الشعر الأيحائي بقلم آني فانش
تسلط الوزن عبر قوافي اللغة النثرية
ترجمة : فضيلة يزل
جون بيك (تعريف): يعد واحداً من شعراء امريكا ، ولد في بيتسبورغ في عام 1941. سافر الى كليفورنيا ليدرس في يفور ونترس بعدها حاز على الدكتوراه بأشراف إزرا باوند . تأثر بالرقة الحسية في الشعر الصيني فكان محاطا ًبتراجم باوند التي كان لها التأثير الكبير في إصداره لكتابيه الأولين : شانغبارك (1972)، وسور الحصن المحطم (1978). بدأ بدراسة علم النفس التحليلي في عام 1984 في معهد جانغ Jungفي زيورخ. ومنذ عام 1993 وهو يمارس العلاج بالتحليل النفسي في مسقط رأسه نيو انجلند. كان شعره يمتاز بالصعوبة إلا انه بوابة بين الحس الواعي والعالم.((المترجمة))
أعتماداً على دراساتي الشكلية ، يُعدّ جون بيك أحد الشعراء المعاصرين القلائل الذين يستحقون ان يكونوا موضع اعجاب حقيقي. على الرغم من صعوبة الأحتكام الى جمهور القراء العام ، إلا انه يُعدّ ظاهرة تحول انتقالية. فعمله يحظى بتقدير واهتمام الشعراء من الذين ينتمون بشكل متطرف الى مختلف مدارس علم الجمال. فأسلوبه غير مفهوم لدى بعض شعراء اللغة ، وصعب الادراك لدى شعراء “الشعر السائد” ، ومسبوك بدقة ظاهرة لدى أغلب الشعراء الشكليين. في الوقت الذي كانت فيه الشكلية ولغة الشعر تؤمنان في الغالب أنهما يمتلكان غايات أيجابية في نطاق المفهوم الشعري، ان عملية توافق جون بيك مع الشعر الشكلي والشعر التجريبي كانت الصفة المميزة غالباً، فهو يقدم إنموذجاً مطلوباً جداً يتعلق بالطريقة التي تُمكن الشاعر من استخدام الصيغة من غير ان يتمثل حياة الفرد عبر مفردات اللغة. بعد دراسته مع يفور ونترس yvor wintersفي ستانفورد في الستينيات، تدرَّب بيك ليكون محللاً نفسانياًJungian، ومنذ ذلك الحين وهو يمارس تدريباً خاصاً في هذا الشأن، ومن المحتمل ان يكون قربه من ميدان الخبرات التعليمية سببا في توضيح وإيصال شعره إلى هذا الحد من التوافق، مع تكريس متواضع لمهارته التقليدية واصراره الأكيد على تكثيف المعنى بصيغه الفطرية.
تضمن كتاب بيك الجديد (أَم وقصائد أُخر m and other poems 29قصيدة غنائية متوسطة الطول وكذلك قصيدة الألفية التأملية وهي “قصيدة عنوانية” ـ أبيات تتكرر في القصيدة ويأخذ منها العنوان الرئيس للقصيدة ـ . غير ان القصائد الغنائية تختلف الى حد كبير في الصورة، والبناء، والمناسبة الشعرية التي تقتضي كتابتها، إذ ان كل هذه العناصر موحدة في موضوع اهتمامها البين، وكل عنصر منها يمكن ان يُقرأ باعتباره مقطعاً أخر من القصيدة العنوانية ان جميع القصائد الموجودة أجمالاً في هذا الكتاب تجسد أو تصف مطلب التوافق والتجلي الروحاني . سواء أخذ المرء بنظر الأعتبار هذه الوحدة الثيميائية على انها وحدة ملحمية او وجدانية، تضيف خطوة أخرى لأمكانية الأقتراب من عالم هذا الشعر الصعب الذي سيجده معظم القراء تحد كبير على مواصلة التركيز من خلال قصيدة واحدة على مجموعة قصائد غنائية قصيرة. لندع الآن القصيدة “الألفية الرائعة” التي تضم “القصيدة العنوانية” جانباً. ونتحول الى الذكريات والخيوط وتناغم وضوح الفكر أو الأسلوب والى فقرات من الوصف والتوضيح وأحياناً سرد الحكايات والنوادر التي تظهر وتختفي عبر الظلال الطويلة للغة، وتشظي معانيها الذي ينبعث ثم يختفي حالما نمعن النظر فيها بدقة:
