شواهد ذنون أيوب دون سواه
الحرب في القصة العراقية
مهدي شاكر العبيدي
بغداد
تعرفت على الراحل عمر الطالب في يوم من عام 1971م ، وذلك في مبنى مطبعة النعمان في النجف الشريف جائياً اليها من الموصل الحدباء ، قاطعاً بذلك مساحات طوالاً وماراً بمدن ٍ عديدة من ضمنها بغداد العاصمة ، ليقف على أي مرحلة جازتها مسودات كتابه بجزئيه الضافيين عن الفن القصصي والروائي والتمثيلي في العراق ، نعم قلت الراحل عمر الطالب مجرداً من لقب الدكتورية العلمي أو الاكاديمي، بعد أن عدم الجدوى في تميزه عن الآخرين بهذه الخصيصة إثر ارتحاله عن عالم الكون والفساد الذي لم يُعرَّض فيه لبعض الرهق والعناء
. أو يضق بتواريه عن المحافل وتباعده عن الملأ ، معفياً ذاته من تحسس النفرة منهم حين استماعه لما لا يروقه ويعجبه ، أو يلذ سمعَه من منطقهم الجافي ، ومنوالهم في الحديث ، وديدنهم في المخاطبة ، إنما كُتِبتْ له الراحة في الدنيا وقدّر له خالقه سبحانه أن لا يبتليه أو يوثقه بالرباط المقدس كما أسماه توفيق الحكيم ، وينيط به الامتثال لمطالب شريكة الحياة ، وتدبير نفقات عيش مّن أنجب منها من بنين ، فهو حر لا يفتكر في أحد لو ضرب في أنحاء الأرض مثلما ساح مرة في الشمال الأفريقي و ألقى مراسيه عند جامعة ما في المغرب العربي موفداً من جامعة الموصل ليلقي جملة محاضرات على طلبتها ، وهي رحلة نقاهة للتخفف من الكرب الذي أجلبه عليه خلافه مع صنوٍ له هو الدكتور عبد الاله احمد رحمه الله والذي افترى عليه أو عابه باستخدامه نفس عبارة له بنصها وفصها في كتاب من كتبه وجعلها فاتحة مقال له كما أذكر ، وصدّقته رئاسة الجامعة حينها فأقصته بعض مدة أو استأنت في ذلك ، وهذا هو التعب الذي ما بعد تعب والذي يزعج الخاطر ويكدر الشعور ويستلب منه الراحة المترتب عليها النظر له بعين الغبطة لتي لا تقترب من الحسد ، بل تتمنى دوامها .
وقع في يدي بمحض المصادفة كتاب له أصدره في غضون عام 1983م عن دار الشؤون الثقافية ببغداد ، والحرب الطاحنة بيننا وبين الدولة الجارة إيران على أشرس ما تكون من تساقط الضحايا من كلا الجانبين وسط إدلال أي منهما بالعتو والمكابرة وتبادل التهم بينهما فلا يرعوي الواحد منهما ويرتدع عن إدانة الآخر بأنه البادئ بالعدوان والتحرش بقوات قرينه حامية الحدود و متأهبة للرد المناسب بمثله ، حتى اذا تناهت المدة في الطول ، وفشلت الوساطات جميعها لإحلال السلام بينهما ، توقحت بعض الاوساط الأجنبية وقسم منها حبّذها لهما من طرف خفي و أغرى بها كحلٍ ناجع وحسمٍ آيل بالتالي لإنهاء الخلافات التاريخية المتوارثة المستديمة بينهما على تباين النظامات وشكل الحكم والوجوه المتصدرة أو على رأسه في أي منها ، والقصد من ذلك لا يخفى على أحد والرامي الى استنزاف موارد الطرفين و انهاك طاقتهما القتالية كي يكفا عن إطلاق توعداتهما بوجه إسرائيل ، فاِن خرج أي منهما منها يخرج موهون القوى خائر العزمات ، يلزمه الموقف العسير الصعب في النهاية أن يواسي المترملات ويشفق على اليتامى ويعوضهم ما استطاع عن حنو منجبيهم وذويهم ، قلت توقح غير متفرج أو واقف على التل فأسماها الحرب المنسية .
