دستور 2004 لم يتطرق إلى النفط والغاز بوصفهما ثروة وطنية

دستور 2004 لم يتطرق إلى النفط والغاز بوصفهما ثروة وطنية
الحكومة الإتحادية ببغداد مخوّلة بمشاركة الأقاليم في رسم الاستراتيجيات
طارق حرب
صرح رئيس البرلمان ان الخلافات بين الكتل السياسية تؤخر صدور قانون النفط والغاز واذا كانت اهمية صدور القانون تفوق اهمية وخطورة اي قانون آخر فان الامر يتطلب القاء نظرة دستورية قانونية تاريخية على النفط العراقي. حيث نهايات الدولة العثمانية عندما كان العراق جزءا من الدولة العثمانية وبدأ تحرك الشركات الانكليزية للحصول على امتياز النفط العراقي وحقا رفض السلطان العثماني عروض الشركات الالمانية ومنح الشركات الانكليزية هذا الحق بتأثير من مستشاره البرتغالي المستر كولبنكيان مقابل 5 بالمئة تدفع الى هذا المستشار حيث سمي مستر 5 بالمئة والذي انشأ حفيده ملعب الشعب الدولي وبعض القاعات الرياضية لاسيما في الكلية العسكري نهاية الستينات وبداية سبعينات القرن الماضي علما ان الدستور العثماني لم يتطرق الى احكام النفط والغاز.
وبعد قيام الحكم الوطني عشرينات القرن الماضي لم يتطرق دستور 2005 الى النفط والغاز واستمرت الشركات الاجنبية في استثمار النفط، ولكن في تلك المدة تقدم وزير المالية مقترحا لاجل مساهمة العراق في رأسمال الشركات عن طريق الاقتراض من البنوك الاوربية وجعل حصة العراق ضامنة لتسديد القرض اي ان العراق لا يدفع فلسا واحدا من المال العراقي للاسهام والنتيجة اذا تحققت الارباح فهي للعراق واذا حصلت الخسارة فان العراق لن يخسر شيئا سوى الحصة التي حصل عليها بدون مقابل وكانت على سبيل القرض كما اقترح الوزير العراقي اليهودي ساسون حسقيل ان يكون الدفع اما بالعملة البريطانية واما بالذهب او ما يسمى بشرط الدفع بالذهب بالرغم من ان العملة ولكن هذه المقترحات لم تر النور ولم تتحقق.
نفط وغاز
ولم يتطرق دستور الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والاردن الى النفط والغاز الذي طبق لعدة اشهر سنة 1958 وكذلك لم يتطرق دستور الجمهورية الاولى جمهورية عبد الكريم للنفط والغاز ولكن صدر في هذا العهد القانون 80 لسنة 1960 حيث حدد اراضي شركات النفط بالاراضي التي يتم استثمار النفط فيها واعادة الاراضي الاخرى للسيطرة الحكومية ولاهمية النفط على الصعيد الدولي فقد دعت حكومة عبد الكريم لمؤتمر للدول المصدرة للنفط وهي العراق والكويت والسعودية وايران وفنزويلا لعقد مؤتمر وبموجب هذا المؤتمر تم تأسيس اهم منظمة دولية بعد منظمة الامم المتحدة هي منظمة اوبك بعد عقد المؤتمر في بغداد.
اما الدساتير الصادرة في الجمهورية الثانية 1963 والجمهورية الثالثة 1964 ودستوري الجمهورية الرابعة 1968 و1970 فقد اوردت عبارة الثروات الطبيعية ملك الشعب وملك الدولة وفي سنة 1972 تم تاميم الشركات الانكليزية والهولندية النفطية وحلت محلها شركات برازيلية وفرنسية وسواها حيث تم تأميم شركة نفط العراق I.B.C وشركة نفط البصرة B.B.C وتم انشاء شركة النفط الوطنية وبعدها تم تأسيس شركة النفط الشمال وشركة نفط الجنوب. وفي مشروع دستور 1991 اورد لاول مرة ذكر للنفط والغاز حيث قرر ان السلطة المركزية تتولى حصريا استثمارا النفط والغاز. وبعد غزو الكويت صدر قرار مجلس الامن الدولي 661 لسنة 1990 متضمنا حظر استيراد البضائع والسلع من العراق بما فيها النفط والغاز حتى ان النظام السابق بعد صدور هذا القرار اعلن التزامه بتسليم النفط لاية جهة ترغب الحصول على النفط العراقي باستثناء اسرائيل ولكن جميع الجهات رفضت النفط العراقي حتى ولو كان مجانا.
