الواقع والحب في قصائد الدوسكي

شاعر يخرج من دوره المعلن إلى الخفي

الواقع والحب في قصائد الدوسكي

هندةالعكرمي

تونس

بنظرة عميقة عبر الحقب التاريخية نلاحظ أن الشعر يعد معاصر ومواكب للأحداث بحسب الحقبة التاريخية التي أنتج فيها وهو ما دعانا الى النظر بالشرح والتحليل لقصائد الشاعر (عصمت شاهين الدوسكي) وتحديد مواكبتها للواقع في أرتباط مباشر بالحب وبالآخر وغير الآخر،الواقع وغير الواقع،بالحاضر وغير الحاضر والمرأة في جميع تجلياتها

وبالنظر الى مؤلفاته سواء الأدبية منها ام الشعرية، فأنه غالبا ما يعتمد على جملة من التناقضات لخلق التفرد كالحب والألم،كالحب والوطن،كالخير والشر، كالصدق والكذب كالحب والحلم، كالحب والواقع، كالحب والغربة كلها متناقضات تتأرجح بين التآلف والتناقض تحت سقف التألق والرقي الروحي للشعور بالحب ولا أدل الى ذلك من ابياته.

مهلاً يا حوريتي لاتعودي للبحر

تنفسي من أرض مساماتي

ألمسي جنة حضاراتي

الحلم أنت..ومن غيرك يدخل كأس آهاتي

جنون أنت.. ومن غيرك يحطم جناتي

أحتراق أنت.. وليس للنار حدود لمداراتي

هذا الشعور الذي تجلى في جلً قصائده بأنواع متفرقة ومتآلفة، متشتًتة ومتضامنة بين المسموح والممنوع بين الظاهر والمتستر، بين الحرية وغير الحرية، بين الأستقلالية وعدم الاستقلالية، بين ما نراه من ضعف وأستسلام ولكنه قوة وجبروت.. قوة في الكلمة.. قوة في التبليغ.. قوة في الدخول بالقارىء من عالم الواقع كما يراه شاعرنا بما يتسم به من قسوة وجراح وفوضى ووهن تحت ظل الأشباح الى عالم خيالي بما يتسم به من جمال وأستقرار وتآخ وتآزر ورونق وسحر وعفة وصدق والتزام بالنجاح والتطور والحفاظ على ماهو ملك مشترك بكل ما يحتويه (الوطن) مادياً ومعنوياً، وهو ما يعتبره الشاعر (الهوية) فلا وجود لمن لا هوية له.. وقد لمسنا هذا على سبيل الذكر لا الحصر في قصيدته حلم الحب والجنون..حيث يقول……

مغترب أنا.. بلا أغتراب

ميت أنا.. بين الأحباب

طليق أنا.. مقفلة كل الأبواب

لا أدري متى يرحل الضباب..؟

إذ غالباً ما يعتمد شاعرنا الى التساؤلات في مراحل عدة من قصائده ليكون الأستفسار عنصر الأنتقال في مرحلة التقصي وهذا يجعل منه أديب البحث عبر الواقع والخيال.. أديب البحث عن الجمال المفقود وسط الجمال.. عن السعادة المفقودة وسط السعادة..عن الحرمان المنعدم وسط مشاعر مكنونة.. كأنه وبصفة غير مباشرة يريد تبليغ رسالة جادة وحادة بطريقة لطيفة.. إذ يقول في قصيدته حبيبتي السمراء..

هذه الأفكار تصرخ،

تنادي من يلبي النداء..؟

ألا حرم القتل..بين الناس

لماذا القتل أصبح أهون الأشياء..؟

يوجه الشاعر أسئلة عنوة في شدة الأستفسار تحصل المعجزة.. معجزة الأستفاقة من السبات العميق.. معجزة الخلاص والأنتباه ورفض واقع الفوضى المرير الذي جعل من حبيبته السمراء مرتعاً للمحتالين ليأخذوا كل شيء كل ماهو ثمين حتى (الأنسان) هنا بالذات نكتشف تفرد وتميز الشاعر (عصمت شاهين الدوسكي) ب (الأزدواجية الخطابية) فقصائده كالتاريخ في ظاهرها لا تزيد على الأخبار ولكن في باطنها نظر وتحقيق وهو ما جعلنا نكتشف هذه الأزدواجية المتمثلة في الخيال والواقع، المرأة والوطن… وما يدل على هذا في قصيدته حورية البحر الموجهة في ظاهرها الى حبيبته وفي باطنها الى وطنه الجميل حيث يقول….

