إعادة كتابة التأريخ : مدرسة الحوليات الفرنسية أنموذجاً

إعادة كتابة التأريخ : مدرسة الحوليات الفرنسية أنموذجاً

حميد ياسين ناصر

اختلف الباحثون العراقيون،لاسيما المؤرخون في أيجاد ذاكرة موحدة لتأريخهم،وتبعا لذلك اختلف العراقيون بجميع طوائفهم واثنياتهم وقومياتهم على تأريخ البلاد. يعد هذا الموضوع من اخطر المسائل لأنه يشارك بصورة كبيرة في بناء هوية الأمة. لقد كانت كتابة التأريخ ،وما زالت،موضوع الصراع على السلطة حيث يقوم أصحاب القرار في السلطة السياسية بتسييس التأريخ لصالحهم ضد فئة أخرى معارضة. و قد سار التأريخ العراقي على هذا النهج منذ أقدم العصور حتى تراكم هذا الموروث و الحقب التاريخية المؤدلجة و المطيفة و اليوم نرى تراكم هذا الخلاف و نلمسه في خطابات الساسة العراقيين (روافض وصفويون تقابلها نواصب في الحقل الطائفي،  معيدي و شروكي وإرهابي في الحقل الاجتماعي و شوفينية في الخطاب القومي و الكثير من العبارات المفرقة التي خلفها التأريخ المسييس). إذن،  أي نوع من التأريخ نكتب بحيث يلاقي قناعة و قبول الجميع ؟ أي كتابة للتأريخ حرية بجمع الفرقاء على الاقل الاتفاق على تأريخ العراق الحديث الذي شهد كما كبيرا من الحروب و الايدلوجيات والتناحر و العنف ؟ يعاني البحث العلمي والأكاديمي في العراق خصوصا في مجال العلوم الاجتماعية من الأسلوب السردي العشوائي،حيث لا يهتم الباحث إلى أين يقوده هذا السرد و ما هو هدفه و الفائدة العلمية التي يمكن بها أن يخدم البحث و الباحثين. لا يترك السرد بطبيعة الحال حيزا إلى التحليل العلمي، هذا إذا ما قلنا أن أكثر البحوث تفتقر إلى الهدف والإشكالية. يوجد هناك بالطبع من شذ عن القاعدة السردية و ركز على التحليل الاقتصادي و الاجتماعي أمثال علي الوردي و شاكر مصطفى سليم و عبد العزيز الدوري و بشكل اقل بدري محمد فهد. يجب أن تكون هناك صحوة ضد المجتمع الأكاديمي و البحثي المحافظ. يجب أن يتخلى أستاذ الجامعة عن أوراقه الصفر،  من شدة القدم،  التي يمليها على طلبته منذ عشرات السنين و يستبدلها بأفكار وأساليب جديدة تتناسب و التطورات المجتمعية و الاقتصادية و السياسية. كما يجب أن يتحرر الباحث من الدولة الريعية التي تحاول احتواء كل شيء و تسييس التأريخ. وهو ما تحدث عنه علي الوردي في اغلب مقدمات كتبه حيث تناول باستمرار موضوعية الباحث و المسافة التي يجب أن تفصله عن الحدث لتحاشي التسييس و الطائفية. و قد تناول ذلك عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بإسهاب في كتابه (العالم و السياسي). و هو ما ركز عليه الجيل الأول للحوليات مارك بلوخ و لوسيان فيفر بقولهم (يجب أن يكون التأريخ مستقل و بمنأى عن كل تأثير و لا تتحقق هذه الاستقلالية إلا إذا اخذ المؤرخ مسافة تفصله عن الموضوع الذي يريد دراسته) ،و هذا ما يعبر عنه بعلاقة المؤرخ بالزمن.  أن احد الأسباب التي دفعت المؤرخ لوسيان فيفر بتأسيس الحوليات و ضرورة إعادة كتابة التأريخ هو كهولة المجتمع الجامعي في فرنسا و إصراره على السير بمنهج مدرسة التأريخ الكلاسيكية. ومن مساوئ  كتابة التأريخ التي أشار إليها فيفر انه كان أداة لخدمة الجمهورية الثالثة في فرنسا حيث كان يدرس كبروباكندا لخدمة النظام السياسي. حاول المؤرخون الفرنسيون على سبيل المثال تبرير الاحتلال الفرنسي للجزائر لإقناع الرأي العام و تهدئة الوضع الداخلي في فرنسا. لذلك سعى مؤرخو الحوليات على أن لا يقتصر التأريخ على السياسة وأن لا يكون في خدمة السياسة.    لا بد أن نفيد من تجارب الأمم و الشعوب خصوصا تلك التي شهدت حروبا وأزمات مشابهة لظروف العراق. نرى أن كتاب الحوليات هو أفضل من عالج موضوع كيفية إعادة كتابة التأريخ. ما هي الحوليات و من هم كتاب الحوليات و ما هي الأفكار التي طرأت على كتابة التأريخ؟ لا شك في أن الظروف التي عصفت بأوربا في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين من حروب و أزمات اقتصادية و اجتماعية دفعت بالكثير من علماء العلوم الاجتماعية بإعادة النظر في المناهج المتبعة في كتابة التأريخ. حاول هؤلاء الكُتاب إيجاد مواطن الخلل في المناهج القديمة المتبعة في محاولة للخروج بأوربا من حالة الحروب والأزمات التي كادت أن تكون شبه مستمرة آنذاك. إلا أن المسألة لم تكن بهذه السهولة،فقد واجه كُتاب الحوليات مواجهة شرسة من أنصار المنهج التقليدي. في العام 1929، و هي السنة التي شهدت اعنف أزمة اقتصادية تلت الحرب العالمية الأولى شرع عدد من المؤرخين أبرزهم لوسيان فيفر ومارك بلوخ بتأسيس مجلة تعد الأولى من نوعها في فرنسا خلال القرن العشرين حملت اسم (الحوليات،  التأريخ الاقتصادي و الاجتماعي). لكنها لم تكن مجلة فحسب وإنما عُدت بمثابة مدرسة متكاملة لما جاءت به من أفكار و مبادئ جديدة في كتابة التأريخ.

من أهم المحاور الذي جاءت بها مدرسة الحوليات أن التأريخ يجب أن يكتب بشكل كامل، أي تأريخ شامل بحسب عبارة فيفر و بلوخ. ماذا يعني بالتأريخ الشامل و الكامل؟ أي يجب أن لا تقتصر كتابة التأريخ على الأشكال السياسية و الدبلوماسية و العسكرية .ومن الضروري أن يغطي التأريخ الجوانب الأخرى، لاسيما الاقتصادية و الاجتماعية ،التي غالبا ما يتناساها المؤرخون. بطبيعة الحال كانت هناك معاناة كبيرة في إقناع مؤرخي وأنصار المدرسة التقليدية أمثال سينيبوس ولافيس بإعادة كتابة التأريخ على أسس و أفكار جديدة كليا عن تلك المتبعة من قبل. لكن كتاب لوسيان فيفر (معارك من اجل التأريخ) احدث ثورة في مفهوم كتابة التأريخ و أصبح مرجعا يقتدي به أنصار مدرسة الحوليات. أراد فيفر في هذا الكتاب إيقاظ كسل وإهمال المؤرخين للتاريخ الشامل،أي للتاريخ الاجتماعي و الاقتصادي. الشيء الجديد والمهم التي جاءت به هذه المدرسة هو هدم الجدران التي تفصل ما بين العلوم الاجتماعية،  التأريخ،  الجغرافية،  الاجتماع و الاقتصاد بحيث لا يكون المؤرخ حبيس الأحداث السردية فحسب، ولأجل أن يكون تأريخ شامل من الواجب على المؤرخ أن يتناول كافة الأبعاد الاقتصادية،  الجغرافية و الاجتماعية ،التي غالبا ما تتوارى و تمسخ خلف الأحداث الكبرى كالحروب أو الشخصيات المعروفة ،التي كان يسميها فيرنان برودل،  احد مؤرخي الحوليات،  بأنصاف الآلهة. إن مؤرخي الحوليات ليسوا ضد الأحداث التاريخية الكبرى لكنهم يرفضون أن يهمش  التأريخ الاقتصادي والاجتماعي لصالح هذه الأحداث. يجب أن يؤخذ التأريخ بكليته. وبهذا الصدد،  يقول فيرنان برودل،  المنتمي إلى الجيل الثاني لمدرسة الحوليات،  يجب الانتفاض ضد التأريخ المقتصر على الأفراد (الأبطال) فنحن لا نعتقد بتأليه هؤلاء الأبطال كما أننا نعارض العبارة المتعالية لترتسجيك التي تقول (الرجال هم من يصنع التأريخ) بل أن التأريخ يصنع الرجال أيضا و يرسم مصيرهم.

