نجمان ياسين يضع قراءة نقدية لأعمال مراد الداغستاني الفوتوغرافية

220

نجمان ياسين يضع قراءة نقدية لأعمال مراد الداغستاني الفوتوغرافية

جدال لامتناه بين الإنسان والطبيعة

سامر الياس سعيد

الموصل

ضمن منشورات معرض الكتاب الدولي الثالث الذي أقيم مؤخرا في محافظة نينوى صدر كتاب (مراد الداغستاني.. جدل الإنسان والطبيعة ) لمؤلفه الأستاذ الدكتور نجمان ياسين والكتاب بطبعته الثانية يبدو مبادرة تكريمية لاحياء اعمال الفنان الفوتغرافي الرائد الداغستاني بعد ان صدرت الطبعة الأولى عام 1985ويشير المؤلف في سياق مقدمة الطبعة الثانية الى ان الكتاب حينما صدر منتصف الثمانينات قوبل بحفاوة وترحيب من القراء والنقاد على السواء مضيفا بان الكمية المطبوعة من الكتاب والبالغة عشرة الاف نسخة نفذت في غضون اشهر بينما تناول عشرات النقاد العراقيين والعرب الكتاب بالتقريض والاهتمام والإعجاب فضلا عن اصدائه من قبل بعض الصحف العالمية التي كرست له كتابات تؤكد جدية الكتاب وقيمته الإبداعية والتوثيقية التحليلية واختتم ياسين مقدمة الطبعة الثانية بالإشارة الى انها تبدو من قبيل الوفاء للداغستاني الكبير وشي من الإصغاء بقدسية وخشوع الى صوت الأرض والنهر والسماء في هذا البلد سليل المياه وتوأم الجذور الأولى الذي نسميه العراق ..

وفي الصفحة التالية من تلك المقدمة تبرز كلمة أخرى على سبيل التقديم يورد فيها المؤلف الكثير من محطاته الحياتية التي اقترنت بإبداع الداغستاني بدءا منذ أيام طفولته وهو يشعر بانجذاب اخاذ تجاه صور تصور نماذج بشرية يعرفها ذلك الطفل بشكل حميم بينما يتحدث المؤلف عن فكرة بلورة الكتاب فيشير الى انها نابعة من دراسة كتبها عن اعمال الفنان الداغستاني ونشرها في العدد الأول لمجلة (آفاق عربية) التي صدر في أيلول من العام 1976 وحملت الدراسة عنوان ( مراد الداغستاني جدل الإنسان والطبيعة ) ويذكر المؤلف انه حينما حمل المقالة ليقراها للداغستاني.

بدأت عيناه تبرقان واخذ يبكي بهدوء ليقول لياسين انه كتب عنه مالم يكتب غيره حيث ما كتب كان منبثقا من صوت القلب البشري والعقل أيضا مختتما حديثه لنجمان حيث قال لقد أمسكت بروحي ..

واختتم المؤلف مقدمته بالإشارة الى انه يشعر بان الفنان الفوتغرافي مراد الداغستاني قد امسك بروحه هو الأخر مشيرا بان في النهاية يبقى للفن دور في تحمل القدرة على قهر الموت ..

ويورد المؤلف في سياق سيرة شخصية وإبداعية للداغستاني الكثير من المحطات المحلية والعالمية التي شهدها فنه منها حصوله على العديد من شهادات التقدير والإبداع لعل أبرزها شهادة الإبداع من البرازيل حيث كان من طليعة ثمانية فنانين فوتغرافيين منحوا هذه الجائزة وبالإضافة لهذا التكريم فقد نال الداغستاني عدة ميداليات من دول مختلفة كما حصل على شهادات تفوق من المانيا والبرازيل وفرنسا والصين ويوغسلافيا كما كرمته الأوساط الثقافية والرسمية في محافظة نينوى في صيف العام 1975 ويذكر ان الداغستاني كان قد أقام معرضه الشخصي الأول عام 1976 في

بغداد وعلى قاعة جمعية الفوتغرافيين العراقيين كما شارك في العديد من المعارض التي أقامتها الجمعية العراقية للتصوير وحظي فنه الفوتغرافي بالكثير من القصص المستوحاة من ذلك الفن وتوفي الداغستاني بعد صراع مرير مع مرض السرطان في 27 تموز من العام 1982 ..

