قراءة في كتاب عبدالمجيد لطفي وذاكرة الثقافة

الثروة في تجمع التجارب والأحزان

 

قراءة في كتاب عبدالمجيد لطفي وذاكرة الثقافة

 

علوان السلمان

 

 

لقد شهد الادب العربي بكل مفاصله اضافات خلاقة اسهمت في نسجها انامل مبدعين مورد وكان لها الدور التاريخي والحضور المؤثر في الثقافة العربية بكل مكوناتها عموما والادب خصوصا مما دفع في تطورها ونهضتها..

 

 

ويشكل عبدالمجيد لطفي العراقي الهوية ـ الكردي القومية..الشاعر والقاص والروائب والمقالي احد اولئك الذين سجلوا حضورهم في ميدان الثقافة والادب والحياة الاجتماعية في عصرها الحديث.. والذي كانت محطته الاولى مدينة خانقين 1905 وضفاف نهر الوند.فبغداد التي اكمل فيها دراسته الاعدادية..بعدها تنقل في اكثر من محطة كموظف بسيط يعاني العوز بسبب توجهاته الفكرية والسياسية التي انطلقت فلسفتها من (الواقع الاجتماعي يولد الوعي الاجتماعي)..فكان مدافعا عن حقوق الطبقات المسحوقة التي عاش معاناتها..وهذا انعكس في اعماله الابداعية التي توزعت ما بين فنون الادب(شعر/قصة/رواية/مسرحية/مقالة..) وفي كل هذه الفنون كان مبدعا مؤثرا يكاد يضارع قمما عاصرها كذنون ايوب وجعفر الخليلي…. حتى ان هنالك من عده رائدا ومبشرا في الحداثة..وروايته(الرجال تبكي الصمت)1969.شكلت نقطة تحول في السردية العراقية كونها تتعاطف مع الانسان المعذب وترسك تطلعاته..وقد وصفها الروائي غائب طعمة فرمان بانها(رواية عراقية حد النخاع تشهد لكاتبها اصالة نادرة ووفاء قل مثيله لقضايا الانسان العراقي بخاصة ولقيمه وتقاليده..)..وله ايضا رواية(نبوءة العراف الغجري) التي ترجمها الى الكردية شكور مصطفى..فضلا عن كتابه النقدي(نظرات في الادب الكردي) بالاشتراك مع عبدالسلام حلمي..وقد كانت الغاية منه تعريف المتلقي العربي بالشعر الكوردي..وله اضافة الى ذلك لرواية كان هو بطلها (ايام تستحق الذكر)..يقول عنها المطبعي(هي امتع ما كتب لطفي من مشاعر واحساس انساني وخيال جميل وبراعة في وصف يومياته في الريف وتصوير جنينه الى نهر الوند..

 

اما في مجال الفصة القصيرة فيعد من الرواد الذين رسموا بدايتها الفنية(محمود احمد السيد وذنون ايوب وجعفر الخليلي وعبدالمجيد لطفي…..)اذ كانوا صوتا اعلاميا هادرا بنقل مشاعر الوجود الانساني وصدى احواله الاجتماعية ومعاناته وطموحاته..

 

   وقد اصدر لطفي مجموعته القصصية الاولى (في الطريق)عام 1958 وتلتها (الجذوة والريح)عام 1969..اما في الشعر الذي تميز بجديته وتجاوزه فقد كتب في قصيدة النثر وكتب الرباعيات التي تتعدد فيها الاسطر وتتنوع القوافي وتتسم بالتركيز والتاملات الروحية والفلسفية وعذابات الانسان كما في (خمريات المتصوفة) التي عبر فيها عن فلسفته العرفانية.. وله (تصابي الكلمات)1971و(خليج المرجان)1984..اما في المجال المسرحي فله(خاتمة موسيقار)1941 و(حجة النهار)1970..وله في الترجمة(قلب الام)قصص مترجمة عن التركية 1936.. كل هذا دعا الروائي غائب طعمة فرمان يقول(ستبقى كتبه ذات نكهة خاصة هي نكهة الاصالة الواقعية..)..كونها تكشف عن مثقف عضوي فاعل على حد تعبير غرامشي الايطالي…فضلا عما كتبه الدكتور نجاح هادي كبة وحصره بين دفتي كتابه(عبدالمجيد لطفي وذاكرة الثقافة العراقية) الذي اسهمت دار الثقافة والنشر الكوردية/2013 في نشره وانتشاره..والذي اشتمل على استهلال تعريفي(ياتي هذا الكتاب عن القاص والشاعر والمقالي والمفكر عبدالمجيد لطفي اكمالا لما كتبته عنه في كتابي المتواضع (عبدالمجيد لطفي كاتبا وقاصا)..وفيه يدون ما اختزنته الذاكرة العراقية عن القاص في مواقفه الوطنية والانسانية والقومية والادبية زيادة على جمال المكان(خانقين) ونهرها الوند..

