ضعف البصر يمنعه من الحصول على الدكتوراه

صالح الجعفري.. النشأة والشاعرية

ضعف البصر يمنعه من الحصول على الدكتوراه

محمد حسين علاوي غيبي في بيت فقيـر تخيـم عليـه ظروف الفاقـة وتعصف بزوايـاه أسباب الحرمان، ولـد الشاعـر النجفـي الكبيـر صالح مهـدي علي الجعفـري آل كاشف الغطاء عام 1325هـ/1907م في النجف الأشرف من أسرة علميـة عريقـة تعـرف بأسرة (آل كاشف الغطـاء) انتسابـا لجـدهـم الأعلى الشيخ الجليل والكبيـر، أشهر علمـاء عصره وإمـام زمانـه وزعيـم طائفتـه (جعفـر بن خضـر بن يحيى المالكـي النخعي) مؤلـف كتاب: (كشف الغطـاء عن مبهمـات الشريعـة الغــراء)  الذي انتسب إليـه صالح الجعفري بقولـه (الجعفـري)، لأنـه أراد أن يكون منتسبـا للشيخ جعفر الكبير وليس للكتاب. وكان هذا العالـم الكبيـر والشاعـر المفلـق قد درس دراستـه الأكاديميـة في المدرسـة الوحيـدة آنذاك في النجف هي المدرسـة (النظاميـة) وتتلمـذ على أيـدي فطاحل العربيـة وعلمـاء الأصول والفقـه مثل: الشيخ مهـدي الحجـار والشيخ محمد تقي صادق العاملي والشيخ حميد مولى نجف وقريبـه العلامـة الشيخ محمد رضا بن الشيخ هادي آل كاشف الغطـاء.

     وتدرج في دراستـه الأكاديميـة حتى أصبح من الفضلاء والشعراء المعدودين في العلـم والأدب والإبـداع الشعـري. وعندمـا أنهى تحصيلـه الأكاديمي في المدرسة الثانويـة، رشــح ضمن البعثـة العلميـة للسفر إلى (فرنسا) لنيـل شهادة الدكتوراه في العربية والعلوم الإسلامية والأدب العربي ومذاهبـه حيث كان أبرز المرشحين لدراسة هـذا الاختصاص لحصولـه على أعلى الدرجات. ولكن اللجنـة الطبيـة لم توافق على سفره بدعوى ضعف بصـره كما قال ذلك الكاتب والمفكـر العراقي الدكتور كامـل مصطفى الشـيـبـي.  صحيحٌ أن صالح الجعفري ضاعت عليـه فرصـةٌ ثمينـةٌ كان يحسب لهـا ألف حساب بسفره إلى فرنسا لنيل حلمـه ومبتغـاه في نيل شهادة الدكتوراه، إلا أنـه لم تضـع عليـه فرصة تواصلـه الدراسي والأدبي ليكون أستاذا معروفا وشاعرا موهوبا مجيدا ذا مجـد وشهــرة غطت محيط مدينـتــه ومـدن أخـرى رغم تعثـره في تهريج فقره وفاقتـه ويتـمـه، وتخبطـه في مرضـه واعتلال صحتـه بفقـد بصـره.

ابناء الجلدة

ومـع كل ذلك، كان الجعفـري واثقـا بنفسـه … أبـيــا في تعاملـه … منسجمـا مع أصدقائـه وأبنـاء جلدتـه … حانيـا أشـد الحنـو على أسرتـه … ذا بصيـرة نافـذة في مجال عملـه. كان – رحمه الله – مقتدرا على التعامل مع الحياة الفكريـة والشعريـة وعلى الغـور في غرائب اللغـة والغوص في بديـع البلاغـة مما صقـل موهبـتـه الشعريـة والأدبيـة ومكنـه من الإقبال بشغف لا محدود على قراءة التراث العربي والإسلامي. كما كان حدبـا على طلابـه برعايتهـم أخلاقيـا ووطنيـا وتربـيـتـهم تربيـة فكريـة أدبيـة. فبعـد أن فقـد بصـره، زاره طلابـه ومحبـوه لعيادتـه، فلـم يخاطبهـم بـذلـة وانكسار وإنمـا قال لهـم بكل إبـاء وشمـوخ، دون أن يندب نفسـه أو يعزيهـا على فقد نعمـة البصر:

ومـن يهب الأجيـال من نـور عينــه     يعــش مطمـئــنـا راضي النفس بالعمى وفعلا، فقـد كان راضي النفس، مطمئـن الـبال لإعتـزازه بطلابـه الذين هيـأ لهـم كـل وسائـل المعرفـة ورفـد عقولهـم بكـل جديـد في علوم العربيـة واللسانيات حتى تخـرج على يـديه خيـرة رجـال العلم والأدب والعلوم، ممـا ساعده على اطمئنانـه واعتـزازه ورضـاه. وقد أشار إلى إخلاصه بتوجيههـم وتفانيـه في تربيتهـم في أكثـر من موضـع من شعـره، فلنسمعـه وهو يخاطب الطالب الذي جبلـه على يديـه:

أيـدري الألــى يـبـنــون للمـجــد سلمــا     بـأنــــك كـنــت الـبــــانــي المتقــدمــــا؟

تــــؤدي على مـــر العصــور رســــالــــــــة  أعـــــز على هــــذي الحـيـــاة وأكـرمـــا

فـهــــل كــان منـــــك النـيــــران تعلمـــــا     هدايــــة هذا الخلق أم كنت منهما

صل اليـوم بالأمـس البعيد ولا تضع     تـراثــك عـن عمـــــد وحقــد فتندمـــــا

فمــا حـفــــظ الـتــــاريـــخ مثـل مـعـمـــــر  أشاد على الآساس مجدا فأحكما

ومــا نســي الـتـاريــــخ مـثـــــل مـغـامـــــر بنى دون أن يـرعى الأساس فهدما

حتى لقـد ألحق هـذه الأبيات وضمنهـا قصيدتـه التي ألقـاهـــا في حفـل تكريم المعلـم الذي أقامتـه نقـابـة المعلميـن في النجف الأشرف بتاريخ 7/3/  1974، اليوم الذي وقف فيـه نقيب المعلمين السيد عادل أحمد زيدان أمام الجمهـور ليحييهم ويحيي المعلـم المكـرم صاحب الديوان صالح الجعفري قائلا لهـم: (… كان الجعفـري في شعـره في عيـد المعلـم يسطـر برنامجـا للعمل وميثاقـا للمعلـم يسيـر بهـديـه، واستحـق لذلك التكـريم، تكريم الإخلاص للوطـن والتفانـي في العمـل. فتكـريم الجعفـري – المعلـم النموذج المخلص المتفاني – بطبـع ديوانـه، تكريمٌ للمعلـم في عيـده واعتراف التلميـذ بفضـل أستاذه واعتراف الحفيد برعايـة شيخـه. فلـه العمـر).

     وقـد تحـدث عنـه تلميذه الدكتور أحمـد فـرج الله فقال: (ما كنت أشعـر بالأسف إلا بانتهـاء درســه لأنـه – رحمه الله – كان واســع الإطـلاع، ســريع اللفتـة في خفـة روح وســمو خلـق. فكنـا نريد أن يطـول الدرس، وأن لا يمــر الوقت، وأن لا يفـارقنـا الجعفـري).

     ولهـذا المحلـق في فضاءات الشعر، المتـربع تحت أفيـاء الأدب، المتميـز في أداء الواجب التربوي الخيـر، أشار الشاعر والأديب النجفي الأستاذ صادق القاموسي في إحـدى قصائده فقال:

غــــذى الـعـقـــــول بكل مبتكــــر من المعنـى شــهي

وأعــــد للأجيــال خيــــــر مواهــب الفكــــــر الثـــــــري

خمــرا مـن الأشــعار في كـأس من الفصحى ملي

نثـر المعارف جاهدا  ورعـى التــراث مجاهدا

وبنـى الرجـال معاهـدا

وعلى يـديـــــــه تفـتـتــت نفحــــــات أنـديـــــــة الغــــري

     وكم شهدت محافـل الشعر ونواديهـا معارك شعريـة حول المفاهيـم، وتقاطـعا في الفكـر بين الشعراء … الشعراء الشباب دعاة التجديـد والعصرنـة والحداثـة في الشعـر، والشعراء الشيـوخ التقليديين الذين لا يألفـون أو حتى لا يستسيغون الشعر الحديث أو الحـر ويعتبرونـه خروجـا على التراث أو على الشعـر الذي يحكمـه النظـام.