ثم صدر قرار مجلس الامن 712 في 19»9»1991 متضمنا التصدير الجزئي للنفط على ان يتم استقطاع 5 بالمئة ودفعها كتعويضات عن احتلال الكويت هذا ما يسمى بمشروع النفط مقابل الغذاء حيث كان يتم تصدير قليل من النفط العراقي على ان تدفع عوائد النفط الى حساب تابع للامم المتحدة وقد استغل النظام السابق هذا المشروع عن طريق ما يسمى كوبونات النفط وهي الرشاوى النفطية التي كان يدفعها النظام لمناصريه وكان طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية الجهة الاعلى في مسائل النفط واستمر الحال كذلك حتى صدور قرار مجلس الامن 1483 لنسة 2003 بعد الاطاحة بنظام صدام الذي فتح المجال اما تصدير النفط مع الابقاء على استقطاع نسبة 5 بالمئة كتعويضات حيث بلغت العشرات من المليارات الدولارات التي تم استقطاعها وتم انهاء مشروع النفط مقابل الغذاء وتصفيته بقرار مجلس الامن 1956 لسنة 2010 والذي تحفظت عليه فرنسا لان المصرف الفرنسي كان يتولى ذلك. ولم يتطرق الدستور الانتقالي قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 الى النفط والغاز ولكن المادة الخامسة والعشرين والتي حددت الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية نصت الفقرة هـ منها على ان ادارة الثروات الطبيعية للعراق والتي تعود لجميع الاقاليم والمحافظات في العراق تعود للحكومة الاتحادية بالتشاور مع حكومات وادارات الاقاليم والمحافظات وهكذا فان النفط والغاز كونه من الثروات الطبيعية وادارته تكون من الاختصاصات الحصرية للحكومة المركزية في بغداد وان اوجب الدستور التشاور فقط مع الاقاليم والمحافظات.
وفي المدة التي تلت صدور الدستور الانتقالي تم استخراج النفط من اقليم كردستان وتم استثماره بعقود تولت حكومة الاقليم ابرامها مع الشركات النفطية.
عقود قانونية
وبعد تشكيل حكومة المالكي الاولى في شهر ايار 2006 حدث تغيير كبير في مسائل النفط والغاز فلقد ارتفعت صادرات العراق النفطية بشكل كبير عما كان عليه في الفترات السابقة وتولت الحكومة تاسيس شركة نفط ميسان وشركة نفط واسط وتولت عقد جولات التراخيص مع شركات النفط العالمية على اساس عقد الخدمة حيث تتولى الشركات الاجنبية تقديم المال والعمل والاستثمار ويتم استقطاع حقوقها من واردات النفط الذي يتم استخراجه مستقبلا وحقا فان بعض الشركات قد تولت اكمال الاستثمار وتصدير النفط وحيث ان الدستور اشترط موافقة البرلمان على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وليس العقود فان اجراءات الحكومة الاتحادية كانت عقودا مع شركات وليست الاتفاقيات ومعاهدات مع دول لذا فان هذه العقود تعد عقودا قانونية ولا تؤثر في ذلك القوانين التي اصدرها النظام السابق والذي كان يشترط صدور قرار من مجلس قيادة الثورة المنحل وذلك لصراحة الدستور الجديد ولانتهاء مجلس قيادة الثورة لاسيما وان جميع العقود تتم بالاستناد الى قانون الشركات الصادرة سنة 1997 والذي مازال نافذا وان الموضوع لا يتعلق بمشاركة الشركات الاجنبية وانما هي عقود خدمة وعمل ومعدات تقديمها الشركات النفطية الاجنبية الى العراق.
