أكاديميون يحتفون بسليم بركات ويناقشون شعرية المحكي الفانتاستيكي

أكاديميون يحتفون بسليم بركات ويناقشون شعرية المحكي الفانتاستيكي
الغرائبية تسكن متون فقهاء الظلام
الرباط الزمان
عقد مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك يوم الجمعة 25 ماي المنصرم بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، بقاعة الاجتماعات في الساعة الثالثة بعد الزوال، أشغال الندوة الوطنية حول موضوع المحكي الفانتاستيكي في الرواية العربية مقاربات في النوع وهي الأشغال التي ارتأى مختبر السرديات إهداءها إلى الروائي والشاعر العربي سليم بركات الذي أثرى السرد العربي بنصوص مدّت النقد بإمكانيات كبيرة للاشتغال، وإثارة أسئلة وإشكالات جديدة في مجال الفانتاستيك.
خلخلة ثوابت المعاني
وقد ترأس الجلسة الناقد نور الدين صدوق الذي رحب بالمشاركين، وأكد على أهمية هذه الندوة في ضبط تصور ما حول حضور الفانتاستيك في الرواية العربية، والذي يقتضي إحاطة بفاعلية هذا الحضور، سواء في الموروث التراثي العربي القديم أو الآداب الغربية، من منطلق أن الفانتاستيك بات يشكل جنسا أدبيا قائم الذات،على حد تعبير محمد برادة. ووفق هذا، فالفانتاستيك كتابة تجريبية مغايرة، توظف الحكائي، الأسطوري، الرمزي بوعي قصدي، والغاية إنتاج معنى بـ لامعقول الواقع…، وخلق أفق للتلقي يكسر ويخلخل ثوابت المعاني المألوفة، مشيرا إلى التجربة الإبداعية للروائي السوري سليم بركات التي شكلت انعطافا وتحولا على مستوى الكتابة الإبداعية العربية، وأبانت عن كفاءة واقتدار فيما يتعلق بالكتابة السردية الحديثة المخلخلة للصوغ الإبداعي التقليدي والمألوف والمتداول…ممثلا لذلك برواياته فقهاء الظلام ، أرواح هندسية ، الريش ، معسكرات الأبد … والتي تفرض على التلقي الموضوعي الحصيف التفاعل معها كقطائع ينتظمها ناظم السرد والحكي، وخلص الناقد صدوق إلى أن هذه التجربة السردية الحكائية يحكمها توجهان توجه فانتاستيك أسهم فيرفده إرث المعيش، ذاكرة، حياة، صراعات من أجل فرض الذات والجماعة؛ وتوجه لعب فيه الغرب مصدر امتياح و إبداع متأصل.
العجيب في العجيب
وقد توزعت أشغال هذه الندوة على سبع مداخلات، قدمت قراءات لبعض النصوص السردية العربية
كان أول متدخل هو د»عبد الرحمان غانمي، والذي تطرق في مداخلته إلى تجليات البُعد العجائبي في رواية عبور البشروش ، لسليم بركات. مركزا على ملمح التخييل الذي طبع بميسمه جميع المستويات في هذه الرواية فضاءات ـ شخصيات ـ لغة ـ زمان… ، والذي وضعنا أمام أشكال جديدة من العلاقات اللغوية و الكونية، ومنحوتات لسانية منغمة بالمجازفة، وتناسل مولودات نصية وتصورات و أحجام وأحياز وإدماج العجيب في العجيب ، أي أننا أمام تأليفات مغايرة لكل هو متداول، يحتل فيها كل ما هو غير ممكن حيزا واسعا في الوجود اللساني بما يرفعه أو يختزله في انتشارات وجودية و أنطولوجية ممكنة، لكنها مستعصية على التحقق. وانتهى الناقد في مداخلته إلى أن هذه الرواية لا تحكي عن العالم وإنما تتحدث معه وتحاوره وتناوشه وتعنفه، كما تهادنه وتراوغه، وتدمر التصورات الذاتية حول العالم و العلائق والأشياء .
وقدم د» محمد بوعزة الورقة الثانية بعنوان ما فوق الغرائبية في رواية فقهاء الظلام ، لسليم بركات. وقسم مداخلته إلى قسمين
قسم أول قدم فيه مفهوم العالم الروائي عند سليم بركات، من خلال التركيز على استراتيجية الكتابة، وعلى مفهوم وتطور الكتابة، وتصور سليم بركات للكتابة الروائية.
قسم ثان تناول فيه بعض تمظهرات ما فوق الغرائبية في رواية فقهاء الظلام .
وانطلق الناقد من كون هذه الرواية ذات نزوعات غرائبية، تطرح أسئلة شائكة ومربكة بصدد مفهوم العجائبي، تدفع إلى إعادة النظر في هذا المفهوم كما صاغه تودوروف، ومدى إسعافه في تحليل الرواية. كما ذهب في أطروحة الورقة التي قدمها إلى أن رواية سليم بركات أكثر من مجرد رواية فانتاستيكية، بمعنى أنها لا توظف هذا المحكي كبنية تناصية أو مستعارة إلى جانب المحكيات الأخرى الواقعية أو التاريخية. ذلك أنها لاتتقيد بالفصل بين فوق الطبيعي والطبيعي، بين الخارق والمألوف، ولا بقوانين التفسير الطبيعية، أي قوانين العقل في بناء عوالمها الحكائية، والدلالية والمعرفية، فالعقل والجنون، الألفة و الغرابة، النظام و الفوضى، القانون والسلطة، العمى والبصيرة، تتفاعل فيما بينها وتتداخل مشيدة عالما بينيا هو عالم الظلام واللاشكل.