     وكان المحـرك الأول والرئيس لهـذه المعارك الشعريـة المرحوم صالحٌ الجعفري لمـا يتمتـع بـه من تألـق وتميـز وموهبـة فائقـة. وقد أخبـرنا المرحوم الأستاذ جعفـر الخليلي بأن الجعفـري كان يتصـف (ببث روح التحـدي ونشر الآراء والمبادئ التي يحملهـا في تلك المعارك … وإنني أجزم بأنـه لولا الجعفـري لتأخـر هـذا الوعي والميـل للتجديد والابتكار).

     ويقول السيد رياض صالح الجعفـري عن إحـدى هـذه المعارك: في حفـل تأبين الشيخ طاهـر فرج الله سنة 1925م،ألقى الشاعر الشيخ كاظم السوداني (وهو من الشعراء الشيوخ أمثال الشيخ عبد المهدي مطر والشيخ مهدي الحجـار والشيخ إبراهيم اطيمش وغيرهم) قصيدة تناول فيهـا الشعراء الشباب ووصفهـم بـ(المتشاعرين) وأنهـم يدبون دبيب النمل على حلبات الشعر وليس فيهم إلا من يحتـاج إلى أن يدرس ويتعلـم):

فشــبابـنـا يتشــاعـرون، وكلـهـــم     في حاجـــة للشـــعـر أن يتعلمـــا

دبـوا دبيب النمـل لا عن قـوة     وجــــــــروا بحلــبـتـــــــه عليـــــه تجــرمــــــا

وفي اليوم الثاني، ألقى الشاعر محمد مهدي الجواهري قصيدة هاجم بهـا زمرة الشعراء الشيوخ التقليديين وعـرض بالشيخ مهدي الحجـار، فقال منها:

إن أنكــــــرتـنــي أنـــاسٌ ضـــــاع بـيـنهــــم

  حقـــــي ، فمـن عـرف الحجـار بالذهب؟

كم حاسـد لـم يجـرب مقولي سفها     حتى دسســــت إليـــــه الســــــم بالــــرطــــب

طعـنـتــه بالقـوافـــــــي فانـثـنـــى فــرقــــــــــا

  يـشكو إلـى الـنـاس وقع المقول الذرب

ومـا كان الجعفـري ليتـرك المناسبة تمـر دون أن يشارك فيهـا، فألقى قصيدة رد فيهـا على الشعراء الشيوخ، مطلعهـا:

قف في نوادي المجـد وقفـة حـاســر     واصـرخ بهــا ارتحـلـــي لرحـلـة طاهـر

الشـــــعب مســـــتــلب الشــــعــور لفقـده     أنـــــــى تــوفــيـــــــه قـصيــــــدة شــــــاعــــــر؟

وقال فيهـا أيضـا يهاجـم الشيوخ (المتشاعرين):

   كلا فـإنـــي لــــم أضــع حـــــق الإخـــــــا رغمـــا لـقـيـلـــة شـــيخـنـــا المتشــــاعـر

     إن تلك (المعارك) الأدبيـة ، ومثلهـا التي سبقتهـا كمعركـة الخميس الأدبية التي كان يقـود حلبتهـا ويديـر رحاهـا علمـاءٌ وأدباءٌ لهـم وزنهـم وآراءهـم ونظرتهـم في الشعـر وإيحاءاتـه ويعتقـدون بسـر نظـامـه ، كانت حافلـة بالمساجلات ومفعمـة بالإبـداع وابتكار الشعـر الجيـد ولكنهـا تتجـه أحيانـا إلى الصدامـات والنيـل من الشعـراء بعضهـم البعض، كما أنهـا تفضي إلى الهجوم والتعـريض أحيانـا.