وكان هناك أهاب من غبار الشمس
عرفها اشقر يتمايل في طرقات عملك
يحيل الفجيعة الى نصر، وخثارة أسد منشورة على موجات، غلالة فرس ملتهب
بزجاج بركاني أسود، كوبالت، بلاتين وطين
على فوهات براكين السيد المنتقم
قد يبين المقطع السابق ان هذا النوع من الشعر مستساغ في النهاية أكثر من الشعر الذي يعتمد على اللغة، وذلك لأن بيك في يتوسع ضمن المنطق التقليدي ولا ينتهكه، ومن الممكن، اننا نسمي هذا النمط بما بعد الحداثة أكثر مما نسميه وعياً طليعياً لدى بيك. عندما أخذ هاريت مونرو نشر ديوان هارت كران “عند ضريح ميلفيل” بنظر الاعتبار قال : بأنه لا يشكل أي معنى، لكن كران قدم دفاعاً صريحاً ومناسباً عن المنطق الذي كتب فيه كل كلمة. ومن الطبيعي ان يعمل بيك الشي ذاته في دفاعه عن كل كلمة في قصائده. ان بيك يشبه كران، إذ انهما يعملان على تكوين معنىً بنائياً للجملة، مع ان بيك يعمل ذلك بطريقة التكرار الذي يختلف عن اللغة الأصطلاحية. في الحقيقة، قد يكون بيك أحد المتحمسين الذين جاءوا بعد كران في عاطفته وموسيقاه وتأثير شعره بتقاربه الصميمي من صوت اللاوعي.
لقد قدمت كتب بيك الأُول (شغبارك Shagbarkو جدار الحصن المحـــــطم the broken blockhouse wall ) فقرات من التاريخ والذكريات والأدراك الحسي الذي يتواصل دائماً وكأنه في حلم يقظة، وتدفق اللغة الموحية والمستوحاة. في القصائد المطبوعة في ديوان “أم وقصائد أُخر” فلن تكون الغفوة هنا، غفوة عميقة ،إذ تبرز بعض لحظات الوعي واضحة في هذا التدفق. هناك فقرات من الوصف الجميل الملائم الذي يبدو تقريباً يجاهد ضد الميل الى نزعة الرجوع إلى اضطراب التعابير الطنانة.
ديمقراطية المسعى
وارستقراطية الأتزان
بلغا مبتغاهما، فأعتليا هذه
القمة القاسية لبراعم تتمايل
مجتازة أشراقة النهار
لتغازل الخاطر وتداهن البهجة
وردة السيريوس المزدهرة ليلاً
من جانب أخر، نجد أيضاً لحظات محبطة عندما تتولد لحظة وضوح خاطفة، ونصدم بالوصف الدقيق كما في وصف وردة السريوس في المقطع السابق، لكن سمة الإحباط تتضح عند نهاية القصيدة نفسها :
يحمل الجحيم كله
يستريح على مرتفع يتنفس خوار المرتفعات المحمول
ولا يهمني كثيراً آنى تكون منزلتي
ولا الى اين يبلغ بي هذا التباعد
ونسغ من الضوء يغمر مفترق الطريقين على حد سواء
على ان تردد صدى قصائد هوبكنز الممتعة في البيت الأخير، وتركيبة الجملة المقتبسة لم يكونا كافيين كي يقومان بتشويه الأشارة المبتذلة حول “منزلة rank “. لا يوجد الكثير من هذه الومضات في ديوان (أَم وقصائد أخر) لكن حدوثها يبين غموض بيك الذي يبين لنا أنه متمكن من حجب الأبتذال كما انه متمكن من ستر دقة وعمق التفكير بالأشياء. وظهور الصيغ المبتذلة يأتي مصادفة، كما في ( جوهرة الهند) :صب شاي المساء الأخير متقد كالعنبر القاتم
يبث الروح في جوهرة الهند
أو التبسيطات الشديدة التي تؤدي الى تشوية المعنى مثل :
لو أنهم عرفوا حقاً ما هوالتاريخ،
برغم أنهم غارقون فيه حتى اعناقهم
لشعروا به، زورقاً ، تهادى ببرود
ولكن كم كان ذلك بارعاً؟ وكيف كنت أنا مراهناً
على فكرة يجب ان اكون ..
