مأمور مركز شرطة الكرخ المفوض توفيق ينسق مع اللصوص ومتفق معهم على السرقات

مأمور مركز شرطة الكرخ المفوض توفيق ينسق مع اللصوص ومتفق معهم على السرقات
مدير شرطة بغداد عام 1936 يرفض طلب الحكومة مراقبة الملك غازي
إعداد د.أكرم عبد الرزاق المشهداني ــ العراق
تُشكل ذكريات و مذكرات عدد من كبار ضباط الشرطة العراقية التي صدرت خلال القرن الماضي، مرجعاً مهماً
في سِفر تاريخ جهاز الشرطة العراقية، وتحليل لمحطات مشهودة من تأريخ هذا المسلك الذي شابته شوائب عديدة،
وتعرض تأريخه للطعن والتحريف والتأويل، كلّ يراه من زاوية نظره وتفسيره ومرجعيته، فالبعض من السياسيين العراقيين
يرى في الشرطة أداة النظام وعصا للقمع والتنكيل والإضطهاد، وآخرون يرون غير ذلك وأنها مجرد جهاز حرفي، منطلقين من كون الشرطي إنما يمثل عصا القانون، وهو المنفذ للأوامر والتعليمات. ولايفترض أن نتخيل الشرطي سياسياً أكثر من السياسيين،
فهو لا يعرف غير القانون والأوامر والتعليمات ولا شئ فوقها ولا بعدها. من كتب المذكرات الشخصية المهمة التي دونها كبار ضباط الشرطة العراقية هي مذكرات المرحوم الفريق عبدالجبار الراوي، أحد أبرز قادة الشرطة في القرن الماضي، الذي دون فيها اهم الاحداث التي صادفته من خلال مسيرة عمله المضني في سلك الشرطة، وخصوصا في المراحل المبكرة من تاسيس الشرطة، وتنطوي تلك المذكرات على تفسير للأحداث، وعرض لتفاصيل الإجراءات والمواقف الميدانية التي تعرضت لها الشرطة في بغداد ومحافظات العراق، وسنحاول أن نسرد في هذه الحلقة من محطات من تأريخ شرطة العراق أهم الأحداث والمواقف التي واجهتها الشرطة العراقية، كما دونها الفريق الراوي في مذكراته.
عبدالجبار الراوي عسكري محترف ومتمرس، شارك في الحرب الأولى ضابطا في الجيش العثماني والتحق بعدها بالثورة العربية، وانتمى للجيش العراقي بعد تأسيسه 1921، وشغل منصب مدير إدارة البادية في الشرطة، ومتصرفا لألوية الحلة وكربلاء ومديراً للسجون وعميداً لكلية الشرطة ونائباً بالبرلمان بعد إحالته على التقاعد عام 1955.
سيرته
الفريق عبد الجبار عبد الله احمد الراوي، من مواليد راوه 1898 شارك في الحرب العالمية الأولى ضابطاً في الجيش العثماني سنة 1916 وجرح أثناء حصار الجنرال ثاونزند في الكوت ومنح وسام الحرب .
أنضم إلى قوات الثورة العربية سنة 1917 وعين في جيشها الشمالي برتبة ملازم أول وتولى فيه وفي جيش الحكومة العربية في الشام واجبات مختلفة، وبعد سقوط دمشق في يد قوات الاحتلال الفرنسي، عاد إلى العراق .
انتمى إلى الجيش العراقي عند تأسيسه في سنة 1921 برتبة ملازم أول، ونقل إلى الخدمة في الشرطة سنة 1922 لقيادة بيرق الهجانة الشمالية، وتدرج في الوظائف والرتب من معاون شرطة ملازم أول إلى درجة مدير شرطة عام برتبة فريق ..
منح أوسمة عديدة منها نوط معان، نوط الاستقلال، وسام النهضة، وسام الرافدين .
تم انتخابه نائباً في المجلس النيابي سنة 1958 وأختير لعضوية مجلس الاتحاد العربي . له مؤلفات عديدة أشهرها كتاب البادية وطبع ثلاث طبعات. وكتاب أحكام من القرآن وطبع طبعتين، ومخطوطة بعنوان من ثمرات المطالعة .
توفي في بغداد يوم 26»12»1987 ودفن في مقبرة الكرخ .
مناصب شغلها الراوي
يقول الراوي صاحب المذكرات
عملت بشرطة بغداد عدة مرات، في أوقات مختلفة، تغيرت فيها المناصب والمسؤوليات، فقد عملت معاوناً لمدير شرطة لواء بغداد في العشرينات وعملت مديراً لشرطة لواء بغداد في عقد الثلاثينات كما عملت معاوناً لمدير الشرطة العام للحركات، ثم مديراً عاماً للشرطة في عقد الأربعينات وأخيراً عميداً لكلية الشرطة في الخمسينات.