     والـذي يدرس هـذه (المعارك) الأدبيـة دراسـة مستفيضـة ومتـأنيـة، يخـرج بنتيجـة واحـدة مرضيـة وهي أنهـا تـزيد في عمـق المفاهيـم الأدبيـة وتنتـج سعـة في الإبداع الفنـي وتنـاسل الصـور الشعريـة الجميلـة الرائعـة، وأعتقـد أنهـا تخلـق شعـراء لهـم  وعيهـم الثاقب وثـقـلهـم على الساحـة الأدبيـة وابتكارهـم للجـديد في مياديـن الإبـداع.  وحين نستعرض شعـر النجف في فترة الثلاثينيـات ونضعـه على طاولـة التشريح النقـدي، نجـد أن أغلب الشعراء كانوا يخلقون هـم المناسبات الأدبية والحفلات الشعريـة لغـرض إنشاد الشعـر وإلقائـه. فهـم لـم يحفلـوا بمـن يحتفلون؟ ولمـن ينشدون؟ وإلى مـن يحشدون قصائدهـم ويتغنـون؟ ولكـن شعرهم كان لابـد لـه من الإنشاد والإلقـاء لتتنفـس صدورهم وترتاح عقولهـم وضمائـرهم. ويقول المرحوم السيد مصطفى جمال الدين: (وكان من براعـة الجعفـري وجماعتـه أنهـم يحسنون استغلال هـذه المناسبات للتعبيـر عمـا يتبنونـه من أفكار ومـا يلتـزمونـه من مواقف). ولـم تكن للمرأة، التي تعتبـر نصف المجتمـع ولهـا وللرجل نفس الحقوق وعليهمـا نفس الواجبات، أدوارٌ تذكـر في تلك المناسبات.فكانت تعيش عيشـة غبـن وتذمـر من استلاب حقوقهـا وعدم مشاركتهـا الرجـل في التعليـم أو مساواتهـا لـه في ارتيـاد الأماسي الأدبيـة أو النوادي الثقافيـة والترفيهيـة. ولم يفسح المـجال لهـا لنيـل كامل حريتهـا حيث أن المـجتمع آنذاك كان دينيـا حد التخمـة ومنكمشا على نفسه ومبتعـدا عن مسايرة المجتمعات الأخرى. فهـل يجـرأ أحدٌ من الناس في الثلاثينيات (أن يقف في وسط ديني محافظ كالنجف ليقول ما قالـه الجعفري في المطالبـة بتعليم المـرأة وإفساح المـجال أمامهـا في بنـاء الأجيال؟!). فلنسمـع الجعفري يقـول:

كيف ترجــوا نجـاحهـــا فـئـــــةٌ     كللتهـــا البـــــرود والســـــجف

من وراء الحجــاب نسوتهـا     تـتـهـــــادى  كـأنـهــــــا  طــــــرف

كلمـا  أبصرت على كثب

 شـــبحـــا للجديــد  تـرتجـــــف

تتحــــرى اســــتقلال أمـتهــا:     إخســـأوا إن ذلكــــم صلــــف

     وفي عام 1968م، أقيمت لشاعـر العــرب وســـيد القـوافـي المرحـوم محمد مهـــدي الجواهـــري احتفالـيــةٌ تكـريميــةٌ  خاصــةٌ بمناســبـة عـودتـه من بـراغ إلى وطنـه ومـرتـع صـبــاه العـــراق الحبيب. وقد ألقى الجعفـري – رحمه الله – في تلك المناسبـة قصيــدة ترحيـبيـة رائعــة قال من ضمنهـا:

إن نـبـتــا كنـت تسقيــه غــدا يشكــو الأوامـا

وسحابـــا كنت تـزجيــه ســــلكـنـــاه جـهــامــــــا

وزهـــورا كنت تـرعـاهــن قـد مـــاتت كمامــا

وضحى يـألــــــــق جـيليــــــن بـآدابـــــك غــامــــــا

فــإذا لـم نسـتهــــل العـيد واصـلنـا الصيامـــا

أعــــد الكـــــرة فالنصــر على راســـك حـامـــــا

وابـتعـثهــــا كالشــواهيـن تـجـســدن كـلامـــــــا

تـتـلـقـف مـن بغــاث الشـعــر أصـداء وهامـا

     وفي كتابـه النقدي القيـم (حركة الشعر في النجف الأشرف وأطواره خلال القـرن الرابع عشر الهجري) يقول الدكتور عبد الصاحب الموسوي الهندي: فلـم تعـد ثقافـة الشاعر النجفي مقتصرة على ما يحفظ من أشعار غيره، بل تجاوزت ذلك إلى تلقي ألوان الثقافات السياسية والأدبيـة حتى صار شريكا للناقد في تقويم الشعر وتوجيـه خطاه وإبـداء الرأي في نتاجـه. وهم يستلهمون جمال الطبيعـة ويصغون إلى صوتهـا فيستجيبون إليهـا بلهفـة وشوق.