وفي مدخله الى جدلية الإنسان والطبيعة التي يثيرها عالم مراد الداغستاني يؤكد المؤلف الى البدايات المهمة في رحلة الفنان الإبداعية حيث استطاع بحدس ووعي الفنان من ان يلتقط لقطات رائعة رغم ان تلك الصور التقطت بكاميرا بدائية بسيطة محطما القانون وما هو مألوف ومتعارف عليه مضيفا بان الداغستاني استطاع ان يحرث بتلك اللقطات الرائعة ان يحرث في ارض بكر لكي يجعل الفوتغراف لغة إنسانية مشتركة تعبر عن الأشياء بدقة مقدما مواضيعه القريبة والأليفة والمعبرة عن جوانب عديدة من الوضع البشري .. ويلفت المؤلف بان ما يحرك فن الداغستاني هو الحب بأشكال مختلفة منها حب الأرض والبسطاء والمتعبين والطبيعة والإنسان وهذا الحب هو الذي أورث الداغستاني المرض من خلال إخلاصه واندفاعه الشديد..

في الفصل التالي من الكتاب يتحدث المؤلف عن محاولة للدخول في تفاصيل عالم الداغستاني مشيرا الى تميز الفنان في تصوير إنسان الأماكن المعتمة والأجواء الشعبية وللفنان كما يتحدث الدكتور نجمان ياسين ولع يصل حد الهوس في إبراز الجوانب الشعبية التي تحمل نكهة محلية راسخة بينما يسهب المؤلف من خلال قراءته للعديد من اللقطات التي يقتنصها الداغستاني مصورا العديد من الحالات الإنسانية التي تكتنز بثراء أنساني عميق ينفجر شاعرية سواء في زاوية الالتقاط او في طبيعة الحدث.. اما الحالة الأخرى التي تحتل موقعا مهما من لقطات الفنان الفوتغرافي فهي تصور الإنسان أمام الوجود وهنا يضع المؤلف العديد من اللقطات ليقرا من خلالها مواقف وجودية من الإنسان وتلك المواقف من بينها ما يؤكد نفيه وغربته في هذا الكون ومواقف أخرى تجعله يقف أمام غموض الوجود والحياة مضيع الملامح ومرتجف القلب ورغم ان تلك المواقف تحاول جعل الإنسان خائضا في حالات الياس والعدمية إلا ان لقطات الداغستاني تبرزها وهي تعيش نبل القلب الإنساني وصراعه ضد القنوط كما يشير بذلك المؤلف ..

وتحتل الطبيعة حالة أخرى من حالات الإبداع الفوتغرافي للفنان الرائد ويقف أمامها الدكتور نجمان ياسين ليضع إزائها قراءته النقدية مبرزا احتلال الطبيعة أهمية استثنائية من فن الفوتغرافي الموصلي مقارنة باهتماماته العديدة الأخرى خصوصا حينما يقتبس إحدى كلمات الفنان الرائد وهو يتحدث عن الطبيعة فيشير الى انه يشعر بشفافية وهدوء الطبيعة مقارنة بصخب العالم مؤكدا حبه للمطر والسماء والأرض والأشجار وخاتما حديثه بالإشارة الى الماء وهو يمثل رمز الحياة .. ويتحدث المؤلف بإسهاب عن جانب الطبيعة وتأثيره في لقطات الداغستاني حيث يقول بان الطبيعة تظهر بشكل متناقض في تلك اللقطات مثلما يتضح التركيز على الحركة من قبل الفنان حينما يقتنص لقطته التي غالبا ما تبرز جانب المفارقة وكثيرا ما نجد الأرض وقد اتخذت أشكالا مختلفة فتارة تظهر بشكل اجدب متشقق العروق ومرة أخرى تظهر في لقطات أخرى زاهية متألقة معطاء وفي محور أخر يقف المؤلف نجمان ياسين متأملا لوحات الداغستاني وهي تحكي عالم الصيادين والزوارق فيظهر الصيادون والنهر في تلك اللقطات وكأنهم يرمزون الى كفاح الإنسان ضد الطبيعة وتحدي تلك الشريحة الكادحة لظروف البيئة من برد ومطر وضباب ومن حرارة قاسية وطالما اظهر الداغستاني صياديه في تلك اللقطات وهم يواجهون مخاطر وغضب النهر حيث يواجهون قدرهم بشجاعة ونبل وفي محطة أخرى من محطات الإبداع الفوتغرافي الذي تميز به الداغستاني يتحدث ياسين عن الوجه الإنساني وهذه الوجوه غالبا ما تكون مختلفة من خلال تلك اللقطات فمنها وجوه خائفة وأخرى منفية وأخرى تشعر بالقلق وأخرى معذبة وتارة تبرز تلك الوجوه وهي تظهر وداعتها وهنالك وجوه يسنها الأمل وأخرى يلونها الخوف الحاد والتطلع وعن الوجوه يفصح المؤلف بأنها تكشف مكنون النفس البشرية..