الحرب في القصة
إسم الكتاب المذكور ذاك : الحرب في القصة العراقية، وأذكرني عنوانه بقولة سمعتها في الحلة وقت تهيؤي لمغادرتها نهائياً ونأيي عنها غداة اندلاعها ــ أي الحرب بين دولتين كلتاهما معدودة من البلدان الإسلامية في نظر العالم : إنّ العراق يستنفد أعمار بنيه في القتال من سنوات بعيدة ، يخوض حرباً بعد حرب ، تارة بوصفه من تبابعة دولة الأتراك ، وتقتضيه تبعيته لها القذف بشبيبته في أتون القتال دون أن يدروا لماذا ولأية غايةٍ يصبون ويخسرون شبابهم ؟ وطوراً ينشغل بحروبه الداخلية على حساب اختلال الأمن وافتقاده السلم الأهلي لتقاطع جمهوره مع حاكميه وتشكيكه بدخائلهم ، ولا يفوتهم ، من جانبهم ، أن يبتدعوا له ألهية صرفاً له عن التصدي لمقارفهم ومخازيهم بالتشنيع والتقريع والزراية ، آلا وهي الحرب في فلسطين أو في شمالي الوطن على أساس التمرن على امتشاق السلاح ، وكأن الحرب نزهة نتيحها لجندنا كي لا يخلدوا الى الدعة وتفتر عزيمتهم ،
بهذه العبارات أو بما يقابلها في المعنى بالكلام العامي أو بلغة وسطى ، نطق بها ذلك المواطن البسيط ، مفصحاً عن مقته للحرب واِنْ أقدم عليها رجال العسكر لضرورات قصوى ، أو بعد اقتناعهم بفشل السياسيين في جهودهم لفض منازعات دولهم مع الغير ، وهذا التعلة طالما انتحلها وتشبثّ بها بعض الكتبة لتبريرها وقد صارت واقعاً يومياً ، وجاوزوها إلى مثيلاتها المؤدية لنفس الغرض من حمل رجل الشارع على أن يتعاطف مع السلطة ويرتضي إجراءاتها من جرود سكانية وغيرها باسم حماية الداخل، من نحو أننا نجنح للسلم و نميل للموادعة من موقع الاِقتدار ، ومن يدري لعل المرحوم عمر محمد الطالب رام من وراء استهلال كتابه عن الحرب في القصة العراقية واستعراض ما كتبه بعض الأدباء من قصص وروايات تصوِرُ بطولات العراقيين في اجتياح الأراضي الحدودية للأمصار الأخرى ، وشبه هذا ما أفضى لي به ذات يوم المرحوم صادق الجلاد قائلاً : لا تسلني عن العوامل الكامنة وراء شن الحرب أو عمن أضرمها دون أن يفتكر بما تجر وراءها من تهاويل وفجائع ، لكن لنعترف ونقِر أنّ أولادنا الجوعى في ظروف ينقطع عنهم المدد وهم في غمرات القتال ، أشبهوا سلفهم في التاريخ القديم حين جاءوا لأرض بابل بأرتال اليهود مصفدين بالأغلال من مسافات بعيدة ، ومثله ما تشدق به أمامي أحد المشاركين في القادسية من أن استبسالنا في الحرب للذود عن الأرض وحماية البوابة الشرقية ، داخل الغرور بسببه نفسَ صدام وجعله يفتكر في غزو العالم ، وأنا أروي هنا بمطلق الأمانة وبغاية الصدق ، وذلك عملاً وامتثالاً بنصيحة عمر فاخوري لأدباء لبنان أن ينسابوا في غمار الناس ويستوحوا مكابداتهم اليومية ويجاروهم في تعاملاتهم في السوق ، وعلى زهادتي في الخلطة بمعاشر الآدميين من خلق الله ، وجنفي عن تشابك العلائق ما استطعت ، أتصيدُ أقوالاً تندْ من آن لآن عن أفمام تسوق المصادفات ذويها للقرب مني وتستحثني لمصافاتهم . وكل هذه الادكارات والاستذكارات أراها تتعارض هي ومنطق الناطق السابق باسم الحكومة العراقية : عن أن الموتى في الحرب المفروضة مجرد قتلى وليسوا بشهداء أصحاب قضية ، كما تناهى ذلك إلى سمعي وأنا في بلاد الشام ، ويستوي بالضد منه هو قولة المرحوم القذافي في حينها للرئاسة العراقية : قتلاكم وقتلاهم في الجنة . فردوا عليه بمنتهى المكابرة والقول النابي الجافي : إن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار (1) ، وعلى إثرها صار القذافي يدعى في الاعلام العراقي بابن اليهودية ، وبعد سنين أشاد نفس الإعلام برسالة ما تلقاها رئيس البلاد من أخيه معمر القذافي، لتضج قهوات بغداد بضحكات جلاسها من تقلبات السياسة .