     وإذا كان الشعر يروى عن أحد، فالشاعـر الجعفري يروي شعره عن الطبيعـة، فهي التي قالت وهو الذي روى، فقال للشعر:

أرويــك عن هـــــــزة الغصــ     ــــن عطفــــــه بـارتيـــاح

أرويك عن هــــزج الطـيــــ     ــــر معلنــــا بـالصـبـــاح

وإصغاء الشعراء إلى الطبيعـة الملهمـة لم يكن المصدر الوحيـد لأشعارهم، فالشعر ليس عدسـة تصويـر تلتقط المرئيات ولكنـه مشاعرٌ وأحاسيسٌ تثيرهـا أساليب التلقي من الحيـاة، كما قال صالح الجعفري:

وأي كرامــــــة للشــــعـر إن لــــم     يعبــر عن شـــعورك أو شـــعوري

وأبلــغ مـا يثيـــر النفس حرفٌ     يـكـــــاد يـثـــــور مــن بيــن السطور

     ومن يتصفح ديوان المرحوم الجعفـري، يجـد قصائدا كثيرة قالهـا في رثـاء أخوانـه وأصدقائـه ومريديـه مثل: رثائه للملك غازي، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والشيخ محمد علي اليعقوبي، والمـجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي، وغيرهم من رجال السياسة وجهابذة العلم والأدب من أجل التعبير عن ألمـه وغصتـه وفي سبيل الحق الذي كان يدعو لـه وينادي به. ولكن كل تلك القصائد الرثائيـة وذلك النحيب المتواصل الذي أثـر على صحتـه ونال من عينيـه حتى طال بصـره، لم ترق لرثائيتـه التي كتبهـا في توديع صديقـه ورفيق دربـه في مرتع صباه الشاعر الكبير السد محمود الحبوبي الذي يعـد الجذوة التي ألهبت فيه شعوره الأدبي وأججت وجدانـه الشعري وفجرت في روحه وقلبـه صرخـة ألمـه المتواصل.

     فقد كتب  -رحمه الله – القصيدة وهو يلتهب ألمـا وينفجـر حسرة لأن محمود الحبوبي كان بحق موضع سره، لذلك ســـمـى القصيدة “يا موضع السر”. ومن تلك القصيدة:

يا موضـع الســر مكتومــا على شفتي     أذود عن كشفـه أهـــلا وأصحـابـــا

الصــادق النصـح ما أســـديتـه كذبــــــا     والـثـابت الـرأي لم تطلقـه مـرتـابـــــا

أمـــــــد لـلقـلــــب تـأيـيــــــــــدا وآصـــــــــــرة

    كـأنمـا كنت لـي عــــزمـا وأعصـابـــا

أذب عن مقـلتي من حاجبي ويدي     كـأنمــــــــــا كنـت لــــي جفـنــــــــا وأهـدابــــــــا

أغـــذ روحـــك والصبــر الجميل معــا     وكـنـتـمــــــــا عــــدتـــــــي قوســــــــــا ونشــــــــابــــا

أعــزز علي بـأن أشكوك لـي عضدا     وكنت أشـكـــو إليــــك الدهــــــر إن نـابـــــــا

أبكيـــــك للنـــدوة البيضـــاء خالصـــة     على الـدجى من جمال الصبح جلبابــــا

ماغابت الشمس حتى أطلعت نفرا     كانوا عن الشمس،عمر الشمــس،نوابا وعلى الرغـم من أن الجعفـري كان قوي الجنان، شديد العزم والهمـة، ثابت الشكيمـة على دهره وواقعـه، فقد أفجع قلبـه وآلم روحـه وعتـم على أصدقائـه ومحبيـه ابتسامتـه الرقيقـة، قصـة نكبتـه بفقـد بصـره. فقد قال من قصيدة يبكي دهره ويندب قدره ويرثي نظــره الغالي الذي حال بينـه وبين منبلج الفجـر وضيـاء الصبح:

حيــل بينـي وبيـن منبلــــــج الفجـــــــــــــر فلــم أدر أيـــــن حــــــل الصبـــــاح

