كلام على الماشي مكالمة مع سعدي يوسف
حسن النوّاب
فجأة ناديت على زوجتي وقلت لها اناشدكم الهدوء .. لا اريد صخب الأطفال يفسد مهاتفتي مع سعدي يوسف، وضغطت على ارقام هاتفه .. لم اكن مرتبكا واصابعي كانت واثقة وهي تضغط الأرقام، كانت الجعة التي تعوم بدمي قد ساعدتني حتى اكون بشكيمة واضحة حين اسمع صوته .. رن الهاتف وكنت انتظر .. حتى سمعت صوت انثى ترد آليا .. زفرت حسرة ولكني بقيت استمع لها وهي تنطق بصوت رقيق لغة انكليزية قالت فيها ان الشخص الذي تطلبه الآن غير موجود .. وقبل ان اغلق الهاتف جاءني صوته من تخوم بعيدة ألو من معي .. حين تلقفت صوته شعرت ان الذي اكلمه اعرفه منذ قرون .. كان صوته ملتاعا بغربة موغلة بالوجع وله موسيقى تشبه الأنين .. قلت له انا حسن النواب .. ردد بحيوية وهجست ثمة فرح بلل حنجرته اهلا حسن .. نادرا ما يرن الهاتف في بيتي .. وانغمرت صاغيا لحديثه الذي يجيء لمسامعي كما لو انه ينبثق من جب عميق أو من اهوار وبساتين نائية، بينما بدأ بكاء طفلي الصغير وهو يصر على اللهو بمقص بين يديه، اربكني بكاء مزكّى، ولم اسمع ما قاله سعدي يوسف، قلت له لم اسمعك الى اين ستذهب؟ قال بعد ساعة سأذهب الى ..، امكث هناك لاسبوعين ثم اعود لأيام وبعدها اسافر الى.. قلت له لا ادري فجأة اشتقت ان اسمع صوتك .. قال الحياة وهبت لنا لمرة واحدة وعلينا ان نعيشها بحرص وذكاء، لم اكن متأكدا من الكلمة الثانية اذا ماقالها ام لا لأن بكاء مزكى ازعجني، ثم قال احرص على عائلتك ولا تبذر بالسعادة .. قلت له لقد قطعت برزخا من التضحية معهم واريد ان ارى نفسي الآن .. لم افهم رده تماما .. وحدثته عن الشعراء في استراليا وصفاء قلوبهم وحماسهم سواء كانوا قرأون قصائدهم الى فرد واحد او الى جماهير غفيرة .. قال لي نحن العرب ابتلينا بالتصفيق .. قصائدنا قتلها التصفيق .. ولكن هذه الظاهرة بدأت تنحسر الآن وبدأوا يتفهمون ما معنى الشاعر حين يقرأ قصيدته .. قلت له سأهاتفك مرة اخرى حين تعود من رحلتك القصيرة، وعندي رغبة لزيارتك في بيتك، قال اهلا بك .. يا اهلا ..وشعرت ان المكالمة شارفت على الختام .. قلت له اتمنى لك رحلة جميلة على شوارع الذهب .. ضحك ضحكة قصيرة .. شعرت انها اغنية مخضبة بالنبيذ والألم والأمل العجيب، وقبل أسابيع كلمته مرة أخرى، كنت هذه المرة اكثر ثقة بنفسي وانا اقدم التهنئه له لاختيار منظمة العفو الدوليّة لقصيدته ليل الحمرا بملصقها الشمعة والسِلْك الشائك كبوستر للمنظمة، ثم اخبرته عن الدعوة الخاصة التي وصلت لي من اللجنة العليا لمهرجان المربد، فرح عند سماعه النبأ وحثني بحماس للذهاب شريطة قراءة قصائدي بحرية مطلقة، ولما اقترحت عليه تسمية المربد القادم باسمه، لم يمانع وقال لي هذا الأمر مرهون بما يقرره الأدباء هناك ولكن ذهابي يعتمد على صفاء الأجواء في حينها، ثم طلب مني ان احمل التحايا الى أدباء العراق جميعا وخص بالذكر اسم الشاعر حسين عبد اللطيف و الكاتب الكبير محمد خضير وفاروق السامر وطالب عبد العزيز، وحين اخبرته عن روايتي حياة باسلة، شعرت بفرحته وهو يشير على ردود الأفعال الايجابية والأصداء الطيبة التي حققتها الرواية، ولأن البطل الرئيس في الرواية جان دمو استدرك قائلا اثنان بالعالم دُفنا واقفين رجل الدولة الفرنسي جورج كليمنصو وجان دمو، ثم تمنى لي رحلة سعيدة، لما اغلقت الهاتف ادركت اني اشعر بتهيب لذيذ من شعراء لا يتكررون .. أولهم سعدي يوسف ثم حسب الشيخ جعفر .. وحميد سعيد وغيرهم هل هناك غيرهم .. ربما ؟؟
/6/2012 Issue 4217 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4217 التاريخ 4»6»2012
AZP20
HSNO