كما عهدت إليه وظائف
مدير إدارة البادية، متصرف لواء الحلة، متصرف لواء كربلاء 1939، مدير السجون العام، ثم عميد كلية الشرطة مدير المدارس وأحيل إلى التقاعد سنة 1955
ذكريات من معاونية شرطة بغداد في الكرخ في العشرينات
يضيف الفريق عبدالجبار الراوي
التحقت بوظيفة معاون مدير شرطة لواء بغداد في الكرخ في 17 تشرين الأول 1926 وكانت تشكيلات مديرية شرطة لواء بغداد حينها تتألف من المدير، تتبعه خمس معاونيات وهي
1ــ معاونية السراي وتشمل المنطقة ما بين الشورجة والصليخ وبضمنها الأعظمية.
2ــ معاونية العبخانة وتشمل المنطقة الممتدة ما بين الشورجة حتى الباب الشرقي.
3ــ معاونية الكرخ وتشمل مناطق الكرخ وكرادة مريم والكاظمية والمحمودية ونهر دجلة بكامله ضمن حدود بغداد.
4 ــ معاونية الكرادة الشرقية وتشمل المنطقة من الباب الشرقي وحتى سلمان باك المدائن .
5 ــ معاونية شرطة سامراء وتشمل سامراء والدور وتكريت وبيجي وجميعها كانت نواحي تتبع قضاء سامراء التابع لبغداد .
وكانت قوات الشرطة مؤلفة من فرسان ومشاة فقط، ولم تكن فيها سيارة مسلحة أو سيارة للنقل وكان لمعاونية شرطة الكرخ زورقان صغيران يتسع الواحد منهما لخمسة أشخاص.
ويذكر الراوي أنه كان مخولاً سلطة محقق من وزير العدلية، لذا كان يحضر التحقيق في جميع جرائم الجنايات التي تحدث ضمن المنطقة، وكان يقوم بتنظيم التقارير الخاصة بالجرائم الواقعة.
الموظفون البريطانيون في الشرطة
كان للموظفين البريطانيين المنسبين الى مسلك الشرطة في تلك المرحلة، نفوذ وسلطة كبيرين، فمثلا كان في مقر شرطة بغداد ضابطا تفتيش بريطانيان هما الميجر بتلر و الكابتن ولكنسن .
وكان الضباط العراقيون، ومنهم مدير شرطة لواء بغداد، يتهيبون منهما ويحسبون لهما حساباً. وهذان الضابطان كانا تابعين لمفتش عام الشرطة الكولونيل بريسكوت وهو كان صاحب نفوذ وسلطة في مديرية الشرطة العامة، و يستمد سلطته من مستشار وزارة الداخلية المدعو كنهان كورنووالس ، ومع ذلك فيروي عبدالجبار الراوي في مذكراته ان مدير الشرطة العام في العشرينات الحاج سليم كان يقف بوجه الكولونيل بريسكوت بقوة ويتصدى لنفوذه، ولا يسمح له بالتدخل في قرارات الشرطة .
وكان في مركز شرطة السراي عريف بريطاني يدعى سير جنت دين ومفوض تدريب هندي أسمه واجه يقومان بتعليم المراتب الذين يعينون حديثاً في قاعة تقع عند سطح مديرية شرطة لواء بغداد .
الراوي يحارب الفساد في الشرطة
تبين لي من خلال تحقيقاتي، أن مأمور مركز شرطة الكرخ المدعو المفوض توفيق كانت له علاقة بالسراق، وكان متفقا معهم حول السرقات، وذلك لأنه كان ملتزما من قبل ضابطي التفتيش البريطانيين، وحين أصررت على إحالته للمحكمة، بعد أن كشفت هذه العلاقة المشبوهة، فقد دبرت لي مكيدة وتم نقلي إلى شرطة بعقوبة في 24»5»1927.
وبعد التحاقي بشرطة بعقوبة جاء مدير الشرطة العام الحاج سليم إلى لواء بعقوبة للتفتيش، فقال لي
لقد عاقبنا المفوض توفيق بتنزيل الدرجة مع غرامة نقدية، فهل يرضيك هذا ؟.
قلت له
كنت افضل أن يساق إلى المحكمة لكي تبرهن الشرطة بوضوح إنها لا تتستر على عيوب المنتسبين اليها، ولكي يكون هذا الإجراء رادعا للآخرين الذين تحدثهم نفوسهم بالإساءة إلى واجباتهم، وفعلا تمت إحالة المفوض المذكور على المحكمة وعوقب .
