قراءة في البرنامج النووي الإيراني

قراءة في البرنامج النووي الإيراني
وسام الدين العكلة
شهد البرنامج النووي الإيراني خلال الفترة الأخيرة تطورات متسارعة لعل أبرزها استئناف المفاوضات النووية بين إيران والمجموعة السداسية 5 1 الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا روسيا، الصين، ألمانيا حيث أُجريت جولة المفاوضات الأولى في إسطنبول في الرابع عشر من نيسان الماضي والثانية في بغداد في الثالث والعشرين من أيار ومن المقرر أن تجري الجولة الثالثة في موسكو يومي 18 ــ 19 حزيران 2012. والمتابع لجولتي المفاوضات تلك يلاحظ أنَّهما لم تسفرا عن أي اختراق يذكر في الأزمة النووية الإيرانية رغم أجواء التفاؤل التي بدت خلالهما، ففي جولة المفاوضات التي جرت في بغداد تبادل الطرفان رزمتين من المقترحات بهدف التوصل إلى تسوية مبدئية للأزمة وأشار المسؤولون الإيرانيون إلى أنَّ المقترحات الإيرانية قد بنيت على أساس ما تم الاتفاق عليه في محادثات إسطنبول ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، ومبادرة خطوة ــ خطوة التي سبق أن اقترحتها روسيا لحل المشاكل العالقة في الملف النووي الإيراني، وتقوم المبادرة على تخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران مقابل كل خطوة إيجابية تبديها طهران حول برنامجها النووي، وكذلك الرد على جميع أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما تطرقت المقترحات الإيرانية إلى عدد من الملفات الإقليمية والأمنية والترسانة النووية الإسرائيلية.
أما المقترحات الغربية فقد تمحورت حول عدد من النقاط أهمها عدم فرض أية عقوبات جديدة على طهران والموافقة على حصولها على قطع غيار لطائراتها وإمكانية تعليق الحظر الأوربي على صادراتها النفطية المقرر أن يبدأ في الأول من تموز المقبل مقابل تعليق إيران عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 والمصادقة على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد سادت خلال مفاوضات بغداد أجواء من التوتر بعد أن بدا عليها التفاؤل بداية الأمر حيث حصلت مشادة كلامية بين الوفد الروسي والوفد الأمريكي على خلفية مطالبة الأخير بتشديد العقوبات على إيران بعد رفضها المقترحات الغربية، الأمر الذي دفع الوفد الصيني إلى عقد لقاءات ثنائية مع الوفود المشاركة في المفاوضات كل على انفراد بهدف التوصل إلى نقاط اللقاء بين الأطراف دون أن تسفر المساعي الصينية عن أي اختراق يذكر حيث تمَّ ترحيل جميع الخلافات إلى الاجتماع المقبل المقرر عقده في موسكو يومي 18 ــ 19 حزيران 2012.
وقد سبق انطلاق مفاوضات بغداد قيام المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو بزيارة هي الأولى له منذ توليه منصبه في نهاية عام 2009 إلى طهران برفقة هرمان ناكيرتس مسؤول عمليات التفتيش في الوكالة الدولية و رفائيل جروسي مساعد المدير العام للوكالة، حيث التقى أمانو مع كبار المسؤولين النوويين الإيرانيين وأوصل لهم رسالة من الدول الغربية مفادها ضرورة قيام طهران بتقديم ضمانات فعلية وقابلة للإثبات حول سلمية برنامجها النووي واعتماد الشفافية في تعاملها مع الوكالة الدولية والسماح للمفتشين الدوليين بتفقد موقع بارشين العسكري قبل بدء مفاوضات بغداد وإلا ستتعرض لمزيد من الضغوط والعقوبات الدولية. وفي نهاية الزيارة أعلن أمانو عن التوصل إلى اتفاق مبدئي مع كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي من شأنه أن يبدد المخاوف المرتبطة بطبيعة البرنامج النووي لطهران، وقال أمانو إنَّ ثمة بعض الخلافات العالقة بين الجانبين مؤكداً أنَّ هذه الخلافات لن تعرقل توقيع الاتفاق الذي سيقوم على اعتماد ما يسمى النهج المنظم إطاراً لكيفية تعامل إيران مع تساؤلات الوكالة الدولية.