تعطي شعوراً غريباً إذ أن الشاعر يستيقظ من حالة الحلم ليوبخنا أو يوبخ نفسه. وعلى نحو متناقض ، قد يكون بيك أراد ان يستفيد من ذلك ليتلمس أسلوبه التعليمي طريقه إلى الهواء، كي يستطيع ان يتطور الى ما بعد نطاق الملاحظات السريعة والعابرة متفانياً في تشجيع منهج القصيدة الغنائية.
لم يكن التوافق في الحس الغنائي الراقي والغموض الشديد هو كل ما يشترك به بيك مع هارت كران. فشعر بيك يشبه شعر كران في أظهاره براعة شكلية متميزة. يتضح هذا المفهوم في أعمال بيك التي تركز فيما بعد على بعض القضايا المهمة بالنسبة للشعراء المعاصرين، إذ تخلق الصعوبة الشكلية واللغوية توافقاً غريباً جداً أكثر مما خلقته عبر فكر الحداثة الراقية. تقليدياً ، فالاصطلاحات الشعرية والشكلية كالوزن والقافية تضفي كثافة وغرابة على اللغة الاصطلاحية، فتجعلها يسيرة التذكر . فمن غير قافية ، كم مرة نعود إلى عبارة ” ايتها الريح الغربية، تهبين متى شئت، وهل بمقدور المطرة الخفيفة النزول؟ يا للعجب، لقد كان حبيبي بين ذراعي ، وأنا في فراشي مرة أخرى؟” فبالنسبة لموضوع كهذا، ومن دون هذا الوزن الرثائي المقلوب (ست ضربات في البيت الأول وخمس في البيت الثاني)، كم مرة علينا الرجوع الى هذا الترتيب، أو كيف يمكن ان يحفظ الناس هذا البيت بسهولة، كما في شعر باوند ” في محطة المترو؟” . على الرغم من ان اللغة في هذه القصائد كانت ممتعة للوهلة الأولى، ألا إنها بدت اعتيادية في الإلقاء وفي مستوى التكثيف؛ فعملية النمذجة الأصطلاحية للألحان ولأصوات القوافي يجعلها تستحق ان تردد مرات عدة وتقرأ باستمرار .
لكن لغة جون بيك تُفسر عادة على انها لغة اصطلاحية، غير أعتيادية، ومن الممكن ان تكون لغة شعرية لتوفرها على كثافة البنية التركيبية للمفردات وقربها من خاصية اللانفاذية. وبالتالي ما الذي يمكن ان تضيفه مهارة بيك الشكلية للعمل؟ ان الحاجة إلى فهم ما يجري ستكون المطلب الملح لهذه القصائد بالنسبة لمعظم القراء، وتكون قوافي بيك، في سبيل المثال، حاذقة، وأحياناً واضحة كما هي، لكنها تختفي بعيداً عن الأنظار خلال القراءات الخمس الأُول .. لتحثنا على ان نقرأها المرة تلو الأخرى، كما ان القافية تساعد على ذلك في “الريح الغربية”. وقد يكون المرء مآخوذاً بالتساؤل ، لماذا يجهد بيك نفسه بالشكل. أظن ان القوافي والأوزان تفيده كثيراً كما تفيد القارئ .. لقد أضافت البنية الشكلية الى بيك احساساً بالمباشرة كما لو انه يسافر في فضاءاتها مأهول بكثافة هائلة دون وعي تام. يبدو ان رحلة مذهلة مع نهج القوافي المحرمة لحد ما في قصيدة “رومانزا Romanza” (المتكونة من ستة عشر كلمة مقفاة بالصوت نفسه) ، لتكون القوة التي تقود الشاعر على نحو اعتباطي نوعاً ما أبتداءً من كلمة برغاندي Burgundyالى كلمة نشيد البحارةChantyفي المقطع التالي :
وجدت ذلك الجزء من بروفينس أو برغاندي
فيه الأشباح تهجر المسكن المغمور،
اتخذت عتبة الباب البيضاء موضعاً لها،
عشرون فرساً يعضون بشكيمة على فخذيها
وهي تنظف تلك السجادة في الداخل، فلا فضاء، ولا منظر،
سوى مساحة من لون ارجواني باهت
غيمة تستمطر حبات الرمال ـ فتقحمها
في أقصى الذاكرة حيث لا الكثرة تصنف هناك
ولا الندرة
لكن أنبعاث وصلصلة يتواصلان مع ارتفاع مرفقيها
في حين تتكتل كتفان صلبتان على معصميها
منهما ابتدأ كل شي ومهما كانت طريقة عمله
يُصب بتماسك قالب كوبالت ، كأنه أغنية بحارة
أو نشيد كورس. لكنه ليس له معنى الآن.