و من الجدير بالذكر،  اهتم مؤرخو الحوليات بإعادة تنظيم العلاقة بين التأريخ والزمن من جهة و بين التأريخ و الحيز من جهة أخرى. لقد ثاروا ضد ما يسمى السرد التاريخي القصصي للأحداث و الشخصيات الكبيرة. فهم لا يؤمنون البتة بكتابة التأريخ على شكل أحداث سردية متتابعة تسير بإيقاع واحد يسوده الجمود دون تناول التحليل الاجتماعي و الاقتصادي حول الحدث أو البطل وهذا ما عبر عنه برودل بالزمن الموجز والزمن الطويل. فقد أدان الزمن الموجز الذي يقتصر على سرد الأحداث القصيرة المتتابعة و حفز على استخدام الزمن الطويل الذي يأخذ بالتحليل كافة الأبعاد الأخرى عن طريق الدخول إلى العلوم الاجتماعية ،خصوصا السوسيولوجيا و الاقتصاد و الجغرافيا. يبرهن برودل حديثه هذا عن الزمن الموجز و الزمن الطويل بقوله ” كتب التأريخ الكثير عن الحرب العالمية الأولى لكنه لم يمنع الأزمة الاقتصادية التي تلت الحرب عام 1929. إن تأريخ الأغلبية هو ليس تأريخ بضعة شخصيات على المسرح العالمي وان الأحداث الكبرى هي ليست بالضرورة الأحداث الأكثر أهمية،  في نفس الوقت هناك أحداث مختبئة و غير مرئية بالنسبة للمؤرخ باستطاعتها أن تغير حياة العالم”. أما عن علاقة التأريخ بالحيز، فأن مجمل المفاهيم التي جاءت بها مدرسة الحوليات فتحت الطريق أمام دراسات وأفكار جمة ليس في مجال التأريخ فحسب بل في كافة العلوم الاجتماعية. على اثر ذلك،  ظهرت طرق أخرى في التعامل مع الحدث،فأخذت الدراسات الميدانية ethnographie طريقها بدراسة الحدث لتقوية وإسناد الوثائق وبدأت الجدران الموصدة الفاصلة بين مختلف العلوم الاجتماعية  بالانهيار ليتحرر علماؤها من عزلتهم وإعلان عهد جديد في كتابة التأريخ. من الأفكار المهمة التي جاء بها مؤسسو الحوليات التي يمكن لها أن تثري الباحث العراقي في ظل الظروف الراهنة هو دراسة الماضي من خلال الحاضر، أي على المؤرخ أن يدرس التأريخ وفقا للظروف و الأزمات التي يعيشها. إن الفائدة المرجوة من ذلك هو تنظيم البحوث تبعا لحاجة المشاكل والأزمات المعاصرة الواجب حلها. انطلق فيفر في كتابه عن فيليب الثاني من مشكلتين أساسيتين كان قد عاصرهما : الأولى تكمن في تشجيع مختلف العلوم الإنسانية على التفاعل و العمل سوية،أما الثانية فحاول معالجة الأزمات و المشاكل الأمنية التي عاصرها.

أتمنى،  من خلال هذه المقالة،  أن يعيد الباحثون النظر في طريقة الكتابة ليس في التأريخ فحسب وإنما في مجمل العلوم الاجتماعية. إن أهمية العلوم الاجتماعية يحفزنا إلى أن نبذل الجهد الكبير لتجريدها من كل تأثير و احترام المسافة بين الباحث و موضوع الدراسة ليتسنى لنا تحقيق تطور ملموس في الجوانب الاجتماعي و الاقتصادية و العلوم الإنسانية الأخرى.وان فتح النقاش حول هذا الموضوع سيكون ذا فائدة للبحث التاريخي ومناهج التاريخ في العراقي.

{ مدرسة العلوم الاجتماعية للدراسات العليا – باريس