بين الثقافة والسياسة

بين الثقافة والسياسة

 

 

منذ بدء الحضارات الأولى كان المثقفون والفلاسفة عرضة لاضطهاد السلطات والحكام المستبدين وقد وصل الاضطهاد أحياناً حد الموت مثلما كان حال بعض فلاسفة اليونان كسقراط الذي حكم عليه بالإعدام بسبب أرائه السياسية واستمر اضطهاد المثقفين والعلماء في كل العصور ويذكر لنا تاريخنا العربي الإسلامي الكثير من الحوادث التي راح ضحيتها العلماء والمفكرين والإصلاحيين بسبب أرائهم وأفكارهم التي كانت تشكل خطراً على السلطات الحاكمة ومن هؤلاء الحلاج والطبري والجاحظ ومن مثقفينا المتأخرين الجواهري ود.علي الوردي ومضفر النواب ود.سعدي يونس ومئات من الأكاديميين والفنانين والكتاب غيرهم واستمرت مثل هذه الأمور حتى أيامنا هذه التي أصبح فيها اقصاء الحكام المستبدين للمثقفين والعلماء الذين تتعارض أرائهم وطروحاتهم مع نظام الحكم سمات الحكومات المستبدة التي أصبحت تتفنن في أساليب إيذائهم فمن السجن والمطاردة إلى النفي والإبعاد والتشريد والى التعذيب والقتل ومع ذلك ظل المثقفون وخصوصا السياسيين منهم يتصدون للسلطات المتجبرة مدافعين عن حقوقهم وحقوق شعوبهم ومطالبين بتحقيق العدالة والحرية فكانوا في طليعة كل حركة وثورة تحررية أو أصلاحية .

 

ويسجل التاريخ دور المثقفين البارز في أعظم ثورتين في أوربا ضد ظلم الحكام المستبدين أولهما الثورة الفرنسية عام 1789م التي كان للعامل الثقافي والفكري الذي تبناه فولتير في خطاباته المشهورة وقبله منتيسكيو وجان جاك روسو الأثر الكبير في التحضير للثورة وتعبية الرأي العام للمطالبة بتحقيق العدالة وإصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والسياسية وإنجاح الثورة وثانيهما الثورة البلشفية عام 1917م التي قادها لينين ضد الحكم القيصًري في روسيا , فلينين كان مثقفا وكاتبا ومفكرا قبل أن يكون ثائراً فقد كتب العديد من المقالات ضد حكم القيصر وألف العديد من الكتب وطرح نظرياته المعروفة في الاقتصاد والاشتراكية قبل أن ينظم إلى حزب العمل الديمقراطي الروسي ويقود ثورة أكتوبر ويقضي على الحكم القيصري في روسيا ويبدأ تحت قيادته عهد الاتحاد السوفيتي القطب الشيوعي الاشتراكي في مواجهة القطب الرأسمالي . لقد اضطرت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها من دول أوربا في القرون الثلاث التي سبقت القرن العشرين الكثير من المثقفين لدخول عالم السياسة لإنقاذ شعوبهم من القهر والظلم والاستبداد ساعدهم في ذلك وجود قاعدة شعبية تتطلع للتخلص من التخلف والبؤس وتحقيق الحرية يقودها سياسيون محنكون يمتلكون الخبرة والتجربة والمواهب القيادية ناهيك عن ثقافتهم ومؤهلاتهم الأكاديمية وينطبق هذا إلى حد مقبول مع حال مثقفينا في فترة الاحتلال البريطاني والعهد الملكي فالعديد منهم كانوا أقطابا في الأحزاب والحركات السياسية التي طالما تصدت للاحتلال وحكومات العهد الملكي وكان لهم اليد الطولى في كل ثورة ووثبة وحركة وتظاهرة.

 

إن الذي دفعني لذكر هذه الأمثلة هو حال مثقفينا وسياسيينا بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 حيث ضجت الساحة السياسية العراقية بالعديد من الأحزاب والكتل والتيارات بعضها دينية وأخرى علمانية وثالثة ليبرالية وغيرها قومية ومذهبية كما ضجت الساحة بآلاف مؤلفة من السياسيين اغلبهم وجد نفسه صدفة في عالم السياسة فاستهواه بريقها ومنافعها وانزوى مثقفونا عن الساحة السياسية التي كانت لهم فيها صولات وجولات تاركين فراغاً كبيراً لم يستطع سياسيو المرحلة الحالية وأشباه المثقفين من إشغال ولوحيز صغير منه. انزوى مثقفونا بعد أن أصبحت السياسة فن الكذب والمراوغة والتزلف والانتهازية والغدر والتزوير والفساد والسرقة والمحسوبية والمنسوبية ليحافظوا على كنوزهم الثقافية وعلى مهنيتهم وبياض وجوههم. ولنتسائل ألان ماهي علاقة سياسيو المرحلة الحالية بالثقافة ؟وكم من سياسيينا من يمتلك الحدود المقبولة من الثقافة والمعرفة ؟ والجواب إن اغلب السياسيين لايمتلكون ذلك . ثم ماذا تنفعهم الثقافة وماحاجتهم إليها إذا كان همهم الوصول إلى المنصب والكرسي للحصول على المنافع الشخصية لهم ولعوائلهم ومقربيهم ومن ثم أحزابهم .ولتذهب الثقافة إلى الجحيم لأنها لاتوفر لهم رصيداً في البنوك ولاعقارات داخل وخارج الوطن ولاشركات ولا ميليشيات لحمايتهم فلماذا يشغلون أنفسهم بأمور لاتوفر لهم كل هذه النعم.

 

وبالمقابل هل يغامر المثقف ويزج نفسه في عالم السياسة وعالم الديمقراطية التي جاء بها الاحتلال؟ إن بعض المثقفين استهوتهم هذه الحالة ودخل عالم السياسة لإثبات حضوره في الساحة الثقافية أو للحصول على بعض الاستحقاقات التي لايمكن الوصول إليها دون الدخول إلى عالم السياسة أو على الأقل للحصول على الاستحقاق الوظيفي الذي أصبح مشكلة جميع العراقيين فالوظيفة والعمل بعد سنين طويلة من الدراسة والتعب والمعاناة أصبحت حقوقاً مكتسبة للأحزاب السياسية وليست حقاً للمواطنين فهذه الأحزاب تسيطر على كل المشاهد وبضمنها المشهد الثقافي فلاجدوى من المؤهل العلمي أو الأكاديمي ولا الخبرة ولا التجربة ولا الكفاءة إن لم تستند إلى حزب أو كتلة تؤمن لك أفضل الوظائف بسهولة ويسر ومع هذا كله فان الكثير من المثقفين يعزفون عن طرق باب الأحزاب ويفضلون التهميش والإقصاء على التفريط بتاريخهم ومكانتهم الثقافية .

 

ولكن إلى متى تبقى الأمور على هذه الحالة فالوطن حالياً لايحتاج إلى مثقفين سياسيين بل يحتاج الى سياسيين مثقفين .نعم فبلدنا في ظروفه الحالية الحرجة وأوضاعه الأمنية المضطربة أحوج ما يكون إلى سياسيين مثقفين متنورين ينظرون إلى الوطن والمواطنين بجميع أطيافهم القومية والدينية والمذهبية بعين واحدة واضعين مصلحة الوطن والشعب فوق المصلحة الشخصية والحزبية يعرفون معنى السياسة وفنها وقيمة الثقافة وأثرها ويدركون حاجات المواطن الأساسية ويعرفون كيف تجتاز المصاعب والمحن وتذل وكيف تتجاوز الاختلافات وتحل بغية الوصول بالوطن إلى بر الأمان ومن ثم اللحاق بشعوب المنطقة وبلدانها التي سبقتنا بمئات السنين ونحن نتفوق عليها بالثروات الطبيعية والبشرية وبالخبرات والإمكانيات وهم لا يتفوقون علينا إلا بشي واحد هو الإخلاص لوطنهم وشعبهم والتضحية في سبيل إسعاده وإعلاء شأنه.