بل ربما فيما بعد فحسب .
هناك مقاطع شعرية أُخر في الكتاب، أعطت قافية وضربات شعرية باهرة تستحق البقاء في الذاكرة ، ويمكن ادمانها إلى حد ما، بحتمية بقاء القصائد الشكلية العظيمة في تراثنا. فكل قارئ يتمنى ان يجد مثال على ذلك:
عندما تقترب الأشياء المرعبة
للظفر بحياة الأنسان،
يبقى كنزها الدفين مبتغاي.
هذه فكرة الحياة ، حينئذ وليس سوقاً،
يعرض المقزز والمبهرج، الأستيرين والمرمر.
“نغم صامت في جواهر حلييها”
تشبه تماماً أله يستريح في بحر الحليب
بعيداً عن أحلام يقظته التي تروع العالم
والتي لا تشبه حينئذ أذرع جزيرة تُختَرَق
لتزول بعدها برشاقة
سلاماً …
ان قدرة هذه التراكيب المكثفة على البقاء في الذاكرة نادرة جداً في الشعر المعاصر، والحقيقة ان كتاب (أَم وقصائد أُخر) يضم مثل هذه المقاطع التي في مجموعها تجعلني اعده من الكتب القيمة جداً. إلا انها متفرقة بشكل متباعد عبر هذا الكتاب وكأنها حزمة ضوء في نفق وفي احيان كثيرة جداً ، تبدو قوافي بيك دقيقة واجتهادية كما هي دائماً ، إذ تمتلك القوة بكثافة لغتها أكثر مما تعمل بتناغم معها.
أما الوزن لدى بيك، فهو غالباً ما يمتاز بالمهارة، وأحياناً يبدو متسلطاً عبر صخب قوافي اللغة النثرية الشديد. لكن قوافي مثل قوافي بيك يمكنها ان تعمل بصمت لتعزز القصيدة الشعرية . اذ يستخدم بيك في “القصيدة العنوانية” أسلوب التفعيلة الخماسية ذات الوقع الشعري المؤثر. وهي في الواقع أكثر دكتيلية (الوزن الشعري الذي يتكون من مقطع طويل يتبعه مقطعين قصيرين) منها عمبقية (تفعيل أو بحر مؤلف من مقطع قصير يتبعه مقطع طويل أو من مقطع غير مشدد النطق يتبعه مقطع مشدد النطق) لأن الوزن الدكتيلي يتميز بالندرة في نظم القصائد الشعرية الجادة، ولأن بيك يميل الى الأرتكاز على المقاطع الأستهلالية غير المشددة لذلك يستخدم التفعيلات غير الأعتيادية مثل تفعيلة البيان paeanوقد تقرأ هذه الأبيات على انها من الشعر الحر بالنسبة للشخص غير الدارس. في الحقيقة ، تُقطع ابيات بيك على اساس الوزن الشعري. وهنا مثال على ذلك.
