تهجير مسيحيي العراق
يعقوب أفرام منصور
طالعتُ مقال الأخ طارق الجبوري المنشور في (الزمان) ليوم 8/4 تحت عنوان (مسيحيي العراق : عذرا) الذي يستحقُ عليه الشكر والثناء، بقضل محتواه الناضح بمشاعر الطيبة العراقية والعربية الأصيلة ، وبحميمية التعايش بين المكونات في وقت رديء نضبت فيه هذه المشاعر والخصال الإنسانية الحميدة، فأكبرتُ فيه الصراحة والجرأة على إبداء المزايا الحسنة التي اتّسم بها سابق العيش الرغيد النظيف في قطرنا الحبيب من زاخو إلى مصب شط العرب، ومن قصر شيرين إلى الرطبة؛ في حين ـ على النقيض تماما من سابق العيش والتعيش الزاهي ـ ساد، منذ أعوام جاوزت العقد، شبه صمت تام على ” وسائل” تهجير مسيحيي العراق قسرا، جرت وتجري حتى الآن بتصاعد، جاهلين أو متجاهلين أن مسيحيي العراق هم من تربة هذا الوطن قبل الفتح العربي الأسلامي، متحدرون من أصلاب وأرحام السومريين والأكديين والبابليين والكلدانيين، بل ومن القبائل العربية أيضا : اللخميين المناذرة ،والتغالبة، والشيبانيين والأياديين، والكِنديينن والذبيانيين والعِباديين وغيرهم.
كل هذا التهجير القسري جرى ويجري منذ عام 2003 المشؤوم في ظل ” دولة القانون” والأحزاب المتناحرة والبرلمان الهمام، أجل الدولة التي هيمنت عليها المليشيات الإجرامية المسييَّرة من بقايا ركائز الإحتلال الغاشم وعصابات الإرهاب المرسَلة من حكومات دوَل الجيران ـ وأيّ جيران!!
أنا الآن ومنذ أعوام عجاف، أبكي على مدينتي البصرة كما أبكي على بغداد، وفي هذه البصرة الفيحاء عشتُ ثُلُثَ عمري في حارات سكنها اليهودي والمسيحي والمسلم متجاورين، يتبادلون التحيّات والتهاني والتزاور، لم يختلفوا أو يتشاتموا أو يتباغضوا، ولم تشهد قاعات محكمات اليصرة يوما قضية اعتداء أو جنحة من أحدهم ضدّ الآخَر بسبب مخالفة في الدين أو في السلوك أو في التعامل. كانت كنيسة على بعد أمتار من جامع؛ وكنيس يهودي وسطَ سوق مزدحم، ويسمع مرتادو السوق إبتهالات الموسويين العِبرية؛ ويسمع المسيحيون أذان العصر والمغرب منبعِثا من مآذن الجوامع في أحياء الباشا والسيف وجسر الغربان والسبخة؛ وكان اذان المغرب يتزامن أحيانأ مع قرع ناقوس” سلام ملاك الرب” من كنيسة ما. كان هذا الوضع التعايشي المستقر الرائق هو السائد في كل أنحاء العراق حيثما وُجدَ مسيحيون بين ظهراني إخوتهم المسلمين في أرجاء الوطن. لكن ـ واأسفاه! ـ ما إنْ ذَرَّ قرن العام المُزري 2003، حتى تحرّكت عناصر الشر والهدم والحرق والتفريق والإضطهاد لتفعل أفعالها الرذيلة المخرِّبة في أوساط المجتمع العراقي المنكوب!