شعرية الفانطاستيك
أما المداخلة الثالثة فقد قرئت بالنيابة عن د» عبد اللطيف الزكري، في موضوع شعرية الفانطاستيك في رواية كأنها نائمة لإلياس خوري، وجسدت نقطة انطلاق لإبراز المفارقة الصادمة المتمثلة في واقعية الرواية العربية المعاصرة، والتي لا تتحقق بعمق وجاذبية إلا بعد أن تتجاوز عتبة اللاواقعية، وأن يكون الكتاب الكبار لهذه الواقعية جدا أو اللاواقعية هم أكثر الروائيين تجريبا بكل أشكاله وأصنافه الكتابية بتنوعاتها الفنية وتميزاتها الخصبة.
ومن هذا المنطلق،اعتبر الناقد رواية كأنها نائمة ، رواية واقعية جدا، أي فانتاستيكية لأنها تتجاوز عتبة اللاواقعية بشعرية فانتاستيكيتها، متسائلا عن العلامات البانية لهاته الفانتاستيكية ؟ وأهم مكوناتها ؟ وقيمتها الجمالية ؟…ليحدد ذلك في
السارد والتعجيب حيث يقوم السارد بنبر كل أشكال التعجيب في الملفوظ السردي، مرتفعا به إلى ذرى الغرائبية، التي يستحيل معها الواقع المألوف واقعا جديدا منطويا على المدهش، والصادم، و الرهيب، و المخيف، و المثير…
فضح المسكوت عنه
وعاد د» محمد المسعودي في ورقته،إلى اشتغال الفانطاستيك وتجليات المسكوت عنه في رواية ليالي ألف ليلة ، لنجيب محفوظ، للكشف آليات اشتغال الفانتاستيك في هذه الرواية المتميزة في سيرورة سردية محفوظ، حيث يجسد النص رؤيته للمجتمع استنادا للمتخيل، وذلك قصد الوقوف عند أوجه الاختلال ليس فقط في الواقع الاجتماعي المصري، و إنما في منطق الوجود ذاته، وفي الحياة بصفة عامة، مبينا أنه انطلاقا من هذه الآليات الفنية، تمكن الكاتب من فضح المسكوت عنه في المجتمع، وطبيعة السلطة وعلاقتها بتدبير اليومي وتسيير شؤون الناس. معتبرا توظيف محفوظ للموروث السردي العجائبي وخاصة ألف ليلة وليلة أفقا جديدا، باعتبار أن هذا الموروث أداة ورؤية اتسمتا بالجدة والقدرة على تجلية تقاطع الواقع باللاواقع، حيث كان هذا التوظيف حداثيا بامتياز، ومتقدما على فترته التاريخية، بحيث استطاعت الرواية أن تستشرف التحولات التي تعرفها مصر حتى اللحظة الراهنة، والتي كانت ثاوية في نسغ الرواية.
وقدم ذ»إبراهيم محمد عامر مصر الورقة الخامسة وقد قرأها نيابة ذ»الشريشي بعنوان السرد العجائبي في منامات الوهراني . في محاولة لرصد تقنيات العجائبي داخل بنيات نص المنامات، وإثبات غنى الثرات السردي العربي العجائبي، كأهداف عامة للدراسة، معتبرا أن منامات الوهراني خير دليل على أن الأدب العجائبي أو الخوارقي أو الفانتاستيك له جذوره البعيدة في أدبنا العربي القديم.
ومن جهته فضل د» بوشعيب الساوري الحديث عن قلق الفانطاستيك ، مقدما جردا تاريخيا لمفهوم الفانتاستيك عند الغرب، ومؤكدا على أن تمثل العالم الذي يقيمه الفانتاستيك غير منفصل عن الأزمات، والمآزق السياسية، والاجتماعية، والعلمية، والفلسفية، والأدبية التي حدثت بشكل فجائي في نهاية القرن 18م. بسبب أزمة القيم العميقة التي دفعت الإنسان إلى خلق قيمه الخاصة.
فضح الحجب
المداخلة الأخيرة الفانتاستيك وصراع المجتمعات ، ساهم بها أ.د» شعيب حليفي، عارضا مجموعة ملاحظات ورؤى جديدة حول الفانتستيك غير تلك التي نشرها في كتابه شعرية الرواية الفانتاستيكية في صلة بتجربة سليم بركات التي امتازت بالجدة، والتجديد … مقارنة مع باقي الروائيين العرب في هذا المجال، كما تطرق إلى معالم اللقاء بين العجائبي، والغرائبي، والخارق….الذي يثري النقاش. وإلى لقاء الرواية البوليسية، ورواية الخيال العلمي، والرواية الفانتاستيكية بالسينما. كما أكد الناقد على علاقة الفانتاستيك بصراع المجتمعات، وفضحه للحجب المانعة للواقع. فهو ليس ضد الواقعي والحقيقي، بل واقعية مفرطة في واقعيتها.
واختتمت الندوة بجلسة نقاش ساخنة ، انصب حول سياقات حضور الفانتاستيكي الاستيتيقية الأدبية، والسياسية…وتحولات العلائق بين الواقعي واللاواقعي، والفانتاستيك وانتهاكالمحرم واستجلاء المسكوت عنه…حضرها عدد من النقاد و الباحثين المهتمين.

/5/2012 Issue 4214 – Date 31 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4214 التاريخ 31»5»2012
AZP09