بثبات ومن دون شك، اخترقت الريح كل ما هو بهيج
كماشة جراح تجبر القلب بأصرار على الأتساع ، لينفتح
فمثل هذا الهواء لا ينعش جيشان العواطف،
الشلال ، أو الموج الغامر:
ويمكن ان يجري تقطيع المقطع الشعري السابق على حسب البيت المشدد الذي يحتوي خمس ضربات في البيت الواحد، لكن هذا لا يعني أقراراً ببراعة وانسجام الوزن. أن أفضل طريقة لخلق معنى للوزن (والقافية) في هذا المقطع يكمن في تقطيعه على أساس التفعيلة الخماسية الدكتيلية مع بعض الأصوات النغمية المعقدة التي تتكرر مع بعض التغيير البسيط. لقد أستخدم بيك كل الأساليب المعروفة لتنويع الوزن الدكتيلي ومنها ؛ استبداله بتفعيلة مؤلفة من مقطع طويل يتبعه مقطع قصير وتفعيلة ذات مقطعين طويلين كما في كلمة “كماشة forceps” وعبارة “يفتح القلب heart drew” التفعيلة النهائية المقطعة، كما في “بهيج joyأو ” موج surge ” والمقاطع الأستهلالية غير المشددة (ما أسميه انطلاقة متواصلة) كما في “يوازي along”. فضلاً عن ذلك، لم يقم بأستبدال التفعيلات الثلاثية المقطع الأخرى فقط (مثل ذلك الذي يكره السكر والعربدة كمثل الريح لا تُطعم شيئا). بل استبدل أيضاً التفعيلات ذات الخمسة مقاطع والأربعة مقاطع في بعض الأحيان (بثبات ومن دون steadily without ) و (تجبر أتساع fo”rcing wide the) .ان هذا التنوع في انخفاض التفعيلات يعزى الى تأثير علم العروض الذي يشبه الى حد كبير ذلك التنوع الموجود في القوافي الصاخبة في شعر هوبكنز، إذ يمتلك بيك سيطرة كبيرة على هذا الوزن ويستطيع الأستمرار فيه حتى في حالة التوافق مع الأسلوب والتركيبة النثرية ، كما في المقطع التالي :
عاشت في حقل قمح أبيها، ثمانية فقط
وكانت على وشك ان ترث نظارات اختها الكبرى
التي سلمتها لها عندما غادرت نيو هامبشير، حاولت
“آلفين” تبديد أهمية هذا الحلم.
الذي تراءت فيه موجة تترى في عمر ما بعد العمر
تعمل بهدوء بعيداً عن جوهر كل شيء
تذوي من خلال الستار وبعدها تخلق من جديد
تفاصيل آفلة من ذلك التتابع الرتيب ، غير أنه وجود
ان أحد اسباب المتعة في التوافق غير المألوف للأسلوب الشكلي واللغة التجريبية لدى بيك تكمن في تغاضيه عن القواعد المعاصرة التقليدية التي تجعل اللغة تبدو طبيعية أو شفافة. لا أظن ان شعراء أخرين غير أولئك الشعراء الموهوبين الذين ينحدرون من أصول عريقة، بأمكانهم التعاطي مع هذه الطرائق كاستخدام الألفاظ و الأساليب المهجورة أو القديمة في بناء الجملة وتركيبها، أو استخدام علامة التعجب في شعر بيك الذي يبدو متحمساً بشكل غير واعٍ لكنه مبهج في الوقت نفسه .. ليس لغرض تدمير اللغة او الانتقاص منها ، ولكن ببساطة لغرض الأفادة مما متاح فيها، فنجد ان هناك علامتي استفهام ضمن الأبيات الثمانية المتداخلة مع بعضها البعض في قصيدة واحدة، إذ وجود العبارة التي لا يمكن كبحها أو كبتها : ( المحال المكتظة crammed shopsو ملوث بالوحل smeared muddyوفي آرنو فيرينز! في مثال أخر. كما هو الحال بالنسبة لبناء الجملة إذ ينهمك بيك باستخدام نوع من الألفاظ أو الأساليب المهجورة التي يكتبها معلمو الشعر بشكل روتيني في محاولة لتعليمها لطلابهم بطريقة التكرار ابتداءً من (آه، لكن بعــــــدهاAh, but then ) إلى (صخور معبدة بليلٍ بليل paving stones night-wet ) وإلى (غامض بوميضه هو الليل gleamingly deep is night ) .
