فائز الشرع بين التزامية الخطاب وخلخلة التصنيف

فائز الشرع بين التزامية الخطاب وخلخلة التصنيف
رؤى متضاربة الاتجاه الدلالي
حيدر عبد الرضا
ان المتلقي لعوالم شعرية قصيدة فائز الشرع تستوقف أفق قراءته وحدسه وذائقته ثمة اشارات عديدة في علامات أفق انتظار تلقيه لنص هذا الشاعر. فمثلا هناك مستويات غريبة ومختلفة في تحولات الخطاب الدلالي في أفعاله ودواله والى حد وصول الأمر بالخطاب الشعري الموجه الى نقطة الانكسارية والخلخلة المدلولية والدلائلية، وبالتالي الى مرحلة الرؤيا المتضاربة في أتجاهات غير معلومة النتيجة والمضمون الوصفي وبطريقة لم نعهد لمثلها في كتابة الشروع الشكلي المتشكل في آفاق موضوعة ودلالات مساحة القصيدة. أقول هذا الكلام عبر هذه المقدمة من دراسة مقالنا لقصيدة
محطات في مدار الأكتمال وكلي أملا وأخلاصا على أن لا تكون هناك ثمة مقصدية انتقادية وانتقاصية ما من مستوى أسم الشاعر الدكتور فائز الشرع ومن مستوى بيئة قصيدته هذه. ولكن من جهة أخرى كل ما أود الأشارة اليه هو القول حسب بأن وظيفية التدليل كانت في قصيدة الشاعر تقع بموجب شرطيات غريبة التخطيط والنسق حيث كانت تحبذ أولا التزامية الخطاب قبل كل شيء. متجاهلا عزيزنا الشاعر الشرع مهام ومسؤولية توطيد القراءة والاجرائية المناسبة في صناعة وتوليد اشكال ومخططات دلالاته الشعرية وبشكل لائق وتقني داخل توزيعات المرسل الكلامي في خطاب النص. فعلى سبيل المثال نلاحظ بأن نموذجية طرح صورية الاشياء في موضوعة القصيدة قد جاءت على أساس من مرسلات مخيالية تقع داخل منظورات ذاتية فقط، حيث نراها يعوزها الحضور الدلالي المدروس كذلك المقصدية الواضحة والمحددة سالفا فنحن كقراء لقصيدة محطات في مدار الاكتمال لم نعاين هناك ثمة حكمة استجابية في محطات ما وراء تلك المقاطع الشعرية الأولى من صوت النص
غضب الهادي حين أرتسمت
فيه عيوني
والخريطة انفرطت هربا من
بين يدي
قالت
لا تنتظر رحمة
لن أرسم النرجس فوق
قشرتي.
أن المتلقي لهذه الأجزاء الأولى لربما يراوده شعور بأن هذا الفصل من النص ما هو ألا محطة أسلوبية من هامش تحققات أدوات موضوعة شائكة التواصل والتوصيل الأدائي. غير أننا ونحن نطالع جملة غضب الهادي حين أرتسمت فيه عيوني لا نتوجس بأن هناك ثمة صلة دالة ما بين دليل عنونة القصيدة وبين هذا الموجه التصديري الأول من الخطاب، ولكن من جهة ما لربما هناك مشاكل في توجهات هوية دليل النص الأول من القول الشعري ازاء فحوى تلك العنونة المشفرة، أو لربما هناك امتداد مفتوح في الكلام المرسل وعلى نحو يصعب على القارىء حصره حينا في القصيدة ومنذ البدء. وتبعا لهذا سوف نتابع استعراض مقاطع أخرى من النص نفسه.