وفي محطة أخرى من محطات جدلية الإنسان والطبيعة في اعمال الفنان الداغستاني يتحدث المؤلف عن حضور (المرأة )في تلك اللقطات ويقتبس في مستهل هذه المحطة ما يشعر به الداغستاني إزاء المرأة حيث يقول عنها انها مخلوق رقيق شفاف وهي الماء والهواء وهي طرية مشتهاة تمنح الرجل الفرح وتمنحه الفرح وهي حزينة وتصور جدول حزن يصب الفرح في قلب الرجل وهي كجدول حب حزين وحينما يصور الداغستاني المرأة فانه يركز في لقطاته على مكامن الأنوثة والجمال الذي يشاء له ان يتحول الى مطلق ومن خلال عشرات الصور التي التقطها الفنان يتحدث المؤلف الى ان الداغستاني يبرز تعطشه الرهيب للخروج من نسبية الواقع وصولا الى المطلق لتبدو المرأة عبر تلك اللقطات بشكل مدهش ناقصة وغير مكتملة كمطلق ومازالت أسيرة الواقع ..

ومن محطة المرأة ينتقل المؤلف الدكتور نجمان ياسين الى محطة أخرى ليتوقف أمامها من اجل استقراء حضور التاريخ وتسجيل متغيرات الحياة اليومية ويركز ياسين على ان التاريخ هو وجه الإنسان والتاريخ العربي والإسلامي يمثل ذاكرة إنساننا المعاصر ومن لاتاريخ له لاوجود له وهذه المعطيات يستوعبها الداغستاني ليسقطها على لقطاته التي تعتني بهذا الجانب ورغم ان الفوتغرافي الرائد لايهتم بالزمن النفسي الداخلي لكن المؤلف يحدد محطته التالية ليتحدث من خلالها عن حضور الزمن في لقطات الرائد الموصلي فيقول بان الزمن في بال الداغستاني يكتسب عنده دلالات عديدة وغنية حيث يخشى الزمن حد الرعب ومع ان الزمن قد اخذ هذا الفنان كما يشير المؤلف لكنه يستطرد فيقول بان مرادا لم يكن لحظة عابرة في هذا الزمن بل كان عبارة عن ظاهرة عبرت عن التدفق والحياة الثرية المتجهة نحو المستقبل دوما .. في حضور الطفولة في فن الداغستاني يؤكد المؤلف بان هذا الجانب احتل مساحة مهمة من عالم الفوتغرافي المعروف فهو من جهة يعبر عن حنين الفنان الى الماضي من خلال الطفولة ومن جانب اخر يسعى لاكتشاف عفوية عالم الطفولة بانكساراتهم وصبواتهم وألاعيبهم البسيطة والشعبية وعن الحضارة العربية والإسلامية في الخارج والتي طالما أبرزت حضورها في إبداع الداغستاني يقول نجمان ياسين عن هذا الجانب بأنه ثمرة مفهوم يؤكد بان كل فنان حقيقي لابد وان يعيش علاقة وطيدة مع ارثه الحضاري وهذا ما دلل عليه حضور هذا الجانب حينما كان الداغستاني مبدعا حقيقيا عاشقا لتاريخه وحضارته خصوصا وان عدسة هذا الفنان نقلت الينا انجازات العرب المسلمين من خلال لغة إنسانية مشتركة .. ومادام للطبيعة حضور بارز في اعمال الداغستاني فلابد من ان يكون للحيوان وهو من أهم ملامح تلك الطبيعة حضور اخر في تلك الأعمال وعن هذا الجانب تحدث المؤلف مؤكدا بان لقطات هذا الفنان