غير أنَّ التطور الأهم الذي طرأ على البرنامج النووي الإيراني ما تضمنه التقرير الذي قدمه المدير العام للوكالة إلى مجلس المحافظين في اليوم التالي لانتهاء مفاوضات بغداد GOV/2012/23) والذي أشار فيه إلى عثور مفتشي الوكالة الدولية على جسيمات ملوثة بيورانيوم مخصب لدرجة 27 في موقع فوردو النووي خلال عمليات تحليل عينات بيئية تمَّ أخذها من محيط الموقع المذكور في 15 شباط الماضي. وأشار التقرير إلى أنَّ الوكالة وجهت رسالة إلى إيران في 4 أيار طالبتها فيها بتقديم تفسير لوجود هذه الجسيمات الملوثة، وكان رد إيران برسالة مؤرخة في التاسع من أيار بأنَّ هذا الأمر يعود لأسباب فنية خارجة عن إرادة المشغل. وقد بدا هذا التطور مُحرجاً لإيران التي تصر على أنَّ جميع نشاطاتها النووية سلمية وتتم بعلم وإشراف الوكالة الدولية، وعزز شكوك الدول الغربية حول سعي إيران لإنتاج أسلحة نووية، حيث اعتبرت تلك الدول أنَّ هذا التطور يمثل خرقاً جديداً لقرارات الأمم المتحدة التي تطالب إيران بتعليق جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم. وتجدر الإشارة إلى أنَّ أعلى نسبة تخصيب أعلنت إيران أنَّها توصلت إليها هي 20 مما يعني أنَّ هناك نشاطات سرية غير معلنة تقوم بها إيران في مجال تخصيب اليورانيوم، وهذا دليل على أنَّ الإيرانيين ماضون في رفع مستوى تخصيب اليورانيوم ليصل إلى 90 وهي النسبة المطلوبة لإنتاج الأسلحة النووية، وإذا ما استمرت طهران على معدلات الإنتاج الحالية من اليورانيوم المخصب فمن المتوقع أن يكون لديها بنهاية العام الحالي مخزوناً كافياً لتصنيع سلاح نووي إذا ما تمت معالجة اليورانيوم المخصب بشكل أكبر. وقال التقرير إنَّ إيران تمضي قدماً في نشاط تخصيب اليورانيوم في تحدٍ واضح للقرارات الدولية التي طالبتها بوقف جميع أنشطة التخصيب، وأضاف التقرير أن إيران أنتجت نحو ، طن من اليورانيوم المخصب إلى مستوى ، منذ أن بدأت العمل في عام 2007 وتم تخصيب نحو 750 كيلوغراماً من هذه الكمية إلى مستوى 20 ، كما ارتفع الإنتاج الشهري لإيران من اليورانيوم المخصب بنحو الثلث تقريباً. وحسب معهد العلوم والأمن الدولي الأمريكي فأنَّ هذه الكمية الإجمالية بدرجة تخصيب ، من سادس فلوريد اليورانيوم منخفض التخصيب إذا تم تخصيبها إلى الدرجة الأعلى والمستخدمة في صنع أسلحة فإنها تكفي لصنع خمس قنابل نووية. غير أنَّ المعهد أضاف أنَّ بعض اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب تم تحويله إلى وقود مفاعل ولن يكون متاحاً لصنع أسلحة نووية على الأقل على نحو سريع.
وتحدث التقرير أيضاً عن زيادة إيران لقدرتها على إنتاج مواد نووية حساسة بتركيب 368 جهاز طرد مركزي جديد لتخصيب اليورانيوم في موقع فوردو. كما تحدث عن أنَّ صور الأقمار الصناعية أظهرت نشاطاً مكثفاً بموقع بارشين العسكري، داعياً إيران إلى السماح لمفتشي الوكالة بالدخول سريعاً إلى مبان محددة داخل الموقع شهدت خلال الفترة الأخيرة تحركات مشبوهة يُعتقد أنَّ الهدف من ورائها إخفاء أنشطة سرية، وبالتالي فأنَّ التأخير بزيارة هذه المباني يمكن أن يعرقل الوكالة على القيام بعمليات التحقق اللازمة.