يبدو ان استعمال الألفاظ والأساليب المهجورة هذه يعد تعبيراً مناسباً عن الشمولية الغريبة في عالم بيك الذي قضى بعض الوقت في معالجة الأمراض النفسية.
يغريني القول بانه يبث الحياة على نحو غريب في الشخصيات التي يستوحيها من التاريخ والحلم والوهم الذي ينقل المشاعر المبهرة من خلال التجوال بين الأساليب القديمة المتراكمة في اللاوعي. يؤكد بيك غالباً على فكرة استخدام شخصيات منحدرة من منزلة عظيمة في العصور والأماكن، إذ يستحضر العديد من شخصيات منتصف القرن العشرين في اوربا، أمثال : ( شخص من تيرول : مقاطعة في غرب استراليا، و الغاسكوني ـ أحد ابناء غاسكونيا في جنوب غرب فرنسا و ورايتشر و هيرر دوكتور البروفيسور جانغ الذي ظهر في عصر سقراط، وبونابرت وفيشنو، ولم يذكر بارتلباي، تروتسكاي، شيخوف وأوغستين، لقد تضمن شعره الكثير من التلميحات الضمنية أو غير المباشرة للأحداث والحكايات والقصائد التي نسجت على أساسها قصائد أخرى كثيرة.
ان مثل هذه المعرفة الواسعة التي اكتسبها من مطالعاته الكثيرة جعلت شعره يمتاز برقة المصطلح المؤثر مع وجود شيء من الحداثة الراقية فيه، فيذكرنا بباوند الذي قام بأحياء ذكر شخصيات عديدة عاشت في عصور مختلفة. على ان حالة التلميح والألماع لدى بيك كانت جادة في الغالب ، غير متطفلة، والإحالات تبدو جزءاً حقيقياً من النسيج الشعري للقصيدة. يتناقض مع بعض الشعراء المعاصرين الذين نجد تلميحاتهم الفكرية متشعبة الجوانب حتى انها تبدو مصطنعة وقسرية، فعلى الرغم من ذلك، تبدو أنواع التلميحات لدى بيك مملة ، فهو لا يتحاشى تماماً خطورة حكم النخبة والأنغماس في الذاتية. ان التفكير ثانية بتجربته في معالجة الأمراض النفسية، أود الأشارة الى ان ذلك هو معتقد بيك في التدفق غير المصطنع والمتراكم في اللاوعي الجمعي في عقولنا الذاتية وبعيداً عنها ـ أكثر مما هو رغبة باوند في الدفاع عن التدفق الذي يشجعه على استخدام التلميح بشكل واسع وغير ملفق. يتناسب هذا النهج مع الطريقة التي ينظم بها بيك استخدام المعنى واختيار الكلمات والوزن والقافية. ان هذه الجوانب كلها مجتمهة في ديوان بيك ” أم وقصائد أخر” تشبه موجات تتهادى من بحر ـ إذ بالأمكان رؤية جزء منها ولا يمكن رؤية الجزء الأخر ، ولكن يسهم كل منها في تكوين صوت في همهة البحر، فبالنسبة لمحلل نفساني، ينسجم البحر لديه مع اللاوعي في جميع جوانبة، ولو كان ديوان “أم وقصائد أخر” يتحدث من منطلق اللاوعي. فسيكون سجلاً حافلاً بالذكريات بأقل من غفوة حالمة، غير انها ملئى تماماً بالحالة الإيحائية ، فبنصف يقظة وزمن مضبب يحيط بالأغفاءة نكون قادرين عندئذ على ان نفز من غفوتنا، تنورنا الصور القديمة والأفكار المفاجئة.
المصدر: مجلة “أجني” 1998
