قلت من يدري لعل المؤلف عمر محمد الطالب إذ جعل الفصل الأول من كتابه مكرساً بأقسامه السبعة المبتسرة في بعضها أو المفصلة المطنبة في بعضها الآخر ، لتبيان آثار الحروب الجهنمية التي شهدها الشعب العراقي منذ الحرب العظمى ، وعلى اعتبار أن صِدام العشائر بقوات الفاتح الانكليزي هو نوع من الحرب ، مروراً بحوادث عام 1941م ، التي منيت بتخلي قادتها ، قادة التمرد على مشيئة الحكام والملزمة بالاصطفاف إلى جانب الدولة الحليفة بريطانية العظمى في خلافها مع المحور بشأن اقتسام بلدان العالم ، قلت تخلى أولاء القادة عن الجمهور المتعاطف معهم والمُصدّق لدعواهم والمصغي لما يرسله إعلامهم عبر الأثير طوال شهر بكامله من هتاف ونداء وتغنٍ بأمجاد الأمة العربية ، ولا ذوا بجنبات العالم نجاءاً بأنفسهم ودفعوا الدية بالاقتصاص منهم أخيراً بعد ما أسلمتهم الأوطان التي ركنوا لها في حفظ حياتهم في ايران أو تركية أو جنوبي افريقيا ، بينما نجا الشيخ الهرم الذي كان على رأس حركتهم وطار إلى المانيا قلعة النازية وحل ضيفاً على العربية السعودية يوماً كما قيل أملاً في وساطتها لدى الوصي على العرش في أواخر أربعينيات القرن السالف أو بوادي الخمسينيات منه ، وما كلّ ولا ملّ من اللجوء إلى إنفاذ مشروعاته المختلفة في استعادة أدواره الغاربة في تصريف الحكم ، لغاية عام 1964م ، على أننا نؤثره بالثناء ونشيد بتقديمه بالاتفاق مع الشيخ محمد رضا الشبيبي مذكرة إلى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي ، وكلاها كان يشغل في حكومته منصباً وزارياً ، ويرفض فيها الاتفاقية النفطية المبرمة مع الجانب البريطاني لاستخراج النفط وتحديد حصتنا منه بـ 25 بالمئة ، كان ذلك ولما ينته الربع الأول من القرن العشرين كما سجله الشيخ عبد الرزاق الحسني في أحد أجزاء موسوعته : تاريخ الوزارات العراقية ،والأغراب أن يتكرر ذلك بعد مرور أربعين عاماً ، فقد قدما معاً مذكرتي احتجاج إلى الرئيس عبد السلام عارف لدرج اسميهما ، دون علمهما ودون أن يُستشارا في الأمر – بقائمة مؤسسي الاتحاد الاشتراكي المنوي إعلانه جهاراً ، وكذا تناقلت نبأه الاذاعات ومنها إذاعة لندن وقد سمعت به منها بنفسي يومذاك ، وأعتقد أنه نشاز وأي نشاز أن يسلك بالشيخ محمد رضا الشبيبي أو رشيد عالي الكيلاني في عداد المنظرين لاتحاد اشتراكي يعلن عنه ربع من رباع العرب ، ذلك النشاز الذي انفضح عواره وانكشفت سماجته وفجاجته يوم أسندت وزارة الوحدة للمرحوم عبد الرزاق محيي الدين وإن كان هدف الوحدة بين المواطن العربية من أوليات ما يصدح به الشعراء الأصلاء في هذا العصر الحديث ، وعبد الرزاق محيي الدين شاعر قبل ان يُعَد ناثراً ممتازاً . والآن لنعد إلى ما يتوخاه الدارس عمر