الشاعر نبيل محمود
ضوء الحكمة المتأخرة في نفق المفارقات
حمدي العطار
بغداد
يبدو ان الهام الشعر اخذ لا يفارق شاعرنا “نبيل محمود” وقرر بأن زمن الصمت غير مقبول من النواحي الفكرية والادبية وواجب الضمير، فبعد صدور ديوانه الاول “رزايا الحكمة المتأخرة ” سنة 2013 وكنا قد توقفنا عند شاعريته وجملة الافكار المطروحة في الديوان وتفسير تأخر نشرها ،لم يمهلنا وقتا طويلا وهو يضع بين ايدي القراء ديوانه الثاني والذي يحمل عنوانا مثيرا للجدل (المفارقات) الصادر سنة 2014 من دار ومكتبة الامير “بيت المتنبي” ويعتني الشاعر كثيرا في وضع العنوان،فلم يختار مثل الكثير من الشعراء عنوانا للديوان مشتق من عنوان احدى قصائده الذي ضم (29) قصيدة وبعناوين اكثر جاذبية من (المفارقات) لكنه اراد من القراء ان يعدون كل ما جاء في ديوانه ليست قصائد بل مفارقات !
فماذا تعني المفارقة عند “نبيل محمود” -هي قول شيء والايحاء بقول نقيضه – او قول شيء تستثير لا تفسيرا واحدا بل سلسلة لا تنتهي من التفسيرات المغيرة- عبد الواحد لؤلؤة في موسوعة المصطلح النقدي (بأن صاحب المفارقة “المتطور جدليا” المليء الذهن،لا يقصرفي رؤية المفارقة في أي شيء اذا اراد ذلك، فثمة سياق من التناقض دوما في مكان او آخر) فهل يرغب شاعرنا بأن نحس بالمفارقة بأعتبارها (مغالطة أو خطأ تاريخي) فرض نفسه على الواقع والمشهد السياسي والاجتماعي في العراق لنرى المرادفات تزاحم الفهم المبسط فيكون الاحتلال – تحرير ،والمقاومة ارهاب ،او الارهاب مقاومة، والفساد اعمار،والسقوط تنمية ونهوض،ام يريد ان ينبه القارئ الى التناقض الظاهري الواضح بين المكونات وعملية تجاهلها تصعب الفهم ولا تساعد على الحل!!. { { {
ومن عمق الادب العالمي نستذكر رواية الشيخ والبحر ونحن نقرا قصيدة “البحر والشاعر وقصيدة”- مر الشاعر بالمدينة – يدندن بكلمات مسحورة- على انغام الناي- نزل الشاطئ الرملي- حافي القدمين وضاجع اول موجة بيضاء- قذفها البحر الازرق” لا يكتفي الشاعر في التلميح لبيان انحيازه الى المحرومين والفقراء والعظماء المهمشين “عند الصباح – عثر الناس بين البر والماء- على شاعر غريق – تحضنه بحب – قصيدة عذراء”،ليس الحل عند الشاعر هو الهروب الى الامام لأن القائمين على الشأن العام لايعطون كل انسان حقه وتبدي القسوة على ابنائها “أوطان تكنس أبناءها كالغبار- وتقيئهم من أحشائها …… وفي الغربة يكون الوضع اصعب بسبب البيئة والتكيف الاجتماعي والتناغم العاطفي “كم هي باردة موحشة دروب السفر – اهو المعطف فقط – ما تركناه هناك – ام سنوات منطفئة في ازقة موحلة” ولم يتحرر الشاعر من نقمة الخوف وهو يشد الرحال الى المجهول الموحش “علاقتنا بالوطن كانت مريبة – للحيطان آذان وللخوف عينان” ولا يرى الشاعر في تبديل الاماكن بل في تغير من يسيطر على المكان لأن “لكل مدينة أسوارها وأسرارها – سجونها وجلادها” وهنا يضرب الشاعر على وتر المفارقة ليقول “كان الوطن يصغر- وكنا نكبر ونكبر ونكبر- قال مهرج المدينة العابث- لنؤجر الاوطان ونهاجر – مسكين مهرج الأوطان- لم يعرف أن الاوطان – قد رهنت منذ زمن بعيد- بسبب صفقة بيع مجحفة!” وحينما يسافر المطاردون لا يحضرون حقائبهم ولا يحملون جواز سفرهم ولا يودعون احبائهم حتى تذاكر السفر ليست في جيوبهم “لا مكان للفقراء في الطائرات- لا مكان للفقراء في القطارت – قوارب الموت- سرت بنا بصمت – فالبحر قدرنا- كم بللنا البحر؟