أربيل على مفترق طرق بين بغداد وأنقرة

أربيل على مفترق طرق بين بغداد وأنقرة

عماد علو

يعمل الأكراد العراقيون على التقرب بشكل وثيق من أنقرة في الوقت الذي تنجرف فيه بغداد بعلاقاتها بعيداً عن أنقرة منذ رحيل القوات الأميركية عن العراق قبل اكثر من عامين ، و تشكل قضايا النفط وطرق تصديره ومستقبل كركوك واوضاع التركمان بالإضافة لقضية حزب العمال الكردستاني التركي ، أبرز القضايا الت تتمحور حولها العلاقات بين كل من بغداد وانقرة واربيل،  والسمة المميزة لهذه الخلافات هو تأجيلها وتفاقمها مع الوقت، لتضاف اليها مشاكل وقضايا وازمات جديدة مثل الموقف من الازمة السورية ، وقضية الموازنة وحصة الاقليم ، وازمة المياه  وغيرها ، ومع هذا التراكم للخلافات ، تشتد الأزمة بين المركز والإقليم ويتحول التحالف بين الأكراد وائتلاف دولة القانون الحاكم إلى صراع مرير بين قطبين، وتزداد عمقا في ظل القضايا الخلافية الكثيرة والهواجس المتبادلة والمخاوف الدفينة، وتشابك العوامل الإقليمية التي تجعل من الصراع بين الجانبين على شكل كسر ذراع الآخر. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين انقرة وبغداد اليوم الذي أصدرت فيه  بغداد مذكرة اعتقال بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بتهمة الإرهاب. وبعد بقائه ]مدة وجيزة] في منطقة “حكومة إقليم كردستان” وقيامه برحلة قصيرة إلى قطر، قبِل الزعيم الهارب عرض تركيا بمنحه حق اللجوء.

وكان أكبر خروج عن نظام الاعراف الدبلوماسية والبروتوكولات  في آب/أغسطس 2012 عندما قام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بزيارة مفاجئة لكركوك المتنازع عليها – ومرة أخرى دون أن يتوقف في بغداد – لمقابلة الجماعات التركمانية العراقية السياسية. وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترسل فيها أنقرة وزير خارجيتها إلى كركوك خلال فترة دامت أكثر من ثلاثة عقود، وبذلك بعثت إشارة واضحة مفادها أن تركيا على استعداد لانتهاك العرف المقبول لدعم مصالحها في العراق. وغني عن القول أن بغداد قابلت تلك الزيارة باعتراض صارخ حتى أنها شكلت لجنة برلمانية لإدانة ذلك التحرك التركي. واستجابت تلك اللجنة بتوصيتها فرض قيود على الأنشطة التجارية التركية في العراق.

وعندما اعلنت بغداد انها  ستقوم بشراء الطائرات المقاتلة الجديدة من طراز F-16 من الولايات المتحدة، سارع  البارزاني للإعلان عن مخاوفه من احتمالية استخدام بغداد لهذه الطائرات ضد “حكومة إقليم كردستان” في المستقبل. فما كان من المسؤولين الأتراك الا أن أشاروا إلى امكانية قيام أنقرة بالدفاع عن “حكومة إقليم كردستان”.

وفي 16ـــــــــ 17 / نوفمبر/تشرين الثاني 2013 شهدت مدينة ديار بكر التركية لقاءا” تاريخيا” بين مسعود البارزاني ورجب طيب اردوغان جعل من الوضح القول أن اربيل تنجرف باتجاه انقرة اسرع من انجرافها الى بغداد وفق رغبة كردية في تعزيز التعاون مع انقرة منذ عام 2007 ، وهذا الأمر يجعل من الصعب اليوم التوصل إلى حلول توافقية ،  بين كل من بغداد وانقرة واربيل ،خاصة في ظل الانقسام الحاصل في السياسات والرؤى بشأن الأزمة السورية ودور العوامل الإقليمية (إيران وتركيا) المغذية للصراع، الامر الذي قد  يثير حفيظة إيران الحليف الدائم لحكومة بغداد .

وفي الوقت نفسه أضرت هذه التطورات ذاتها بالعلاقات القائمة بين أنقرة وبغداد. وترى الحكومة العراقية أن تعاملات تركيا المباشرة مع أربيل تُعد بمثابة إهانة لسلطتها وتحقيراً لنفوذها، تجسد بتصاعد ازدراء أنقرة للمالكي . وقد اضافت قضية الانبوب النفطي الذي انشأه الاقليم بتعاون مع شركات تركية لتصدير نفط الاقليم بمعزل عن وزارة النفط الاتحادية ، اثار مشكلة جديدة وفاقم من الأزمة بين كل من بغداد وانقرة واربيل حول قضايا النفط والطاقة . و على الرغم من تأكيد وزير الطاقة التركي تانر يلدز أن أنقرة ستسعى جاهدة للحصول على موافقة بغداد قبل الاتفاق النهائي بشأن تصدير النفط عبر خطوط الأنابيب الذي اقامته انقرة مع “حكومة إقليم كردستان”. الا أن هذا الضمان غير مؤكد على خلفية علاقة أنقرة السيئة مع السيد رئيس وزراء العراق نوري المالكي.