الطالب من إحاطته بالأحايين التي أُكِرهَ العراقيون فيها على مواجهتهم خصماً معانداً لهم في تحقيق ما يصبون له من أهداف وغايات وحتى أقحمتهم الأيام على موضوع القضية الفلسطينية ، وشاركوا في القتال على أرضها ثلاث مرات ، استنفدت أعمار صفوة من شبيبتهم وقسروا على التراجع غير مرة بلا تحقيق أدنى رغابهم وآمالهم في النصر المؤزر ، إذ رُصِد للنصوص الأدبية التي سجل فيها المبدعون العراقيون المواكبون لكل فترة استعرت اثناءها الحروب الداخلية والخارجية ، واستفحلت فيها المنازلات بين الأرتال والأطراف المستمسكة بباطل حجتها أو صادق مدعاها ، قلت رَصَدَ المؤرخون ما أسفرت عنه هذه الأهوال من رزايا وتركته وراءها من مخلفات برع ذنون أيوب في تصويرها بوجه خاص في مجموعاته القصصية : الكارثة الشاملة وعظمة فارغة وصور شتى وانتهاء بقصص من فينا ، فندد بمعسكر الرجعيين المحتكرين لقوت الناس برفع أثمانها على شاكلة ليس في وسعهم تحملها ، وأومأ إلى ظهور أثرياء الحرب وحوطهم ذواتهم بزمر من المتملقين والانتهازيين الذين استساغوا خدمة من يجود عليهم بالسحت المحرم أو يغدق عليهم من فتاته ، وينفلت الكاتب من محيطه المحلي إلى تجسيد عوائد الحرب على المجتمعات الأوربية خاصة مجتمع النمسا التي حل فيها بعد النصف الأخير من عام 1954م ، باراً بقسمة أن لا يقيم في الوطن ما دام نوري السعيد على رأس سلطته بسياسته الحمقاء ، فيوافي مجلة الآداب اللبنانية بقصصه التي يكتبها هناك قبل جمعها في كتاب قصص ممن فينا ، ويودع تضاعيفَها عباراتٍ مؤثرة في دلالتها على معاناتهم من الإحباط وانكسار النفوس وقعودهم عن السعي في دروب الحياة بشوق ورغبة .
شواهد قصصية
ففي قصته ( جديد تحت الشمس ) يرد هذا القول “خبريني بحق السماء كيف يستطيع المرء أن يفكر في الحرب وهو وسط هذا الجمال ؟ وقد بلغ من التقدم والرقي هذا المبلغ ” . وفي قصة ( كافيه رابيل ) يفضح بشكل مريع ومؤسٍ ، ظاهرة امتلاء المجتمع الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية بالفتيات الفاتنات الغريرات اللائي يعرضن أجسادهن بدون منافسة غير مشروعة ( كذا ) بأهون الأسعار ، وفي قصة (أيتام عيد الميلاد) يصور حياة الأوربيين ذكراناً واناثاً على غاية ما يفلح كاتب ما في الاهتداء لمفرداته وألفاظه ، من الكِبر والتعاسة ، يقول ان ترناتا ( وهي فتاة ظلمها الدهر وقست عليها الأيام ) لكنها وقد عافها الجندي الأمريكي وولى بعيداً بعدما أنجب منها أولاداً ، تتظاهر بالتعالي وتشمئز من ( السندويج ) الملفوف بورق الصحف ، وهي بالتالي من وجهة نظره ليست الا ( أوربا الحقيقية التي تخفي تعاستها تحت ستار من الكبرياء ) و يا له من وصف دقيق ومؤثر ، وبوسعك أن تشومه في مَن حولك من ناس . !!