أســـــدل الستـــــر دون عينـي، فلم لا     تـتــراءى  الـــــرقــــوق والأشـــــباح؟

وامحت آيـــــــة الغـــــدو مــن اللـــــــوح  أمـــــــامـي ، فكـــــــل يـومــــــــي رواح

ما لصـدر الدجى المشعشع أمسى     لا درار تــزيــنـــــــــــــه ، لا وشـــــــــاح

قلت للديــــك لا أرى الصبح يبدو     لـيـلـتي هـــــــذه، فـفـيــم الصيـــــاح؟

     ويبدو لكل قارئ متأمـل أو باحث موضوعي أو أديب وشاعـر ذي حس وجداني، أن الشاعر المرحوم صالح الجعفري كان يجيد  اللغـة الفارسيـة إجادة تامـة ولـه درايـةٌ معرفيـةٌ عاليةٌ بهـا وبآدابهـا. فقد صدرت لـه عام 2012م في بغـداد ترجمـةٌ شعريـةٌ رائعـةٌ ودقيقـةٌ لرباعيات الشاعر الفارسي الصوفي العرفاني (بابا طاهر عريان الهمذاني). وكانت هذه الرباعيات المتــرجمـة تحوي 335 رباعيـة، مما يدل على جهد جهيد وعمل مفيد وصبر مكافح شديد رغم همومه وتعبـه واعتلال صحتـه وأســـفــه على فقدان بصــره.

     وبابا طاهر عريان هو أحد الشعراء الصوفيين ومن الدراويش العاشقين أصحاب الكرامات والمقامات. وقد ضمـن آراءه ومعتقداتـه تلك في رباعياته على طريقة عمر الخيام أو أبي سعيد بن أبي الخير أو غيرهم من شعراء الفرس الذين تضمنت أشعارهم آراء عرفانية صوفيـة. فقد قال الجعفري في رباعيتين من تلك الرباعيات المترجمة ترجمـة شعريـة جيـدة إلى اللغة العربيـة:

أنـا ذاك الطـائـــــر الــنــاري مشــــبوب الأوار

أحــــــرق العالـم إن صفقت يومـا بجناحــي

وإذا مــا رســــــموا لي صورا في جنب دار

شبت النـار بتلك الدار من كل النواحي

أنـــت إن فـارقتنـي لازمـنـــي الهـــــم الـرهيــب

وإذا شـــمت محـيـاك انجلت عنـي الهمـوم

وإذا آلام قلـبــــي وزعـــــت بيــــن الـقـلــــــــوب

   لم تـعـد تـلـقى ، على كثرتهـا، قلبـا سليم  (1)

الجعفري .. وأهل البيت (ع):

     والجعفري، كأي شاعر من شعراء هذه المدينة الحانية التي تعيش مأساة أهل البيت عليهم السلام كل يوم وتتفجع لمصائبهم والآلام التي مرت بهم بعد كل فرض، كان لا يرى في تضحياتهم وفقدهم سببا للبكاء واللطم وخمش الخدود وشق الجيوب لأنهم أبطالٌ أفذاذٌ ورجال ثورة واقتحام لا رجال خنوع واستسلام.

     فهو يرى فسهم أنهم أدوا واجبهم الديني وهيأوا لجمهور المسلمين السبل الواسعة والكفيلة بإيصالهم إلى مرافئ النصر والنجاح والخير وعليهم الثورة والفداء لسحق الظالم وتغـيـير الواقع الفاســـد المتهرئ. إن مصائب أهــل

(1) راجع: محمد حسين علاوي غيـبي: (شذرات من الأدب والحياة) مطبعة النبراس/ النجف/2013م  البيت (ع)، عند الجعفري، ما هي إلا دعوةٌ للثورة وإلهاب النفوس وزيادة حماس المدافعين عن العقيدة والمثل والشرف، فلا مكانٌ للبكاء والنحيب والتوجع وإنما المكان للعمل الجاد والمخلص الذي ثار من أجله هؤلاء الأبطال الميامين.

     ولم تفته المشاركة في المهرجانات والأماسي الثقافية والمجالس الأدبية للصدع بآرائه وشعوره بأهل البيت ومواقفهم والتمجيد بنهضتهم. فقد شارك عام 1972م بمهرجان المربد الشعري الثاني بالقصيدة المارة الذكر وبعنوان: (نهضة الحسين أو الفداء بين رائده وجاحده) ألهبت حماس الحاضرين لأنها لم تكن قصيدةٌ بكائيةٌ عن الدم المسفوح والطفل الذبيح بل كانت دعوةٌ للثورة كما أسلفت.

