مواضيــــــع للحــــــوار – 5 –

مواضيــــــع للحــــــوار    – 5 –

 

(الحَنْفَشَـــــة) في الخطاب السياسي

 

سليـــم الـــوردي

 

الحِنْفِش والحِنفيش (جمعها حنافش وحنافيش) : افعى عظيمة، ضخمة الرأس، رقيقة العنق، اذا غضبت انتفخ وريدها. والويل عندها لمن يكون ضحية لها سواء من الانسان او الحيوان.

 

 اشتق كلمة ” الحَنْفَشَـــــة ” منها لإوظفها في توصيف لغة الخطاب السائد في المشهد السياسي الراهن، سواء المكتوب منها او المنطوق. وانحسرت الى وراء لغة الحوار مخليه مسرح الاحداث للغة السجال ” المَحنْفِش “. وعندما اقول لغة الحوار فإنّي اقصد لغة المعرفة والمراجعة والتفاهم، لا غالب فيها ولا مغلوب، خلاف لغة السجال القائمة على التغالب، وفيها منتصر ومندحر. ولهذا اقول : رجال المعرفة يتحاورون، ورجال السياسة يتساجلون. رجال الفكر والمعرفة يتوخون الوصول الى الحقيقة العلمية او الدنّو منها، وهذا يتطلب منهم التعاون والمراجعة. اما رجال السياسة فإنهم يسعون لبلوغ السلطة، فإذا ما بلغوها تمسّكوا به ونافحوا عنها بكل الوسائل المتاحة لهم بصرف النظر إن كانت منصفة او غير منصفة. فالحقائق” بين مزدوجتين ” لا تحكمها عندهم بالضرورة المعايير المعرفية، فهي في الغالب ” حقائق ” برغماتية وذرائعية وظرفية وتبريرية. رجال المعرفة يتعاملون مع الاحداث بوصفها وقائع تنير لهم طريق البحث في الظاهرة المعنية. فالعلم معني بالبحث في الظواهر، وليس في الوقائع الظرفية لذاتها. اما رجال السياسة فأهتمامهم ينصب على الحدث وتوظيفه لصالحهم، او على الاقل الحيلولة دون توظيفه ضدهم. فهم في حقيقة الامر في معركة دائمة، يستغرقها الهجوم حيناً والدفاع حينا ً آخر. وهو ما يحكم لغة السجال لدى السياسيين العراقيين. ولفت انتباهي ان الاكثر ” حَنفَشة ” في السجال يطلق عليه لقب ” مساجل شاطر “، وباللغة الشعبية المتداولة : ” اخو خيته “، فلا يعطي لخصمه مسكة، ينتهزها فيصرعه.

 

مبروك لفضائية “الجزيرة ” برنامجها ” الرائد ” : الاتجاه المعاكس، فقد حقق انتصاراً قل نظيره على المستوى العربي، بتسويقه وتسويغه لاسلوب ” الحنفشة ” في النقاش، وصولاً الى الاشتباك بالايدي. ودليل على ذلك ان العديد من الفضائيات العربية قد تأثرت بأسلوب ” الاتجاه المعاكس ” وصارت تجاريه في برامجها السياسية الحوارية. تابعت قبل سنوات برنامجاً حوارياً على فضائية ” الديموقراطية ” بين محاور عراقي وآخر سوري، وسرعان ما حما وطيس المعركة الكلامية بينهما، فضاق صدر المحاور العراقي، وانتصب واقفاً، ثم دار نحو خصمه السوري ليوجه له صفعة قوية على علبائه، سمع المشاهدون صوتها، وقطع البرنامج.

 

 يمثل هذا المنهج الاعلامي الغوغائي ظاهرة خطيرة من شأنها ان تمسخ الذائقة المعرفية للجمهور، وتشيع فيه الخلق العدواني والتهاتري والنرجسي والسادي.. الخ من الصفات الذميمة التي يمعن بعض السياسيين بغرسها فيه.

 

 اذا كان رجال السياسة ـ وهم يعدّون صفوة القوم ـ يسلكون على هذا النحو، فما بالك بالرجل الامّي وابن الشارع !… كيف نطلب منه ان يحترم السياسيين والسياسة وقد تحولت الى شاشة مكشوفة لاقتتال الديكة، ينقسم الجمهور بموجبها الى حزبين، يشجع كل منهما احد الديكين، يستثيره لينقضّ على خصمه ويمعن في هرشه ونتف ريشه ونقره من نحره امعاناً في الايذاء.

 

 اوجه كلامي هذا لمن يظهرون على شاشات الفضائيات متقمصين ابتداء لغة الحوار، ولكن سرعان ما يتحول الى سجال حادّ. واقول لهم إن كلمة استفزازية واحدة لم يعتن المتحدث في انتقائها، ولم يتأن في نطقها، قد يترتب عليها سيلاً من الدماء، عندما تمتد تداعياتها الى سائر الجمهور المتشبّع بروح ” الحنفشة ” التي غذاها فيه رجال الساسة.

 

 ايها المتحدثون :

 

 لا تنتفخن اوداجكم (الوَدَج : عرق في العنق ينتفخ عند الغضب) وانتم تتحدثون في الشأن السياسي… ولا تنكّلوا بخصومكم، ولا تستخفوا او تستهزأوا بهم. فالخصم قادر على ان يردّ بالمثل. ويحضرني شعر الإمام الشافعي حين يقول:

 

لسانك لا تذكر به عورة امرئ   فكلك عورات وللناس ألسنُ

 

 ان من اولى وظائف الديموقراطية، تربية الشعب على ثقافة احترام الآخر المختلف. ومن دون هذه الوظيفة تصبح الديموقراطية كجامع يفتقر الى مغسل للوضوء.

 

 يحسن برجال السياسة ان يربّوا الناس على هذا الإستحقاق الجوهري للنظام الديموقراطي. وهو ما يتطلب منهم ان يبتعدوا عن اسلوب ” الحنفشة ” في خطابهم، وان يغلّبوا لغة الحوار على لغة السجال.