اقتصرت على الشواهد القصصية لذنون أيوب دون سواه من الناثرين والتي عول عليها عمر الطالب في اكتوبته عن الحرب في القصة العراقية وإن أخلّت بعض الشيء بالعنصر الفني غير أنها توفقت في غرضها من تنفير الناس من مخاطر الحروب ، فهو من هذا الوجه شاجب لها ومستنكر مهما كانت أسبابها وبواعثها ، وهذا هو القصد الخفي من وراء تأليف الكتاب الذي بانت في غير صفحة منه عبارة متحمسة لصالح العرب وتاريخهم ومجدهم الدارس الغابر وحضارتهم المزدهرة قديماً وفضلهم على العالمين ، قبل شروعه بكتابة الفصل الثاني منه والمكرس للقصة العراقية على الجبهة الشرقية ، وقد دلل فيه على مراس للنقد القصصي ومباينة ذوي الوصفات الجاهزة من النقدة ، فبدل أن يلصق بضحيات ما تستبعه الحروب من نكبات ، كأن يسترخص أنفسهنّ بأسعار متهاودة للبائع والشاري ، وكونهن بطلات ، يصدف عن السقطة هذه أو الفهاهة والابتذال ، ويمضي في التحليل والسرد وصولاً إلى المقولة المناسبة والمنطق الفصل .
ولنمسك عن تصفح كتاب عمر الطالب ، ونكف عن تملي رأيه بصدد الحرب ودور الأدباء في استمرارها ودوامها ، باستثاراتهم عزمات المقاتلين من وراء ابتداع الأشعار الحماسية وكتابة الأقاصيص المستوحاة من ثباتهم في المعركة وتناهيهم في الاستبسال والتفادي ، كي نحيط بمعلومة متعلقة بمجهود المؤلف ، وهل كان انصرافه للكتابة وقت استئنائه وإرجائه الى ما بعد سنين ؟ ويتصل هذا الأمر من جانب آخر وثانٍ بعلم الاجتماع الذي كان الشغل الشاغل للمفكر الاسلامي عبد الرحمن بن خلدون وجاعله أولى اهتماماته وأولاعه أيام اندماج سورية ومصر زمن المماليك في كيان واحد ، وجاءنا بلفظة العصبية التي تدني بني البشر من بعضهم ، وحارتْ الناس في تفسيرها وفهمها ، وابتدعت الأمثال الشوارد بصدد توشجها ورسوخها واستمساك رهط من بني الانسان في تعاملهم مع الآخرين بها ، أو أنها تهاوت إلى درجة من الضعف والموهونية وصدود الباحثين عن الاستناد إليها في شروحهم وتأويلاتهم لأسباب وعوامل شتى، مما ينذر بانحلال الأصلاب والأسر وتفككها ، ويتذكر جيداً من كانوا شباباً يافعين ودخلوا اليوم في طور الرجولة المدركة كل شيء تقريباً وبالكاد زمن تولي الراحل الرئيس المسالم عبد الرحمن عارف قيادة البلاد ورئيس وزرائه المرحوم عبد الرحمن البزاز ، وفي تلك الأثناء أقدم لفيف من رجال العسكر بمحاولتهم الانقلابية الفاشلة وعلى رأسهم الضابط المتقاعد عارف الرزاق ، وكان ما كان ، من عقد رئيس الوزراء للمؤتمر الصحفي المشهور لفضح هذا التحرك القادم من قاهرة المعز في غير تطاول على القيادة المصرية طبعاً ، إنما بذل ما في وسعه من طاقة وجهد لإبراء ذمتها ، والتدليل على عصمتها منه أمام الجمهور العراقي المتفرج على ما تنقله شاشة التلفزيون ، لكن تلا ذلك استقالته من الحكم وتخليه عن المسؤولية ليسدل الستار على ما حدث بالتدريج ويطلق سراح القائمين به من العسكريين والمدنيين