…. تحت ضغط الجنون – نيراننا كانت صديقة..!”(1) شاعرنا مسكون بالماء فهو لا يترك البحر حتى ينتقل الى المطر رمز للحب والنماء والتفاؤل “أنت والمطر- غمرتماني- فأطلقنماني – طفوت فوق العالم- كالحلم المشبع بالحب – تلمع به الصور- يرقص فيه النغم- يقطر منه العسل – لقد أزهر فينا المطر – ” انها دورة تكوين المطر ومثلما يخلق المطر عند السياب الحزن فأن نفس المطر يخلق عند شاعرنا السحر والفرح والعشق ولم يكن يعلم بأنه لا يعيش الواقع بل هي مجرد تخيلات واحلام تحلق في السماء بين الغيوم والنجوم “حين لمستك – تصبب الشعر مني – وراح صوتك في دمي يغني- وفاح منا المطر” هو ما تعتقده انت موعدا مع الحبيب الذي تشم من فمه رائحة المطر عن القبل لكن المفارقة عند الشاعر هي “حين أقتفيت ذات عمر بهجة الأنهار – لم أكن أعلم- أن موعدنا المطر-!! (2) كل الشعراء يعشقون مدنهم ويتغزلون بها كأنها الحبيبة،ومن قال بأن الحبيبة لا تجرح حبيبها ومن يؤكد لنا بأن بغداد المكان هي نفسها بغداد في مخيلة الشاعر لأن “الشعراء والصور صمتوا- والنواسيون فارقوا أبا نواس-تكسرت الأقداح-وتكدرت في خوابيك الراح- ورائحة سمك المسكوف- ما عادت تلفح شواطئ دجلة-الأمواج متوجسة من لمس الرمل – فالأكف قست أصابعها- وراحت تجرح الماء كالأنياب- خفتت أغاني آخر الليل- وانطفأت أضواء اعمدة النور- ياه يا بغداد ما كل هذا الظلام؟!” ولا يملك الشاعر الا الغضب والرثاء فهل تموت المدن كما البشر”يا لقلبك – كيف يخفق؟!- وقد ودعتك الأعياد؟! – ألم يحترق قلبك بعد في هذه النار؟- ودخان احتراقك – يجتذب من كل الصحارى- المزيد من التتار- فهل عشت كل هذا العمر – لكي أبكيك وأرثيك يا بغداد؟!” لكنه لم يرمي التراب على مدينته وهي في الرمق الاخير ، هو يريدها ان تعيش وتتألق بل ان تصبح حرة “ووجهها يضحك – فـ(نصب الحرية) تحت الشمس – في قلب بغداد لا يزال”(3) يحاول الشاعر ان يعبر عن الصرخة في الولادة التي تعني العافية وبين صرخة الالم للرجل الناضج “منذ اللحظة الأولى- اللحظة التي سقطت فيها وارتطمت بهذا العالم- اللحظة التي شممت فيها رائحة هذا العالم- صرخت عاليا- وفي الستين ما زلت اشم- رائحة حرائقه التي لم تنطفئ بعد- واصرخ عاليا” ومن مخاض التجارب الانسانية وصعوبة القبول بالظلم يتوصل الشاعر بأن الصرخة الاولى هي صرخة احتجاج ايضا “والآن بعدما زحفت ومشيت وتعكزت- في هذا العالم- ورأيت منه وما فيه- من فظائع واهوال- فهمت سر الاحتجاج الأول للانسان- وسر صرخته الأولى – عند استنشاق- رائحة هذا العالم”(4) وأذا كان (الحجيم هم الاخرون) كما يقول سارتر فأن الوحدة موحشة جدا ويجيد شاعرنا تجسيدها وملامح المعاناة لمن يجربها “كطائر مرتعش بين الرغبة والذكرى – يفتح الفجر باب القفص- فيهرب حلم- الارق الأزرق يترك الدمعة العارية- تغفو على الوسادة البيضاء- كبقعة حزن”(5) ويرى الشاعر بأن الموت حتمي وهو ليس حدثا حزينا بشرط أن يأتي في موعده وليس قبل او بعد الاوان فهو يحاور الموت “نعم ،كنا نلتقي في نهاية الأمر- ولكنك لم تكن تطلبنا- قبل الأوان- فما الذي أثار نهمك- وفتح شهيتك اليوم؟