عة للوطن..!!
المغرب وإجراءات الحداثة في العملية الديمقراطية
محمود صالح الكروي
أقدم المغرب مؤخرا على خطوة جديدة وجريئة ومتميزة في الرؤية والفهم السياسي لمفهوم الديمقراطية والانتقال الديمقراطي تمثلت بأعادة هيكلة الحقل الديني، والذي تمثل بإصدار نص تشريعي بظهير ملكي (مرسوم ) تضمن منعا صريحا للقيمين الدينيين، من أئمة ووعاظ وخطباء، من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية . من خلال قراءة المفردات والأفكار التي تضمنها الظهير الملكي ( المرسوم ) يتضح ، ان الملك محمد السادس قد مارس دوره بذكاء ورؤية سديدة من أجل الأرتقاء بالسياسة لكي تأخذ دورها في الممارسة الديمقراطية بشكل سليم وأكثر أستقلالية من جهة ، ومن أجل ضمان أستمرارية المستقبل للنظام الملكي من خلال توظيف وتكريس البعد الديني الذي يشكل أحد عناصر قوة النظم السياسية التي تعاقبت على الحكم في المغرب منذ عهد الادارسة وحتى يومنا هذا ، اذ ليس في المغرب تعدد ديني أو طائفي أو تعدد مذهبي ، فالمغاربة مسلمون على المذهب المالكي .لذلك يأتي أقدام الملك محمد السادس على أصدار الظهير في سياق التحسب العالي لمواجهة تحديات وتوجهات التيارات الاسلامية على اختلافها بما فيها المتشددة التي ابانت عن نتائجها ماسمي بثورات الربيع العربي منذ 2011 وحتى الآن ، ومن أجل حماية أمن المغرب ووحدته الوطنية واستقراره السياسي، فضلا عن ان اصدار الظهير جاء ليؤسس وبشكل غير قابل للتأويل لآلية جديدة في تحديد مهمات العاملين في الحقل الديني ( أئمة ووعاظ وخطباء ) وعدم السماح لهم بممارسة اي نشاط سياسي أونقابي ، أو اتخاذ موقف يكتسي صبغة سياسية او نقابية ، أو القيام بأي عمل من شأنه وقف أو عرقلة اداء الشعائر الدينية ، بغية تحديد وتنظيم الوظيفة والمهام للعاملين في المجال الديني من اجل المحافظة على ثوابت الامة وبناء مجتمع متمسك بمقوماته الروحية ، ومنفتح على روح العصر بعيدا عن كل تعصب او تطرف ، هذا من جهة ، ولقطع الطريق على من يريد استثمار هذا المجال في خلق الفتنة والفرقة داخل المجتمع المغربي أو لتوظيفه لتحقيق تطلعاته السياسية من جهة أخرى، لذلك فأن
1
مفردات هذا الظهير تمثل وعيا متقدما واجراء غير مسبوق على مستوى النظم السياسية العربية في أطار تنقية العمل السياسي وتعزيز المنهج الديمقراطي . كما أن مسألة الدين بالنسبة للمغاربة ليست مطروحة كشيء يمزق الهوية ، لأن المغرب دولة وعت ذاتها من خلال وصول الاسلام اليها ، وآمنت بتعاليمه طوال أربعة عشر قرنا ايمانا عقليا ، فأمتزجت به وأمتزج بها حتى صار الاسلام بالنسبة الى الانسان المغربي على مر العصور ليس عقيدة روحية فحسب ، بل مفهوما وطنيا وقوميا وأقتصاديا وأجتماعيا . لذلك فأن الدين في المغرب كان ومازال شرط من شروط الوجود . معنى ذلك ان البعد التاريخي لمكانة الدين في النظام السياسي المغربي متجذر في التاريخ المغربي . ازاء ذلك ، فالاسلام في المغرب يمثل ابرز الثوابت التي تضفي الشرعية الدينية على الملك بكونه أمير المؤمنين ، كونه من سلالة شريفة ترجع في نسبها الى الامام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، هذا النسب الشريف الذي أصبح يمثل في المغرب جوهر كل مشروعية سياسية ، وبهذا نجد ان الملك المغربي يستند الى شرعيته الدينية والتاريخية في ادارة شؤون الحكم . .. وبهذا الظهير أراد الملك محمد السادس أن يؤكد مجدداا على ان الدين الاسلامي في المغرب لايمكن ان يكون محل حيازة لأحد ، لأنه دين الدولة طبقا للارث التاريخي والدستور.اذ ينص الفصل الثالث من الدستور على أن ( الاسلام دين الدولة ، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية ) .
كما ان البعد الديني للملك حاضر في النص الدستوري الفصل 19 من الدستور الذي ينص بأن:( الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة وأستمراها ، وهو حامي حمى الدين والساهر على أحترام الدستور ، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات . وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حقوقها الحقة ).
وهذا النص الدستوري أصبح لاخلاف عليه من قبل جميع الأحزاب السياسية العاملة في الساحة السياسية المغربية على أختلاف توجهاتها ومشاربها ، بما فيها أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان، والتي هي معارضة للحكومة وليس معارضة لشخص الملك ، هذه الاحزاب بعد تراكم تجربتها السياسية الطويلة سواء في المعارضة ام الحكم ، أقرت بقبولها بمركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي وأنفراد .
2
الملك بالسلطة الدينية في المملكة ، علما ان المغرب من أوائل الدول العربية التي أقرت التعددية الحزبية منذ أول دستور سنة 1962 ، والعملية الديمقراطية والانتخابات والبرلمان ( منذ 1963 ) قد أظهرت قدرا كبيرا من المرونة والواقعية ، ومثلت منهجا أيجابيا أسهم في حفظ التوازن بين الدولة والمجتمع . والتجربة التاريخية في المغرب خير شاهد على ذلك ، والتي توجت بأقرار مسألة التناوب على السلطة منذ 14/ 3/ 1998 ، والتي يتصدر موقع الوزير الاول ( رئيس الحكومة ) فيها حاليا عبدالاله بن كيران عن حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الاسلامي المعتدل ، حتى وان سجلت عملية الانتقال الديمقراطي ملاحظات عن مركزة السلطة على مستوى الملك وبالمحصلة ، يمكن القول ، أن الظهير الجديد بمخزونه الفكري والقانوني يشكل تكريسا للحداثة في الميدان الديمقراطي، ويتجلى ذلك في الفصل النهائي للدين عن الممارسة السياسية وبالعكس ، ويؤسس لوعي جديد في الحياة السياسية والثقافية المغربية ، ينبغي المحافظة عليه ، وهذا يتطلب أن يرافق ذلك حملة ثقافية تشترك فيها الاحزاب السياسية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني ووسائل الاعلام على تنوعها من اجل الارتقاء بالثقافة الديمقراطية. وبذلك يكون القرار التاريخي الجريء للملك محمد السادس قد سجل أنتقالة نوعية وفكرية وحضورا متميزا في هذا المجال من خلال المحافظة على الاستمرارية التاريخية لدور العامل الديني في المغرب بعيدا عن التوظيف السياسي ( فصل الدين عن السياسة ) في حياة الدولة والمجتمع المغربي وتحصينه من الاخطار التي باتت تشكل تهديدا للنظم السياسية العربية والاسلامية بما فيها المغرب .
