بيان رأي
وصدر دستور 2005 النافذ من تاريخ الاستفتاء الشعبي 15»10»2005 وخلافا لجميع الدساتير العراقية السابقة بما فيها الدستور الانتقالي فان الدستور الجديد افرد مادتين للنفط والغاز هما المادة 111 و112 وقد جاء هذا الدستور باحكام تفصيلية للموضوع فبعد ان عزفت الدساتير السابقة عن مسألة النفط والغاز ما خلا الدستور الانتقالي الذي وضع شرط التشاور اي المشورة وبيان الرأي وليست المشاركة في اتخاذ القرار الخاص بالنفط والغاز فان ظهور النفط والغاز في اقليم كردستان وتوسيع صلاحيات الاقليم والمحافظات ورغبة ممثلي الاقليم في لجنة كتابة الدستور وعدم المام من شارك في كتابة الدستور بهذه المسائل المهمة والمدة الزمنية القليلة المحددة لكتابة الدستور ورغبة بعضهم في انهاء كتابة الدستور باي شكل والتأثير الخارجي على لجنة كتابة الدستور، جعلت احكام النفط مفصلة وكثيرة وتتعدى مرحلة المشورة الواردة في الدستور الانتقالي الى مرحلة جديدة حيث وردت احكام قابلة لتسفير بعدة اوجه اضافة الى التفصيل الوارد في الدستور وكم كان الاولى بلجنة الدستور الاكتفاء بحكم المشورة فقط لاسيما وانها ماثلة امامهم في الدستور الانتقالي؟ الامر الذي يؤدي الى قطع الاجتهادات والتفسيرات والتأويلات بحيث يكون الامر مماثلا لما هو مقرر في دساتير الدول الفدرالية اذ لم نسمع في يوم من الايام ان ولاية الاسكا او ولاية تكساس في ارقى واقدم الدول الفدرالية كالولايات المتحدة صلاحية واختصاص في النفط والغاز يشابه الصلاحية والاختصاص التي قررها الدستور العراقي للاقاليم والمحافظات المنتجة للنفط وهكذا كان حيث نظم الدستور احكام النفط والغاز في المادتين 111 و112 على الشكل التالي المادة 111 تقرر ان المبدأ العام والقاعدة العامة وهي ان النفط والغاز ملك الشعب العراقي واذا رجعنا الى الجهة التي تمثل الشعب العراقي نجد انها الحكومة الاتحادية في بغداد ذلك انها تمثل الشعلب باجمعه في جميع العراق اما حكومة الاقليم فانها لا تمثل الشعب العراقي وانما تمثل جزءا من هذا الشعب وهو الموجود في الاقليم فقط وكذلك فان حكومة المحافظاة لا تمثل الشعب العراقي وانما تمثل جزءا من هذا الشعب وهو شعب المحافظة فقط بالرغم من صراحة هذا النص والحكم وانه ورد في الباب الرابع الذي كان عنوانه اختصاصات السلطات الاتحادية ولم يرد في الباب الخامس من الدستور الخاص بسلطات الاقاليم فانه خضع لآراء متعددة جلها تذهب عن الفاظ الحكم الدستوري المذكور وموقعه في الدستور بالرغم من صراحة الاحكام المذكورة.
حقول حالية
اما المادة 112 من الدستور فانها اوردت حكمين حول النفط والغاز اولهما ان الحكومة الاتحادية تقوم بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة وبالرغم من ان الدستور قال تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط الغاز وبعد ذلك اضاف عبارة مع حكومات الاقاليم والمحافظات ولم ترد العبارة أن تقوم الحكومة الاتحادية مع حكومات الاقاليم والمحافظات اي ان الدستور اناط بالحكومة الاتحادية كقاعدة عامة واضاف بعد ذلك ما يتعلق بالاقاليم والمحافظات فان التفسير ذهب خلاف النص الدستوري واخص ابعادا اخرى فلقد وجد البعض في هذا الحكم انه يتناول النفط المستخرج اما النفط الذي يتم استخراجه فانه للأقاليم والمحافظات دون ان يلاحظوا ان هذا حكم وعام وان المادة 111 من الدستور حكمت الموضوع كقاعدة عامة للشعب فان التطبيق ولاسيما في اقليم كردستان هو اختصاص الاقليم فقط في موضوع النفط والغاز عند التعاقد مع الشركات النفطية خلافا للحكم المذكور. اما الحكم الثاني الذي ورد في المادة 111 من الدستور فهو ما يتعلق بالسياسات الستراتيجية لتطوير النفط والغاز حيث اناط بالحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات شريطة ان يحقق ذلك اعلى منفعة للشعب العراقي الذي تمثله الحكومة الاتحادية ولا خلاف في مشاركة الحكومة الاتحادية للاقاليم والمحافظات برسم هذه السياسة ولكن الخلاف في ان هذا الحكم جعل للحكومة الاتحادية القول الفصل في ذلك لانها تمثل الشعب العراقي ومع ذلك فان هذا الحكم كان محلا للتغيير والتأويل خلافا لنصوصه في تقديم مصلحة الاقليم والمحافظة على مصلحة الشعب الذي تمثله حكومة بغداد. وبالنسبة للمشاريع المقدمة بشأن تشريع قانون النفط والغاز فانه سيكون محلا للمناقشة المفصلة في الجزء الثاني من هذه المقالة.
/5/2012 Issue 4209 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4209 التاريخ 26»5»2012
AZP07