- صرت تأكل حد التخمة- وتمضغنا حصرما قبل النضج-اقتنيت مركبات كثيرة – تعينك على حملنا- من طرقات المدينة – طالت قافلتك ” نعم يركز الشاعر على الموت قبل الاوان وعلى زيادة غلة الموت قياسا بأستمرار الحياة وبالطبع هي حياة خطرة وليست سعيدة”البعض مات بالحرب- وبالقهر مات العض- هل ضاقت بنا الارض؟-وهل جف الحب؟- وحتف كدحه- قارب القبر حي- والحياة فيه محض وهم- الكثير مات بصدفة عمياء- وبوغد نعيم داعر- من مئذنة شمطاء- تدعوه الى موائد الفناء- الوليمة اكبر من ان تحصينا- والطعام مهما تكاثرنا يكفينا- فالدعوة عامة للجميع”(6)حينما تتأمل رؤية الشاعر في الربط بين المتناقضات تعطي له الحق في ان يتساءل كثيرا ونحن معه عن العلاقة الطردية بين الموت وثروة النفط”هذه الارض- كلما سفك الدم فيها اكثر- تفجرت بالنفط اكثر فأكثر- بين بئرين – يرصف الحاكم طريقا- من الجثث – يمتد من الشعب الى العرش- بين وردتين طويت منديل عشق أحمر”(7) يبحث الشاعر عن البراءة والصدق فلا يجدهما الا في الطفولة “كل صباح- اسحب نفسي منك- همسا منسلا كخيط من وشاح- اتيه من جديد في النهار- ادور حول نفسي- يعقدني عالم الكبار- في نسيج الكذب- واغلق في شباك التعب- انفض نفسي- وقبل انقطاع خيط الوشاح- اعود طفلا جائعا في المساء- اغرف من شفتيك حسائي- وفي عينيك اراقص خيال الماء”(8) لا بد من وجود النموذج في حياتنا ويرى “نبيل محمود” نموذجه في الشاعر (ناظم حكمت) ولماذا ناظم بالذات؟ لأن حياته واشعارها متطابقة ،مواقفه ومبادئه متشابه ،لأننا نتعلم من هؤلاء معنى الحياة”أيه يا ناظم كم من الوقت كان مطلوبا- لنعرف ما عرفت- عرفت مبكرا جدا – ان عظام الثوار- اقوى من الانكسار- داخل السجون” وهل يستطيع الحاكم ان يكمم افوه الشعراء “من غباوة السلطان – وان كل قضبان العالم – لن تخنق حنجرة شاعر – ولن تحبس قصيدة – ولن تكبت حلما – وان الاشعار- ستحلق خارج القضبان- وتحط في قلب الانسان” ونحن نتساءل هل يمكن ان يكون الوطن سجنا مرهونا فماذا يكون مصير المواطن الشاعر”وطنك الذي كان سجنا- ومنفاك الذي صار وطنا- وطنك اليوم تعلم الغناء- وصغيرك قد كبر-وتعلم الغناء- والقصائد الأجمل- عادت من منفاها- ووصلت الى وطنك اخيرا!!”(9) ولا ينحصر النموذج عند الشاعر في ناظم حكمت فحسب بل هو يرى موقف واثر مانديلا عظيما”وفي السماء الافريقية- زها نجم ((مانديلا)) بعدما مزج كل الالوان- في لوحة انسان” مانديلا وقدرته على الصفح والتسامح اخجل خصومه وحولهم من طغاة عنصرين الى اناس يؤمنون بالتنوع والتعايش وتداول الادوار “توغلا بعيدا في كل الجروح- والآن- يلوحان لكل نفس معذبة ولكل روح -وينثران على كل الاوطان”(10)
ديوان (المفارقات) لا يعطي اجوبة على التناقض الذي نحتضنه ونحن ننام يوميا معه على وسادتنا ، هو يجعلك تسأل نفسك هل انا من ضمن المفارقة ام خارج نطاقها التاريخي؟
الهوامش
1-هجرة ،2-انت والمطر،3-بغداد،4- صرخة،-5- ليلة موحشة ،6- الموت السعيد،7- مسافر،8- صباح مساء،9- ناظم حكمت،10- نجم ومانديلا
