واليوم، في خضم التوترات المستمرة بين تركيا والحكومة العراقية، نمت العلاقات الوليدة بين أربيل وأنقرة وأصبحت تمثل تحالفاً غير معلن ضد بغداد. ولا يزال المسؤولون في وزارة الخارجية التركية يقومون بانتظام بزيارات مكوكية إلى أربيل لإجراء مشاورات مع “حكومة إقليم كردستان” دون أن يتوقفوا لزيارة بغداد. وقد انتقدت حكومة المالكي هذه الزيارات ووصفتها بأنها “محظورة” واستشاطت غضباً من جراء ما اعتبرته مكيدة ضد الحكومة المركزية. وبدورهم قام مسؤولون في “حكومة إقليم كردستان” بسلسلة من الرحلات إلى تركيا حظيت بتغطية إعلامية مكثفة، الأمر الذي أكد ذلك التحول في اللهجة التي تشير بوضوح متصاعد الى رغبة انقرة في أخذ كردستان تحت جناحيها. وهو أمر يحظى بموافقة “حكومة إقليم كردستان” لاسيما بعد أن  تردد أن بارزاني نفسه قد اقترح هذا النوع من العلاقة المتبناة من قبل تركيا . حيث تسعى انقرة وفق اجندة مدروسة لزيادة اعتماد الاقتصاد المتنامي لـ “حكومة إقليم كردستان” على تركيا، وهو ما يعد دافعاً قوياً لأربيل للعمل ضمن المعايير التركية. ووفقاً لمسؤولين أكراد فإن تركيا هي الشريك التجاري الرئيسي لـ “حكومة إقليم كردستان”- حيث يبلغ حجم التجارة بينهما 7.7 مليارات دولار، كما أن 80 بالمئة من واردات السلع الاستهلاكية الكردية تأتي من تركيا. وبحلول نيسان/أبريل 2012، أعلن وزير التجارة في “حكومة إقليم كردستان” سنان جلبي بأن عدد الشركات التركية العاملة في كردستان  قد وصل إلى 1023 شركة، وهو يفوق عن أي بلد آخر. وقد عززت “حكومة إقليم كردستان” من نشاط هذا الزخم الاقتصادي بتقديمها حوافز ضريبية سخية لشركات تركية، تصل في بعض الأحيان إلى الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى من أعمالها التجارية. وبالإضافة إلى ذلك، وافقت أنقرة وأربيل مؤخراً على فتح معبرين إضافيين على الحدود لتخفيف عبور الناس وتدفق المنتجات بين الجانبين. ومن هنا قد يمكننا أن نفهم الطرح الكردي على لسان السيد مسعود بارزاني حول اقامة علاقة كونفدرالية مع بغداد كمخرج لإشكاليات العلاقة المتأزمة بينهما . حيث يبدو أن اربيل بدأت تنظر الى انقرة كبديل لبغداد حول صادراتها من الطاقة. أما الحكومة المركزية فلا تعتبر ذلك إهانة لسيادتها فحسب، بل أيضاً نذير محتمل لاستقلال الأكراد. حيث إن وجود قاعدة إيرادات مستقلة من صادرات الطاقة – إلى جانب تمركز قوات بيشمركة كبيرة في ” إقليم كردستان” والأراضي المجاورة خارج الاقليم  سيوفر المقومات النهائية لانفصال الاقليم ، أو على الاقل الذهاب الى الكونفدرالية ولكن يبقى السؤال المهم مع من .. هل ستـــكون مع بغداد ؟ أم مع انقرة ؟

وعلى الرغم من هذا الغموض السائد، لا تزال أنقرة تعتقد بأن مصالحها الأساسية تُخدم بشكل أفضل في ظل وجود عراق موحد ، في الوقت الذي يُعزو الكثير من المراقبين تدهور علاقات أنقرة مع بغداد – على الأقل جزئياً – إلى العداء الشخصي القائم بين أردوغان ونوري المالكي. وبالتالي، فانه في حال خسارة المالكي في الانتخابات المقبلة (المقرر إجراؤها في30/4/ 2014)، فمن المرجح أن يكون لذلك أثر إيجابي على العلاقات التركية العراقية.