كما طالب التقرير إيران بتنفيذ قرارات مجلس المحافظين وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ببرنامجها النووي واتخاذ خطوات نحو التنفيذ الكامل لضماناتها بما في ذلك تنفيذ أحكام البروتوكول الإضافي والبند 3 ــ 1 من الجزء العام من الترتيبات الفرعية المنبثقة عن اتفاق الضمانات المعقود بين إيران والوكالة، وتعليق الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، ووقف الأنشطة المتعلقة بالماء الثقيل، والتعاون بشكل كامل مع الوكالة، والإسراع بتوقيع اتفاق النهج المنظم على النحو الذي تم الاتفاق عليه بين المدير العام للوكالة و سعيد جليلي أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في 21 أيار والسماح للمفتشين الدوليين بتفقد موقع بارشين العسكري لحل جميع القضايا العالقة وعلى وجه الخصوص معالجة المخاوف الجدية للوكالة حول الأبعاد العسكرية المحتملة للبرنامج النووي الإيراني.
الخلاصة هي أن إيران تعتبر المفاوضات مع المجموعة السداسية الخيار الأفضل لكسب الوقت بقصد تطوير برنامجها النووي وهذه المفاوضات جزء من سياستها الخارجية منذ بداية الأزمة النووية عام 2002، في حين أنَّ الموقف الغربي وخاصةً الأوربي يقوم على ضرورة إعطاء الفرصة للحل الدبلوماسي للأزمة دون التسرع في توجيه أية ضربات عسكرية للمواقع النووية الإيرانية من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة لعدم دفع منطقة الشرق الأوسط إلى المزيد من حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها أصلاً. لذلك نرى أنَّ مصير هذه المفاوضات سيكون الفشل بشكل أو بآخر من خلال الوصول في نهاية المطاف إلى طريق مسدود وانهيار المفاوضات دون تحقيق أي تقدم جوهري باستثناء تقديم إيران تنازلات بسيطة لا تؤثر على سير عملية تطوير برنامجها النووي مقابل كسب بعض الوقت على الأقل إلى ما بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني المقبل وما ستؤول إليه الأوضاع المضطربة في عدد من دول الشرق الأوسط.
وعلى ضوء ما تقدم يبدو أنَّ إيران اتخذت قراراً بتسريع تقدم برنامجها النووي للوصول إلى هدفها المنشود في صنع قنبلة نووية وتطويرها واختبارها لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة عليها، والحقيقة أنَّ عملية تطوير القدرات النووية الإيرانية تندرج في إطار تصور متكامل للسياسة الخارجية الإيرانية على الأصعدة الإقليمية والدولية، كما تندرج ضمن برنامج متكامل لإعادة بناء القوات المسلحة الإيرانية، وترتكز السياسة الخارجية الإيرانية على استحواذ مكانةً متميزةً على الساحة الإقليمية، وتذهب بعض التقديرات إلى أنَّ القيادة الإيرانية تعمل في إطار هذا التصور على القيام بأدوار متعددة تبدأ بالمشاركة في ترتيبات أمن الخليج ومنطقة شمال غرب آسيا، ويستطيع المراقب لسياسة إيران ملاحظة تطلعها مجدداً للعب دور شرطي الخليج الذي لعبته زمن الشاه لحساب المصالح الغربية، لكن هذه المرة لحسابها الخاص مستفيدةً من الخلل في توازن القوى الإقليمي خاصةً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار الدولة العراقية.
ويبدو أنَّ إيران على قناعة تامة بأنَّ المكاسب التي ستحققها من جراء امتلاكها للتكنولوجيا النووية تفوق كل العروض التي يستطيع أن يقدمها الغرب لها إذا هي تخلت عن برنامجها النووي، لذلك فأنَّ امتلاكها للأسلحة النووية وهي الدولة التي تطل على الخليج العربي يجعلها قادرة على التحكم بإمدادات النفط العالمية التي تأتي من الخليج العربي وسيضاعف من وجودها كقوة عسكرية إقليمية كبرى بطريقة تجعلها قادرة على تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية وثقافية ودينية في منطقة الشرق الأوسط، وسيفتح الباب على مصراعيه أمام الحلم الإيراني بتصدير الثورة بحيث تكون إيران قادرة على التدخل في شؤون المنطقة دون أن يتجرأ أحد على التدخل في شؤونها الداخلية، وإنَّ الفرصة التي تمنحها الظروف الدولية الراهنة المواتية لإيران لتحقيق هذا الحلم قد لا تعود في المستقبل أبداً إذا هي أضاعتها، ولهذا فأنَّها تبدو مصممة إلى أبعد حد على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي بما يمكنها من تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية وهي الخطوة الأهم في طريق الوصول إلى تصنيع الأسلحة النووية.
/5/2012 Issue 4214 – Date 31 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4214 التاريخ 31»5»2012
AZP07