حاولت انسنة الطبيعة بإضفائه عليها ملامح إنسانية لذلك فانه تعامل مع كائنات الطبيعة باعتماده على هذه النظرة وفي محطة العمل الإنساني فان المؤلف يعتقد بأنه لايوجد احد مجد عمل الإنسان المتعب على مستوى الفوتغراف مثلما مجده الداغستاني حينما التقط عشرات الصور للعمل وعمل الإنسان البسيط الذي يمتهن حرفا شعبية .. وفي المحطة الأخيرة من متابعة جوانب جدلية الإنسان والطبيعة لدى فن الداغستاني فان نجمان ياسين يختتم تلك المحطات بمحطة إنسان التحولات الجديدة فيشير الى ان الفوتغرافي لم يغمض عينيه عن التحولات الجديدة التي عاشته حياته الراهنة فحمل كاميرته ليسجل من خلالها حالات البناء والتحديث فصور من خلالها دروس محو الأمية وتظاهرات الناس احتفاء بالأعياد الوطنية والقومية ودخول الآلة في حياتنا المعاصرة وكان الداغستاني في تلك الأعمال كما يشير ياسين يعيش فرح طفل يسكنه الفرح وهو يرى التحولات تتغلغل في كافة مفاصل الجسد العراقي العظيم ..

ويورد المؤلف في الجانب الأخر من الكتاب آراء العديد من الأدباء والنقاد إزاء طبعة الكتاب الأولى التي صدرت عام 1985 ومنها ماكتبه عادل كامل في مجلة (الف باء ) عن الكتاب مشيرا الى كشف نجمان ياسين بشكل تفصيلي الكثير من الحقائق الإنسانية والإبداعية في حياة الرائد الداغستاني فيما ينقل المؤلف وجهة نظر الدكتور( احمد عبد المجيد) التي كتبها في جريدة (القادسية) عن الكتاب متضمنة بان نجمان ياسين هو أول من الف في التصوير وقاد الداغستاني الى رحاب الكلمة الخالدة والدراسة التي تمسك الروح فضلا عن آراء أخرى للدكتور محمد علي داهش والدكتور مجيد السامرائي والدكتور حاتم الصكر والدكتور مزاحم علاوي والناقد المعروف حسب الله يحيى..

وتتوالى بعد تلك الصفحات المكتنزة بالرؤى المدونة عن عوالم الداغستاني لتحل بعدها الصفحات المتبقية لقطات تجسد تلك الرؤى وتوضحها في مجالات وأشكال مختلفة لتتحول الى بانوراما تجمع بين الكلمة والصورة ليخرج الكتاب الذي نجح في إبرازه الدكتور نجمان ياسين بمثابة معرض متنقل يضعه القاري بين يديه متصفحا انطباعات ناقد استطاع ان يضع تصوره إزاء ما حوته تلك الصور التي لم تكن سوى أفكار نقلتها عدسة الداغستاني لتجوب الحياة حاملة معها الامها وأفراحها ناقلة بورتريهات الوجوه المتعبة التي تناظرها وجوه أخرى اختفت منها التجاعيد وبقي الأسود والأبيض يسهب بقراءة نظارتها وبراءتها واذ كانت المحاولة الأولى والريادة تحسب للدكتور ياسين بأنه زاوج بين فن الفوتغراف ليمنحه قراءة نقدية مستوحاة بما أبرزته تلك اللقطات فان هذا الفن الذي يفخر العراق بامتلاكه للكثير من رواده ومبدعيه يحتاج للكثير من تلك الإصدارات التي تحاول الدخول الى أعماق تلك اللقطات وتفجير مكنوناتها التي تضج بها ولاتستطيع ان تضع لها إطارات الصورة حدا فإنها في اغلب الأحيان تبرز أشكالا لامتناهية تحلق بمخيلة المتابع لتجعله يعيش تلك اللحظة التي يقف أمامها المصور ليقتنص لقطته ويضغط على زر التوثيق مقدما تلك اللقطة وثيقة لزمن او حقيقة لمتابع او صورة تتناقلها الأعين لتحمل إزائها الكثير الكثير من الأفكار والآراء.