مدح الرسول

     وفي مدحه لرسول الله صلى الله وآله وسلم يقول:

هــــديت هــــديت حائـرنــــــا فصـــرنــــا

 نسير على الصراط المستقيم

أشــــــعـــت مكـــــارم الأخـــــلاق فيـنـــا

 لكونــــك آيـــــه الخلـــق العظيم

وقلت لنا انشروا الرايات وامشوا     بنــور الــعـلـــــم والديـــن القـــويـم

بــعــثـــت لـــنــــا حضارتــنــــــا وكـــــادت

 تكــون حضارتــي فــــــرس وروم

     وفي ديوانه، تطالعنا رباعيةٌ بعنوان: (مع رأس الحسين “ع”) ينشد لإمامه سيد الشهداء الحسين سلام الله عليه، فيقول فيها:

تــتــوج بالإبـــاء فلـــم يطأطـــئ     بحيث الــــذل مـن ضعـة النفوس

ولم يفرع رؤوس السمـــر إلا     لأن مـــقـــــامــــــه فـــــــــوق الـــرؤوس

أبا الأحرار عـز عليك أن لا     نــمـت إلــيــــــك حــتــى بالطقــوس

وتلك عيوننا العبرى شهــــودٌ     على التقصير في فهم الدروس

 آخر شوط حياته ورحيله:

     بعد أن تقاعد الجعفري عن عمله التربوي، انتقل بأسرته من النجف الأشرف إلى بغداد لحوقا بأولاده وبناته الذين التحقوا بالجامعات العراقية. وظل رحمه الله يكابد المرض ويعاني من الأوجاع رغم صبره على بلواه وطول أناته في تحمل علله وآلامه حتى لبى نداء ربه مساء يوم الواحد والعشرين من آب عام 1979م هانئا مطمئنا برحمة ربه وسعة مغفرته.

 آثاره الأدبية:

     ترك لنا الجعفري وللمكتبة العربية بعض الآثار التي زين بها رفوفها، منها:

1/ تحقيق ديوان السيد حيدر الحلي وشرحه بعد مقابلته مع نسخة الشيخ

محمد حسن مصبح الحلي المكتوبة سنة 1306ه.

2/ تحقيق ديوان السيد نصر الله الحائري، مطبعة الغري في النجف 1954م

3/ تقديم وتعليق على كتاب (عشرة شعراء) وهو بقلم مجموعة من طلاب

    ثانويــة النجف.

4/ تقديم كتاب (مشكاة الأنوار في غرر الأخبار) للطبرسي، ط1،2.

5/ تقديم كتاب (تاريخ الديوانية) للشيخ وداي العطية.

6/ ديوان الجعفري ج1، تقديم د. المرحوم مصطفى جمال الدين.

7/ ديوان الجعفري، تحقيق د. علي جواد الطاهر وثامر حسن جاسم.

8/ ترجمة رسالة (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) للميرزا محمد حسين النائيني.

9/ ترجمة رباعيات الحكيم عمر الخيام النيسابوري، بيروت 2007م.

10/ ترجمة رباعيات الشاعر حسن قدس النخعي، وضمت102 رباعية،

      هولنــدا 1956م.

11/ ترجمة رباعيات الشاعر العرفاني بابا طاهر عريان الهمذاني، وتضم335       رباعيـة، بغــداد 2012م.

     وبعـد، فهـذا مـا استطعت أن أقدمـه للقارئ الكريم عن شيخنـا وأستاذنا الشاعر الحداثوي الأصيل المرحوم صالح الجعفري الذي، وقد وفـد على ربـه الكريم، ترك أثـره الواضح وبصمتــه الجليـة في شعرنـا النجفي الحديث. فإن أكن قد قصرت في حقـه، فلي منـه ومن أبنائـه وأصدقائـه ورفاق دربـه ومريـــــــــديـه المغفرة والعذر ولـه مني الدعاء  بالرحمـة من الذنب والوزر، وأن يلهمنـا الله بفقـده الأجـر والصبـر.