واحداً بعد الآخر ، وكان لضابط كبير يسمى بشير الطالب دوره في قمعه وإخماده وملاحقة المجترئين على المساس بهيبة السلطة التي شهد العراقيون في ظلها بعض الروح والجمام بعد احترابهم حول الطريق الأسلم والمؤدي إلى الصفو والاستقرار والدعة ، وما أعرف درجة الصلة والعلاقة ومستوى الرابطة والآصرة المدنيتين للدكتور الجامعي عمر الطالب من العسكري الموصلي بشير الطالب، أهي أولى أم ثانية كما صرنا على دراية من ذلك بعد الجرود السكانية التي انصاع العراقيون لها ممتثلين بكشف أسرار بيوتهم ، وقبلاً كانت جيوبنا خلواً من الهويات أو دفاتر النفوس في الأزمان الخالية من الكروب والمنغصات ، ونحن نجوب الأطراف والأنحاء ولا مَن يستفسر عن حقائق نفوسنا، وما شئناه من فكر أو اتجاه ، ولو أن الناس جراء ما مرّ بهم من تجارب على طول الزمن ، قد ألفوا دبيب المنافسات بين ذوي الرحِم الواحد حول اكتناز الوفرة من المال أو نجاح الولدان في المدارس ، وتأهيلهم للتوظف في الدولة دون البقية من لداتهم في الصِغر ، مما ينذر بانبتار الصلات بينهم وما يستتبع ذلك ويترتب عليه من تقاطع وتجافٍ ونفرة أيضاً لا يحد منها تعللهم بالأمثال لحفظ ماء الوجه ما استطاعوا من قبيل : ( آني وأخويَ على ابن عمي ) و ( وآني وأخوي وابن عمي على الغريب ) ، بعد ما ركنوا للمثل الفاضح جهاراً النفوس وبدون أدنى تحرج ( الأقارب عقارب )(2) و أعفوا ذواتهم من كل ملامة وعتاب ! وهذه هي العصبية المستولية على أطباع أهل العراق والمتوارثة منذ عصور ترقى إلى ظهور نابغة العرب وعالمهم الموسوعي ابن خلدون قبل أكثر من ستمائة عام ، ووقف عندها شبه مستغرب الشيخ علي الخاقاني وهو يترجم لشعراء الغري أو الحلة في هذا الفصل أو ذاك من موسوعتيه الشهيرتين عن أعلام النجف الشريف والحلة الفيحاء ، ويمر بها عجلان ما دام وكده تقصي المواهب الشعرية والتعريف بأربابها أولاً . (3) فتُرى لو استأنى ابن نديم هذا العصر أو ابن خلكانه لأنه أسلف فيما أسلف لأهل الموصل موسوعته الضافية بصدد حيوات أعلامهم وجهابذتهم المبرزين في ميادين شتى كالشعر والحكمة والفلسفة والتصوف والسياسة ، عنيتُ به عمر الطالب الذي رجوتُ وتمنيتُ لو كان قد تمهل واستأنى ولم يؤلف كتابه الأثير ذاك الزاخر بالمعرفة والدراية بأصول البحث والتحليل وحسن تفهمه للأداء الفني ، قلت لو أرجأه إلى حين انطفاء شعلة الحرب ، أو حتى ساعة تبلغ سمعه النهايةُ الأليمة والمصير الدامي مما كان نصيب بشير الطالب ونجله معه ، من التعدي والتجني والتصفية والنكاية لسبب مجهول أو سُلك به فيما بعد ، بعداد شهداء الغضب ، حسبما أسّرني بهذا الخبر المشجي أحد المحامين ذات يوم في الثمانينيات أو التسعينيات من القرن الماضي ، ترى أينقطع عن إنجاز مشروعه ويعفي نفسه من مواصلة الكتابة ويُغنى عنها بشتم من أضرم شرارة الحرب من الجانبين ، وذلك بدافع من الوقوع تحت تأثير عصبية ابن خلدون !