لعل قصيدة الشاعربهذه المقاطع تحمل ثمة حضورا وصوتا موحيا الى ساحات نائية من تمدن الوصف المتشابه والأختلاف مع دور المسميات في النص. بيد أننا لاحظنا من جهة بأن هذه الموجة من صوت وايحاء هذه المقاطع ما يقودنا من خلالها الى انشاء استعارات وقابليات صورية تترشح في ذاتها لتجتاز لغة ما هو مباشر ويومي. وتبعا لهذا الكلام سوف نقارن ونعاين بما تحمله تلك المقاطع من مصادر ومصدرية واصوات واشارات. يقول الشاعر مثلا في قول هذه المقاطع أوصد ساحله من دوني ان طبيعة هذه الجملة تبدو قد جاءت بموجب مصاحبات ظرفية واستعارية محملة بأحتمالات علاقة المرسل»الآخر»المرسل اليه وهذه الصلة التوافقية في طبيعة ضمائرية وفعلية هذه الجملة راحت تكون لمدلولها والذي هو مكرس بجملة من دوني والقارىء لها يلاحظ ثمة تقاربات مرجعية خاصة حيث أخذت تتآلف ووظيفة دال أوصد والى حد صارت قيمة هذا الدال مرتبطة بضمير الفعاليات الايعازية المكرسة بمهام آلية النوع التواصلي والايصالي بمهام مدلول من دوني . غير ان هذا المدلول لربما هو أحيانا دون وظيفة المدلول الأساس من الجملة الشعرية، ألا أنه في الوقت نفسه راح يحتل لذاته موقعية المدلول الوصفي في تركيبة العبارة أو الجملة القولية. في حين نرى ان لفظة ساحله لم يتسنى لها ذلك الدور التعزيزي في هامش العبارة الظرفية والفعلية من الجملة ذاتها، اللهم ألا بحدود الجملة اللاحقة من المقطعية الأخرى حيث تتضح صوريتها وموقعيتها مع هذه الجملة أوصى أن يذبحني ماءه . ان تمظهرات التدليل هنا هي متاتية من مجال خطابي رصين يقع على مبدأ المشبه»المشبه به ولكن أيضا ضمن مؤشرات جزء آخر من فضاء مغايرة التدليل والدليل السيميائي. والمتعدد هنا في الظاهر وفي مقاطع القصيدة الظاهرة، هو ذلك التزاوج التزامني القادم من ملاءمة الاشكال والقيم الاستجابية المنصوصة في بنيات الدوال أوصى.. أوصد»يذبحني.. ماءه»محيطات.. ساحله»العالم.. رقصا»نغمته.. الغل»جبال.. الأرض»قلادتها.. من دوني . على هذا الشكل الاختلافي والمتشابه في المعنى والصورة والبؤرة أخذت تتلاحم محصلة تأويلية تصويرات الخطاب في القصيدة وعلى نحو تشكيلي مغاير الحدود والموضوعة والدليل.
ان الخطاب الشعري في قصيدة الشاعر لا يمكن أختراق معنى دواله وشفرة قوله الوصفي ألا من جانب حدود الفاعل القرائي وحدود جسد شبكة عتبات وحدات دلالة النص الايحائية. فمثلا نلاحظ تركيبة هذه الجملة أرخيت عن الصحو الغفلة ان هذا القول بدوره هو مصحوب بقيم علاماتية استعارية تتوغل لذاتها حيثيات صورية خاصة في دوال شفرة النص المقطعية، والى حد وصول الأمر الى شرطية المؤول فيها الى مرحلة التضافر مع منطقة التداخل في تفعيل الخطاب السياقي، فمثلا نشاهد أيضا ومن جهة أخرى بأن دال أرخت هو دلالة وأداة تلتقط رحم الاسترخاء والراحة في الاشياء، في حين نرى أن عبارة عن الصحو الغفلة تشير الى ملامح في التلقي تمتاز بكيانية عكسية من زمن اختراقية حالة موصوفية تدعم موجبات التأويل والتلقي في الصورة القولية وبشكل يدعم الانتاجية بحلقات خاصة من دلالات المستعار والايجاز وفي متن من الاختلافات والمتشابهات. كذلك الامر ينطبق على حالة جملة و رأيت أخي»يغري بي وجملة من بعت شبابي كي أحييه»تبرأ مني وعلى هذا الشكل تبدو سيمياء لعبة التضافر في المعنى تحتمل حدود خطاب شعري مخالف لنتيجة آليات الكناية التوصيفية وعمليات النتيجة المؤولة حيث تبقى في أكثر الأحوال بمثابة الخصوصية الانتاجية في مشفرات النص.
