كلام بالقيراط ـ انتحار طائر ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ انتحار طائر ـ حسن النوّاب
آخر بوست كتبهُ صديقنا احمد المظفر على صفحته بفيس بوك كان عن زيارته الأنسانية والحنون بصحبة الفنان علي جودة الى المطربة سهى عبد الأمير التي فقدت عقلها بظروف غامضة ابّان النظام السابق ، كتب المظفر عن فرحته لزيارة تلك المطربة المعدمة التي تعيش بكرفان يشبه قن الدجاج ونشر صورة مؤلمة تجمعه مع سهى ، اهداها الى رئيس الحكومة واعضاء مجلس النوّاب الجدد عسى ينتبهوا لحياتها المزرية ، لكن رحيله المباغت برهن ان قلبه لم يكن فرحاً بتلك الزيارة الخاطفة للمطربة التي تعيش بعزلة مريرة وقاسية ، انما كان المظفر ينزف دما في احشائه دون ان يدري ، وقبل يوم من زيارته النبيلة ، كتب على صفحته انه بدأ يعاني من غشاوة في عينيه ، وعلقّتُ ناصحاً طائر البصرة الأنيق بتناول الجزر واهديته اغنية عبد الوهاب حكيم عيون ، اجابني ان عينيه في جزر فكيف يأكل الجزر ؟ بعد يوم علمت ان صديقنا نُقل الى مشفى مدينة الطب لتدهور حالته الصحية ، وكتبت له ان المرض يخاف منك ، هيا قُم ان نادي الأدباء يترقّب قدومك ، لم اكن اعلم مثل باقي محبيه واصدقائه ، ان المظفر هذا الطائر البصري البشوش قد نزف لترين من دمه ، ولما اطلّ صباح المهجر على وحشتي واحزاني صدمني نبأ رحيله حين طالعته على صفحة صديقنا الشاعر هادي الحسيني ، كتبتُ مرتبكاً مختنقاً بالشهقات .. ماذا تقول ياهادي ، لنجهّز اكفاننا اذن ؟ وحين تيقنتُ من خبر رحيله ، اصابني وجوما وغزت روحي بلاهة لم اجد تفسيرا لها حتى الساعة ، كنت اريد ان ابكي لكن الدمع فرّ من عينيّ الى مجاهيل قلبي المفجوع ، واختنقت نفسي وشاشة التلفاز تعرض زحف الزائرين الى مرقد موسى بن جعفر ع بمناسبة وفاته ، تخيّلت ان الزائرين الحفاة يغذون خطاهم لتشييع جنازة صديقنا المظفر ، وسمعت زوجتي متحسرة تقول لقد مات في شهر رجب الذي يحبه الله وبذكرى وفاة الأمام الكاظم ع ، هنيئا له ُ ؟ ، تمتمتُ بسري يا الهي حتى الموت في وطني محسودٌ ويتقبّل التهاني ، اي وطن عجيب ، هذا الذي يميّز بين موت وآخر ، ولكن مهلا ، هذا صديقنا احمد المظفر الذي فارق ارض السواد نازفاً دمه مثلما رحل قبله بسنوات شاعرنا عقيل علي نازفا دمه على رصيف ؟ وعبد اللطيف الراشد نازفاً دمه على سرير في فندق بائس ، كلهم ماتوا نزفاً وهذا يعني انهم انتحروا بصمت ؟ اجل ان صديقنا احمد المظفر انتحر من بؤس وقسوة الحياة ونكرانها واهمالها الى المبدعين من فنانين وادباء ، هذه هي الحقيقة الموجعة التي يجب ان لا تتوراى انظارنا عنها ، مات حزناً وكمداً برغم ماتتحلّى به شخصيته الجذابة من ابتسامة مضيئة لا تفارقه مطلقاً ، وقلبة الذي ينث طيبةً وطيباً بكل لحظة على احبائه واصدقائه الذين ارتكنوا بعيدا عن انظار العالم ، يذرفون دمعهم الثمين لغيابه غير المتوقع ابدا ، هكذا اذن رحل طائر البصرة الضاحك وتركنا بذهول ، بينما الذكريات التي جمعتني بالمظفر تهبط دامعةً امامي بمهجري البعيد ، حين توطدّت صداقتنا في بداية التسعينيات ، وفي ظهيرة شتوية لذيذة كنا نجلس في ركن مقهى بجوار جسر الصالحية ، اقترحت عليه لقاء الى جريدة العراق التي كنت اعمل فيها ، كانت فرحته غامرة واخبرني سيكون اول لقاء في جريدة بصفته كمذيع تلفزيوني وقد اعلن في بعض سطوره عن حنينه الجارف لأبنته مروة وابنائه الآخرين ، بعد اسبوع من نشر اللقاء الذي احتل مكانا بارزا من الصفحة الأخيرة ، اقيم مهرجان شعري كان المظفر عريف الحفل وكنت من ضمن الشعراء المشاركين ، عندما وصل الدور بتقديمي ، فاجأ الجمهور بعد ان دعاني الى المنصة قائلا لهم تصفيق مرة اخرى رجاءً ، وفي زيارتي عام 2004 الى الوطن ، اقيمت لي اصبوحة في اتحاد الأدباء ، حرص المظفر ان يكون من ضمن المحتفين بشاعر صعلوك مثلي ، بل انبرى في شهادته متقمّصاً بحماس دور المحامي دفاعاً عن حماقاتي وصعلكتي وجنوني وشروري وفاقتي وحرماني ، اجل ايها القارىء العزيز كان المظفر يقطر صدقاً ومروءة ، ومثل احمد المظفر يجب ان لايموت بهذا الوقت الحرج علينا جميعا ، لقد افتقدناه بشدّة ، ذلك ان هذا الطائر الحر كان يسدّ فراغا شاسعا من نادي الأدباء ومن قاعة اصبوحاته واماسيه ، غيابه صعب جدا على اصدقائه هناك وعلى ملتقى الأذاعة والتلفزيون الذي يشرف عليه ، حتى ان الشاعر كاظم الحجاج عندما سمع بنبأ رحيله قال لماذا يا احمد انقصتَ عددنا ونحن اقلية صغيرة ؟ واقول لقد فقدت اقلية الأدباء طائرا غريدا سيبقى عشّه شاغرا ومن الصعب تعويضه بطائر آخر ، مثلما ظلت ملابسه الملونة والأنيقة معلقة في مشجب موحش في شقته ، تلك الملابس الجذابة التي لا تليق الا بقوامه المترف وابتسامته العذبة ، تقول ابنته المفجوعة مروة ان الطبيب الذي جاء يتفقده ظنّهُ نائماً ، ولم يكن يعلم ان طائر البصرة الأنيق حلّق نازفاً منتحراً الى سماء رحيمة تترقب قدوم منتحرين جدد من ارض السواد .
AZP20
HSNO