤل التالي هل يحاول الشاعر في نصه هذا إلغاء تعريفات الشعر التي ملأت كتب النقد الأدبي ليقول لنا في نصه هذا هذا هو الشعر؟
تساؤل قد يتسم بالغرابة، وربما السذاجة أيضاً، ولكنني حقيقة وجدت في هذا النص فهماً للشعر يختلف عما ألفته فيما قرأت وأقرأ، وجدت في هذا النص الحياة معبراً عنها بروح الشعر.. وبهمس الشعر وبوحه ونبضه وتدفقه، إنه في هذا النص كما قال مدون حياة ببصيرة شاعر وبذائقة شاعر وبقلب شاعر.. إنه جعلني في هذا النص أعايشه وأتنقل معه وأشاركه المكان والأحاسيس والوميض واللمح.. التحم معه وجدانياً فكأن نبضه في قلبي.. وكأني أنا القارئ سطراً في دفتره الصغير أو مختبئاً تحت قبعته أو في زر من أزرار قميصه..
وهذا شأن مدونة الحياة والشاعر أيضاً الذي نفى صفته عنه ثم استدرك ليثبت النفي بقوله كنت أريد القول إنني لا أنتسب إلى رطانة السائد وإنباتاته
فنفي الشعرية عن رطانة السائد وليست نفياً عنه وهو الشاعر الذي أبدع على أمدى أكثر من نصف قرن ما أبدع في ديوان الشعر العربي الحديث.
وهذا النص بعنوانه أنا برليني هو بانوراما بتوصيفه الذي جاء على غلافه أيضاً، والبانوراما وصف لتعدد الأنواع، وهو هنا وصف لمكونات هذا النص ومكوناته متعددة فيها الشعر الحر والقصيدة المدورة وقصيدة النثر، والمسرحية الشعرية، وفيها أبيات من الشعر العربي التقليدي أبيات لمالك بن الريب والمتنبي ولا تخلو أيضاً من الحكاية، مع قصائد من الشعر المترجم بترجمة الشاعر نفسه. وهذا ما عناه الشاعر بقوله في كلمته على الصفحة الأخيرة انتهيت من تدوين هذه القصيدة الشاملة صباح الرابع عشر من شهر تموز العميق أبداً، في العام 2010 وكنت في زيارتي لابنتي شيراز دامت شهرين كاملين بين الأول من حزيران والأول من أيلول، هذه البانوراما البرلينية فيها تقدير ومحبة للحضارة الألمانية التي اتسعت وتحملت، وفيها ما يجعل الرحلة الدائبة من أهم تمتمات فردٍ اسمه سعدي يوسف.
فشمولية القصيدة إطلاق مستوحى من كونها منظومة على أنساق شعرية مختلفة وأنواعه وليس مستوحى من موضوعها الذي هو بتوصيف بسيط سياحة في المكان والزمان ملتقطة بعين شاعر لا تتوقف عند سينمائية محدودة، بل هي تداعيات يتكثف فيها الشعوري والمرئي.. المحسوس بالغائب، الواقعي بالتاريخي، وتتشابك الصور بالأزمنة وتتناسخ الرموز وتتشابك الدلالات في نص تحكمه لغة مستقرة محكمة البناء واضحة الدلالة.
ولا شك يقول الناقد إن ميزان الفنية في العمل الأدبي، لا تتأتى من نسقه اللفظي وتشكيله اللغوي فحسب، وإنما من رؤاه وتجاوزاته التخيلية في تخليق الصور جمالياً وتلوين دلالاتها مغزى أو رؤية.
فجمالية الفن ودهشته ومضمار استقطابه للأذواق المتلقية، تكمن في طريقة تعبيره وأسلوب تشكيله، وتزداد جماليته في مقدار استقطابه لأداته التشكيلية المجسدة، وتوظيفها في خدمة المغزى الدلالي الكامن وراءها، أو الخلفية الذهنية التي ولدت هذا الشكل الإبداعي أو ذاك.
إن هذه القصيدة الشاملة بعناوينها التي بلغت 44 عنواناً تؤكد أن الإبداع الشعري كما أورده ترلنغ عن فرويد هو إجهاد روحي وليس بوحاً مجانياً لمكنونات الصدور أو مكتنفات العقول، وقد ذهب بعض من حللّ العبقرية إلى أنه ذكاء حاد، مضاف إليها انفعال حاد، ويستطيع المرء أن يطمئن إلى أنه ليس هناك شاعر في الوجود لا يتمتع بقدر قليل أو كثير من الإمكانات العقلية النامية.
فالذاكرة مثلاً تعد من أهم مواهب الشاعر، وقد قال فيها بول فاليري ربما يصح أن نقول أن الذاكرة هي عنوان الكفاءة الشعرية إن الخيال بحد ذاته هو تمرين تمارسه الذاكرة، ولا شيء تتخيله إلا ونعرفه، وقدرتنا على التصور هي قدرتنا على تذكر ما جربناه سابقاً ثم تطبيقه على موقف مختلف .
وهكذا فإن أعظم الشعراء هم الذين يتمتعون بذاكرة عظيمة لا تشمل تجاربهم فحسب بل تضم أيضاً أدق ملاحظاتهم للناس والأمور التي هي خارج ذاتهم.
ويبقى للشاعر في هذه المحاولة القصيدة الشاملة فضل ريادتها في الشعرية العراقية أولاً وفي الشعرية العربية ثانياً، وأرجو مخلصاً كقارئ أن لا يصيبها من أصاب تجربة الشعر الحر العراقي المنبت من تعسف ومماحكات وادعاءات تتناوشها ألسنة المترصدين المتربصين لحصاد القمح من حقول الآخرين، وما أصدقه حين قال
نحن في ملعب الخيل، ولكن بلا أي خيل
/6/2012 Issue 4221 – Date 9 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4221 التاريخ 9»6»2012
AZP09