(4) ، ومقابل ذلك لو أن أي مسؤول حكومي كان وثيق الارتباط وداني القرابة لواحد من الأجناد المقاتلين في المنازلة أو الحومة : وبعد ساع ٍ من الزمن توافت إليه أنباء مصرعه في أتونها ، بحكم الاستجابة والصدوع بواجب الخدمة في الجيش والامتثال لنداء العَلم ، أيقبل منا – هذا المسؤول الحكومي – أن ننعت من افتقده بالقتيل ؟ ونضنُ عليه بسائر ما يستأهله من مثوبات ومستحقات ؟ وأياً كانت دوافع تلك الحرب المستعرة ودواعيها وغايات الشخوص المتنافرة من ورائها ؟
(1) مهما كان رأيك فيه ، فإنه يتبدى من خلال أقواله وخطبه وتعامله حيال نظرائه من الساسة العرب الأقحاح في أحيان ، أثقب ذهناً وأسّد نظراً للمستقبل .(2) أهداني الأستاذ عكاب سالم الطاهر كتيباً من تأليف السيدة بحرية الحاج داود الجنابي ، وهي عالمة نفسية وخبيرة بعادات الشعوب ، ومحاضرة في الجامعات حول مشكلات المعوقين ، وهذه الشيخة متخرجة في كلية الملكة عالية 1949م ، بعلم الكيمياء ، وكتابها هذا بمثابة معجم للأمثال الشعبية المتداولة بين الناس في المجتمع البغدادي ويضم واحداً وألف مثل، لكن لم أعثر من بينها على هذه الأمثال الثلاثة بخصوص العلائق بين ذوي الأرحام ، وإن عثرت بما يقاربها في المعنى .
(3) كان لنا جار مسيحي في محلة من محلات بغداد المحروسة ، جاءه يوماً مواطن يبتغي تأجير دارته الصغيرة لفرد يأتمنه عليها ولا يماطله في تسديد بدل إيجارها ، وذلك إبان تلك الظروف الاعتيادية والمتسمة بالثقة والتواصل بين عموم الأفراد في حي بعينه ، قبل أن يُنكب مجتمعنا بوجوب الاحتراس من الآخرين ويضطر كل فرد ورب عائلة إلى التحفظ والانكماش وإيثار إغلاق أبوابه وسدها بوجوههم ، ويسترسل ذلك المواطن في طلبته من الرجل ، وإذا كان المؤجر من ذوي قرابتكم فخير على خير ، وأحسن وأفضل وأجمل ، فجاوبه : نحن لا نريد قريبنا يسكن جوارنا !
(4) لكي نشيع التظرف واللطافة في خواتيم هذه المقالة المطولة بعض الشيء، نسرد هذه الحكاية الحاصلة فعلاً ذات يوم بين شابين من أهالي طويريج حين تلاقيا في مدينة خارجها ، ولمس أحدهما انكماشاً وتحفظاً وتردداً عن انفتاح صدره وسريرته وذلك لتقاطعهما وتباعدهما وتجافيهما سابقاً بسبب النزاعات والعقائد والاتجاهات والميول ، فخاطبه الآخر بدوره بالكلام العامي ، متكشفاً لقرينه هذه المرة عن لون طريف من الانحياز والعصبية التي استقراها ابن خلدون قديماً واستبانها متصرفة بتسيير الجماعات علي الوردي حديثاً في سخريته وتعريته لمهازل مجتمعنا ومضحكاته :
” اشوف اسمع أنا عندي ، ساعة الساعة ، واذا جت براسي ، تره عندي ابن الولاية يسوه الحزب والقفاصين والمنتفعين من ورائه ” والسلام عليكم .
