أمام وضع التلقي في هذه الموجهات في الدوال والوظائف القولية والفعلية في القصيدة هل يمكن لنا ولو قليلا تحديد محفزات وضبط المديات الخطابية والدلالية في النص ؟ الجواب لربما لا . وهذا الشيء يعود بدوره الى سبب من أن مساحات حرية القول في النص قد صارت تتعدى مرايا وحدة التلقي لمضمون كل تلك الأقوال والأحوال والصور والاستعارات في متن النص. أي بمعنى ان القارىء لقصيدة الشاعر لربما في نهاية المطاف لايدرك ولو للحظة واحدة عن ماذا كان موضوع النص وعن الشيء الذي يتحدث عنه الشاعر ؟ وما هو وجه التحفيز البؤري من وراء كل هذه الأمكانيات الشمولية الواصفة في النص ؟. أن قصيدة الشاعر وبأختصار شديد، هي قصيدة رائعة جدا في التزاميتها للخطاب وشواغل الدوال وتوظيف الصور الشعرية، ولكنها في الوقت نفسه لم نستدل من خلالها عن ثمة وظائف محددة لأقوالها السريعة، بيد أننا لاحظنا بأن هناك في النص ثمة مناطق فراغ وشاغرة من خارطة مجريات المدلول النهائي من طبيعة المضمون، بل أننا وجدنا القصيدة أحيانا وحتى حدود استشرافها الأخير هي مجرد خطاطة سعي وتخمين على سكة المتوغل في اللا تحديد والأنشغال الأحتمالي. وفي الختام أجدني ميالا الى القول بأن شعرية قصيدة محطات في مدار الاكتمال هي طاقة توليد متفردة في أنظمة المجاز والاستعارة والبلاغة الايحائية في سبيل بلوغ جمالية معينة في بناء الصور والشروط الشعرية، ولكنها في الوقت نفسه لا نجد لها ألا مرورا خاصا في فضاء المدلولات والمحددات التي هي منصبة في الشكل الشعري وليس في ثريا فعل التلقي المضموني الأخير وتبعا لهذا نرى بأن شكل الدلالات في القصيدة ليس لها من أتجاه محدد أو فاعلية مدلولية ذا صيغة ثابتة في انزياحات الخطاب الشعري في النص. وهكذا تبقى قصيدة المبدع فائز الشرع في نهاية المطاف محض مشهد حركي فادح في آفاق التزامية مؤشرات الخطاب الصوري الناجح، ولكنها في الوقت نفسه أيضا كان يعوزها ابراز مشهدية التوحد المدلولي المصنف ضمن أدوات التوصيف المحدد. أي بمعنى أكثر تحديدا أن قصيدة محطات في مدار الاكتمال وفي جميع أحوالها السياقية والشعرية والمرجعية هي أداة ورؤية في دلالات غير ممكنة التحديد والوضوح والمحور والبؤرة والقارىء لها أول وهلة لربما يغريه ويبهره جمالها اللغوي والخطابي ولكن عند عملية التدقيق القرائي والعيش في النص زمنا طويلا نكتشف بأن هناك ثمة ملابسات كبيرة ومتعددة من ناحية خاصية مدلولها وغياب مشروطية وجود ثمة معنى نهائي لأشتغالية وتحققات دوالها الأطلاقية نحو منطقة اللاتحديد ومنطقة خلخلة التصنيف الموصوفي الثابت في اجرائية الرؤية والأداة في القصيدة.
/6/2012 Issue 4217 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4217 التاريخ 4»6»2012
AZP09