 

بعد هذا يعرج الكاتب على الذاكرة العراقية التي تختزن الكثير عن سيرة لطفي المعبأة بهموم مجتمعه التي وثقها عبر نصوصه السردية التي تكشف لنا عن قاص انتقادي اجتماعي اسوة بزملائه من جيل الرواد في زمن صعب ولاسيما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية..لذا فالكاتب يقسم الذاكرة الى قسمين متداخلين :اولهما ذاكرة خاصة تقترن بالهويه والمراحل الحياتية وثانيهما ذاكرة عامة عكست المشهد العراقي وموقفه من المتغيرات السياسية والتزامه المبدأ المنحاز الى الطبقات المسحوقة..وابتعاده عن السلطة ورجالاتها..وبدوره يقسم هذه الذاكرة الى :الذاكرة الاسلامية والكشف عن خلفيته الدينية ودراسته في التكية النقشبندية واثرها في تكوينه الفكري والروحي.. والذاكرة القومية.انطلاقا من قول لطفي ان الدين والقومية مديآن اساسيان في حياة الامم والشعوب..فالذاكرة السياسية وترحيبه بثورة تمز1958 عبر(انشودة تموز)..وفصله من الوظيفة كمدير ديوان وزارة المالية عام 1963 مع عبدالجبار عبدالله وعلي جواد الطاهر ونوري جعفر ومهدي المخزومي بسبب ميولهم الماركسية..ومن ثم يعرج على الذاكرة الادبية التي تجعل منه رائدا من رواد القصة العراقية التي تجاوزت زمنها الابداعي بعد ان كانت على شكل مقامات كمقامات ابي الثناء الالوسي وابراهيم المويلحي فضلا عن انها كانت ذات مضامين اجتماعية (سطحية فنا ومضمونا) على حد تعبير الدكتور عبدالاله احمد..بعدها ينتقل الكاتب الى شعرية لطفي وميله الى فكرة الشعر الحر انطلاقا من (تصابي الكلمات) الشعر المنثور المتحرر من الوزن والقافية والمكتنز بعاطفة جياشة..فكتابته للرباعيات التي تعد في عصرها اسلوبا شعريا مستحدثا حاول اصحابه الخروج عن نمطية القصيدة العمودية اذ فيها تنتظم كل رباعية من اربعة اشطر تتحد فيها القافية وتلتزم وزنا واحدا كما في قوله..

 

اخفقي بين ذراعي للهــــوى

 

       خفقة حرى ستبقى خالـــدة

 

وانظريني ان من هذا النوى

 

لي جروحا في فؤادي كامدة

 

واقرئي الالام فالدمـــع روى

 

       خبرا مــــن لوعتي ياجاحدة

 

ثم ينتقل الى الذاكرة الثقافية اذ امتلاك لطفي ثقافة موسوعية انعكست على شعره ونثره وجعلته ذا حضور متميز..كونه كان متيز بحس ثقافي ـ اجتماعي زيادة على حسه الادبي ـ الابداعي..ويشهد على ذلك نصوصه الشعرية..

 

نسينا الصدق في القول

 

     وما قيل عن الصدق

 

فان الصـــــــدق قد بان

 

       قميصا واسع الشق

 

بعدها ينتقل الى الذاكرة الوطنية وما كتبه من مقالات متميزة في النقد السياسي والاجتماعي التي دعت الكثيرين من المثقفين والسياسيين تتابعها وكان عبدالكريم قاسم اولهم حتى انه قال عنه(هذا كاتب حر ومناضل وطني)..   اما فيما يتعلق بالالتزام السياسي والوطني فقد كشف الكاتب عن شخصية انسانية ملامسة لشغاف قلوب مجتمعه بريشة قلمه الابداعي من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية..لذا فهو يقول(انا لست من حملة الشهادات العليا ولا من شاغلي المناصب اللامعة..

 

لان طريق حياتي هي التي بنت ظروفها..لكن ثرواتي الادبية كانت في تجمع التجارب والاحزان والانكسارات والانتصارات مع الشعب الذي احببته.. ولا انكر انه بادلني الحب في قطاع عريض وكان معي خلال رحلة العمر المثقلة بما حملت طوعا او كرها..)   واخيرا يقدم قراءة نقدية لروايته(فتحة اخرى للشمس)كنسق اجتماعي انساني تعالج مشكلة المشكلات الا وهي مشكلة السكن..فاشارة الى ما لم يجمع من تراثه الشعري والنثري..   وبذلك قدم الدكتور نجاح هادي كبة كتابا مميزا اغنى المكتبة الانسانية بمحتوياته.. عن مبدع حصل على وسام التميز بورود اسمه في الموسوعة البريطانية والروسية على انه احد اعمدة الثقافة والادب في العراق..ا ذ منحته جامعة اوكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية لما قدمه للانسانية من عطاء ادبي وفكري.. فضلا عن ان نتاجه الادبي الواقعي جعل احد النقاد الروس يقول عنه بعد رحيله عام 1992 (لقد مات غوركي العراق).