حورية البحر

أصرخي

صرخنا قبلك

من كل دجنة لا تغتفر

امرأة وحروف

إذ لا تخلو إنتاجاته الشعرية من هذه الأزدواجية المرتبطة بصفة مباشرة بالحب، ففي قراءة أولية لأي منتج أدبي أو شعري نعيش صورة خيالية تخرج القارىء من واقعه ليسبح مع أبيات النص في عالم سحري لا واقعي بين الوصف الجريء والكلمة المرهفة والأحساس المفعم بعبق الورد ليقترن هنا (الخيال بالمرأة) لما تمثله من معان للجمال في قصائد الشاعر ولما تمثله من إثبات للذات في الواقع بأعتبار حروفها (أ.. ل.. م.. ر.. أ.. ة..) ومدى تأثيرها في قصائد الشاعر عصمت شاهين الدوسكي…

فأذا قسمنا (المرأه) على قسمين – ألم – مر – أما إذا نظرنا الى حروفها في القرآن فأن (ألم.. لام.. ميم..) هي الحروف الثلاثة الأولى من سورة البقرة أما الراء فهو في سورة الرحمان… أما الألف فهي سورة الواقعة.. والهاء سورة هود… وبالرجوع الى هذه السور القرآنية.. نستشف بأن شاعرنا قد تعمد أن يجعل المرأة ملكة قصائده، بحبها نعيش الدنيا بحب وسلام وبها نصل جنة الآخرة بأمان، بحثاً عن الرحمة والتآخي والحب والعطاء والتضحية وكلها في (ألم..) من إسم المرأة، وكلها في سورة البقرة… كما وظف الألف من سورة الواقعة وما لهذه الصورة من دفع لرفع الحرج وشرح الصدر ورفع الفقر والفاقة… وهذا ما تمناه الشاعر لوطنه ولكل شعوب العربية والعالم مبرزا من خلال حرف الهاء من المرأة والمتمثلة في سورة هود وما في هذه السورة من الأيمان بمكانة النساء في الدنيا لذلك أتخذ شاعرنا المنحى الديني للمرأة كي تكون على عرش قصائده بما فضلها الله وأجلها.. ولم ينح منحى الألم في (ألم) ومنحى العذاب والمرارة في القسم (المر) ولم ينحى منح البكاء والتأوه والحزن في القسم الأخير (أه) رغم شدة حزنه وآلامه وجراحه يصف المرأة بالنعوت الجميلة.. كما في قوله…

تخيلي لجيدك قلادة بيضاء

لصدرك صوت الفقراء

وعلى راحتيك خطوط البؤساء

آه… يا حوريتي

كيف تتجلى الحقيقة..؟ في ظاهر غزلي أم في وطنية أنسانية نائمة بين السطور..؟ إذ يقول (لا تبكين بصمت.. البكاء ياسيدتي يجدد معاناتي) وفي المقابل يقول:

ما زالت الحرب تنخر فينا

فأذا الأخلاق هوت فالحرب بلا إنقضاء

تجلت صور الخوف من الحياة

ما دامت تحيا أشباح الفناء

طير السلام جريح

يطير في الفضاء

وهنا في هذا المستوى من المقال نستخلص بكل تعقل ووعي بأن الشاعر عصمت شاهين الدوسكي على ثقافة واسعة ودراية عالية بالمجالات الأجتماعية والأخلاقية والدينية.. وأن أعتماده على المرأة بما تمثله من جمال ورقة وأحساس وعطاء وحب في جميع قصائده تقريبا ليوصل أفكاراً ومواضيع أجتماعية مهمة.. ما هو إلا تميز يحسب له في مسيرته الأدبية والشعرية.. إذ أن هذا التميز والأبداع والخلق الحسي والفكري لم يأت من فراغ وأنما من تمكن ثقافي وزاد معرفي كبير وتوسع بليغ.. إذ من الصعب التحدث عن شيء في شكل غزل لأيصال شيء آخر كتحريك حب الوطن والروح والجمال والأحساس والحرية في كائن الأنسان الذي هو جزء أساسي على هذا الوطن…فبين الحب والخيال وحب الوطن والواقع والمزج بينهما تتجلى الحقيقة.. وهذا ما تم تناوله من خلال هذا الطرح الذي قد نستجلب به إهتمام الدارسين والباحثين في ميدان الحب والحياة في إرتباط مباشر بالواقع المعيش.. وما أحوجنا الى هذا الطرح

وعلى صعيد مواز يفرض الواقع الوعي بأهمية السائد والمعيش لنجد أديبنا يخوض فيه بطريقته المتمثلة في تجلي الحب الأنثوي في ظاهره الى حب الوطن في باطنه.. ومن جهة أخرى من الطريف أن لا يظهر من النص الشعري الغزلي إلا جزؤه الأبرز ألا هو الغزلية العميقة وما تحققه من جمال ونشوة للمتلقي.. وبهذا المقتضى نستخلص أخيراً بأن عصاميات عصمت شاهين الدوسكي قد تمثل عنصراً محورياً في الحب والواقع والحياة، وفي إنشاء الحق والحرية ,ولان يأخذ كل ذي حق حقه، فمن الصعب على الشخص أن يبوح بكل ما لديه الى غيره وأن يشاركه همومه وآلامه وأفراحه وأن ينظر الى محيطه نظرة (الناقد) تارة ونظرة المستنصر تارة أخرى وأن يفضي ذلك للعموم… ولكن هذا ما أقدم عليه الشاعر عصمت شاهين الدوسكي فكانت كتاباته دعوة خفية للتأمل والحب والجمال والتدبير والحوار والبناء والطموح لما هو أفضل.. فأن يخرج الشاعر من مهنته كشاعر الى دوره كمصلح وداعية.. أي ينسلخ عن دوره المعلن ليعلن دوره الخفي.. من الفعل الصامت الى الفعل المؤثر ماهو إلا أبداع وتفرد وتميز ورسالة لن تذهب الى مسامع البشر هباء

الشاعر في سطور

عصمت شاهين الدوسكي

– من مواليد دهوك 1963م

– بدأ في كتابة الشعر في الثامنة عشر من العمر

– وفي نفس العام نشرت له قصائد في الصحف والمجلات العراقية والعربية

– صدرت له مجموعة شعرية بعنوان (وستبقى العيون تسافر) عام 1989م بغداد

– صدرت له مجموعة شعرية بعنوان (بحر الغربة) عام 1999م في القطر المغربي الشقيق – طنجة.

– صدرت له مجموعة دراسات ومقالات نقدية ادبية بعنوان (عيون من الأدب الكوردي المعاصر) عن دار الثقافة والنشر الكردية عام 2000م بغداد.

– صدرت له (نوارس الوفاء) وهي مجموعة مقالات نقدية ادبية، عن دار الثقافة والنشر الكردية عام 2002م بغداد.

– تحت الطبع مجموعة شعرية بعنوان (حياة في عيون مغتربة).

– ومجموعة مقالات نقدية ادبية بعنوان (الأغتراب والإقتراب) عن بعض الأدباء المبدعين الكرد وهو الكتاب الثالث الذي يختص بالأدب والفن الكردي بعد كتابي (عيون من الأدب الكردي المعاصر، ونوارس الوفاء).

– ألقى عدة قصائد في مقر الأتحاد العام للأدباء والكتاب ومقر دار الثقافة والنشر الكردية في بغداد في مناسبات واحتفالات مختلفة

– فاز بالجائزة الأولى في مسابقة الشعر التي نظممها المعهد التقني بقصيدة (الظمأ الكبير) تحت إشراف اساتذة ذوي أختصاص بالأدب في الموصل.

– كتب عن شعره عدة دراسات نقدية.

– شارك في عدة احتفالات وأمسيات أدبية.

كرم من عدة دوائر ومؤسسات ونقابات أدبية.