كثيرون جدا في الوطن لا يعرفون بوجود المسيحيين في البصرة قبل عام تمصيرها الهجري 14(636م)، كما لا يعرفون ان البصرة ضمّت 2500 مسيحي في أواخر العهد العثماني 1908 مع كنائسهم؛ فذكرتُ ذلك وتأثير تراثها المسيحي في المكونات الفكرية خلال القرنين الهجريين الأولين، وذلك في مقالي المنشور في (الزمان) في 17/3 ص 9. وكثيرون جدا لا يعرفون أحوال تعايش المسيحيين المثالي مع المسلمين وغيرهم في العراق وفي أمصار الدولة العباسية قاطبة، فأوردتُ أمثلة موثّقة على ذلك في مقالي المنشور في (الزمان ) في 6/4 ص 11.وفي مقال نشرته (الزمان) في 17/10/2011 أبديتٌ مخاطر ومساوئ تهجير المسيحيين من العراق،وثم تهجير المسلمين ـ كما جرى ويجري أيضا، لكن بوتيرة أقل الآن نسبيا. وفي مقال سابق ، نشرته الزمان في 11/12/2013 أبديتُ عروبة مسيحيي العراق والبلاد العربية، وأفضلية صمودهم ضدّ موجات التهجير القسري، وضرورة ثباتهم وبقائهم الراسخ، وخاطبتُ الحكومة بكل مؤسساتها وإدارييها وأعضاء برلمانها أن يحافظوا جيدا على المكوِّن المسيحي ـ ملح الأرض ـ وكل المكونات الصغيرة في شعبنا ، فهي أمانة في أعناق الحكومة المسؤولة عنها أمام الله والتاريخ والضمير العالمي [ فالحفاظ عليهم هو صمّام الأمان لمواجهة الطائفية المقيتة المؤدّية إلى الدمار المحتوم الذي يرومه كثيرون من أعداء العراق وشعبه: أجانب وغرباء ورهط في الداخل يعمل بأنانية مقيتة لذاته ولصالح الأجانب والغرباء وهم في الواقع أعداء الله أولا، ثم البشرية والخير والفضيلة، والمسؤولون يعرفونهم ، لكنهم يتجاهلونهم]. لكنْ يبدو أن صوتي وصوت أخي طارق الجبوري وأصوات أخرى عديدة، مماثلة ونبيلة المقاصد والتنبيه، هي كأصوات جهوريية خَيِّرة تنطلق بين آنٍ وآخَر في منزِلٍ أهله طرشان أو متطارشون، وساكنوه يرون لكنهم لا يبصرون! فإلى متى تبقون هكذا يا ربابنة دولة القانون، ويا ممثلي الشعب في المجلس الوطني؟! ترون ولا تبصرون، تسمعون ولا تعون بل تتطارشون ! تشهدون الإرغام على التهجير ولا تبالون، وترون التمادي في التفريق والتفتيت في نسيج بني جلدتكم، ولا توقِفون ما ينوش عباد الله من أتباع عيسى السيد المسيح من إيذاء وحيف وتهجير، في حين هم ” ملح هذه الأرض” والأقرب مودّة لأتباع الرسول العربي الكريم ! أجل، إلى متى، إلى متى تلبثون هكذا كما أنتم الآن عاجزون، لامُبالون ! ألهذا العجز والتعاجز واللامبالاة جئتم او جيء بكم؟! في محاضرة ألقيتها في مر كز الرجاء الثقافي/ بغداد في 26/9/2009 عن السِمات الإيمانية عند غاندي الهندوسي ـ ” قدّيس السياسة” ـ أوردتُ عنه بكونه يحمد الله دائما ، ذا الجلال والإكرام، ويتلفّظ بإسمم الجلالة (الله) كما يفعل المسلم والمسيحي في حين هو هندوسي، وكتابه المقدّس يدعى ” الغيتا”، الذي يعني (أنشودة الرب) أو (أنشودة السموات)، ووقف أمام صورة السيد المسيح على الصليب في إحدى كنائس روما، وبكى. واعتقدَ غاندي إن آفة الهند ليست الإحتلال، بل قِلّة الإيمان والشجاعة الخُلُقية، وحجر الزاوية للتطهير النفسي الواجب إجراؤه هو “الوحدة القومية” من خلال وحدة الهندوس والمسلمين، وهي الوحدة التي مات غاندي في سبيلها، فصارت الهند في أربع كيانات بسبب مُعاداة فكرة الوحدة القومية. فهل يتّعظ الضالّون والمتزمتون والإرهابيون بموعظة غاندي، قديس السياسة، وهو أفضل من عرف مغزى الدين ومدى علاقة الدين الصحيح بالسياسة علاقة صحيحة أيضا؟! لكنّ هذه العلاقة لا تعني تدخّل الدين في الشؤون السياسية ودهاليزها ولا تسييس الدين، أو الحكم الديني (الثيوقراطي).
المؤمنون بالله الأحد إخوة في الإيمان، لأن الحديث الشريف يقول: ” ألأنبياء إخوة، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد “. والقرآن الكريم ينص: ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخِر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفَ عليهم ولا هم يحزنون” (سورة البقرة/61)، كما نص: ” ولو شاء ربّك لجعل الناسَ أمّة واحدة ” (سورة هود/118)، ونصّ أيضا :” لا إكراهَ في الدين” (سورة البقرة/ 256) ، وأورد كذلك ” ….وقولوا آمنّا بالذي اُنزِل إلينا وإليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ….” (سورة العنكبوت/45).
بين البشر، مهما اختلفوا عقيدة ومذهبا وقوما وجنسا أو عنصرا، ثمّةَ وشيجة نبيلة بينهم هي وشيجة الإنسانية الشاملة التي تتسم بإشعار حتى المتحاربين والمتناحرين والمتقاتلين الشرفاء بأنهم ذوو قُربى مَن يحاربونهم ويقاتلونهم، كما وصف شاعر عربي فئة متحاربة مع فئة أخرى:
إذا احتربتْ يوما ففاضت دماؤها تذكّرتِ القربى ففاضت دموعُها
فمتى يبلغ الوعي والإدراك لدى العراقيين خصوصا والعرب عموما هذا المستوى، كي يعملوا ويتصرّفوا وفقا لمضمون هذا البيت؟! ألم يَحِن أوانه بعد؟.
