الراوي يشغل منصب مدير
شرطة لواء بغداد
في الثلاثينات كان المنصب الأول الذي شغله الراوي هو معاون مدير الشرطة العام للحركات، إلا إن وزارة الداخلية طلبت منه في 25 ايلول 1935ان يشغل منصب مدير شرطة لواء بغداد، ويقول الراوي
لقد وجدت في بغداد بعض الأمور التي عددتها مخالفة للعدالة، إذ كان المشبوهون بالسرقات يحتجزون في المراكز ليلاً، خوفاً من ارتكابهم السرقات. فلم أقتنع بهذا الإجراء لأنه مقيد للحرية، ومخالف للعدالة، فالشخص إما أن يكون بريئاً فتترك له حريته، وأما أن يثبت ارتكابه جرماً ما، فيجب تقديمه إلى المحاكمة، لذلك أبطلت هذا الإجراء، وأنشأت خفارة للمراكز، وأخرى لمراقبة الدوريات، وجعلت هذه الدوريات مع الحراس مسؤولين عن حوادث السرقة التي تقع ضمن مناطق واجبهم، باعتبارهم أما شركاء في الجريمة أو مهملين لواجباتهم… وكنت كلما حدثت سرقة في منطقة ما، طلبت توقيف حراسها ودورياتها باعتبارهم مهملين لواجباتهم . وباتخاذ هاتين الخطوتين انعدمت السرقات في العديد من مناطق العاصمة تقريباً. الأمر الآخر الذي لم يرقني، هو قيام الشرطة، خلال الليل، بطرق أبواب الأشخاص المحكوم عليهم بوضعهم تحت مراقبة الشرطة ليظهروا مبرهنين وجودهم في الدار، خاصة الأشخاص المحكومين بقضايا سياسية، لذلك أصدرت أمرا بإبطال هذا الأسلوب غير المقنع، والذي يزيد من كراهية الشرطة، لقد كان كل همي أن ينام الناس في بيوتهم مطمئنين ملئ عيونهم آمنين.
قصة توقيف جورج نعيم
في أحد الأيام، كان وزير الداخلية على خط الهاتف، يحادث مدير شرطة بغداد عبدالجبار الراوي، طالبا منه أن يقبض فورا على شخص إسمه جورج نعيم ، فما كان من مدير شرطة بغداد إلا أن يجيب
سيادة الوزير، من الأفضل أن يأتيني هذا الأمر عن طريق متصرف لواء بغداد ..
فوافق الوزير على مضض على ذلك، وبعد أقل من ساعة كان المتحدث على الهاتف هو متصرف بغداد شخصيا، وهو يطلب من مدير شرطة بغداد توقيف نفس الشخص جورج نعيم ، فما كان من مدير شرطة بغداد إلا أن يطلب من متصرف بغداد أن يعزز هذا الأمر الشفهي تحريريا، لكن المتصرف إنزعج، وأبدى إمتعاضه من اصرار الراوي على عدم تنفيذ امر الوزير وامر المتصرف، لكن مدير بغداد أصر على مبدأه موضحا للمتصرف أن هذا هو الطريق القانوني السليم، لأن الشرطة لا تقبض على الناس دون أوامر قبض صريحة وتحريرية وواضحة مع ذكر التهمة.
مدير الشرطة يرفض امر الحكومة بالرقابة للحد من تصرفات الملك غازي الشخصية
عدّت وزارة ياسين الهاشمي بعض سلوك الملك غازي وتصرفاته الشخصية لا تليق بملك البلاد، لذلك فقد أقدمت وزارة الداخلية على بضعة إجراءات وابتداءً من 14 حزيران 1936 للحد من تصرفات الملك.
فأحدثت مثلا مخفرا للشرطة بجوار قصر الملح الحارثية الذي اتخذه الملك قصرا ثانيا له يقضي فيه اكثر اوقاته. ولم تكتف الوزارة بذلك، فأرادت أن تبعد عنه سائق سيارته إبراهيم ، إلا أنها اتبعت طريقة غير مألوفة، فبدلاً من أن تتبع الإجراءات القانونية، فقد طلبت من مدير الشرطة العام أن يهيء أشخاصاً يتشاجرون مع السائق المذكور في إحدى الليالي، لاتخاذ ذلك ذريعة لتوقيفه وإبعاده عن مصاحبة الملك.
ولما جرت محادثة مدير شرطة بغداد بذلك، فقد إستنكر هذا الإجراء وقال لمن بلغه الأمر
إنه من العار على الحكومة أن ترتكب مثل هذا التزوير الشائن، ولكن في إمكان الشرطة القبض على السائق وزجه في السجن فقط في حالة مشاهدته وهو في حالة سكر بيّن، أو عند إرتكابه جرما مشهودا، وبخلاف ذلك يمتنع مدير بغداد عن المشاركة في تنفيذ إجراء غير قانوني.
يقول الراوي في مذكراته
إن معارضتي للأمر ليس فقط لأنه يمس ملك البلاد، ولكن لأنه مخالف للقانون والعدالة، ولاعتقادي إن كل حكومة تزور الحقائق مهما كانت الغاية من ذلك العمل، تمهد لنفسها الزوال.
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP07