العراقي إنموذج السلوك الجمعي في المظاهرات
وانت تستمع الى دوي الشعارات والاهازيج التي يتبناها الحشد في التعبير عن مطالبه وتكالبه على القنوات الفضائية واجهزة التصوير في اماكن التجمعات العديدة ومن خلال ذلك النشاط الجسمي والاجتماعي والانفعالي تجد هناك وهناً واضحاَ في ظل هذا الهيجان الانفعالي اللاهث يطيح -في اغلب الاحيان- بالتوجه التي كرست المظاهرة أوالتظاهرة من اجله وهو اليأس وعدم الجدية والرغبة في الانسحاب والتنصل من هذا الحشد بالرغم من سمو المطالب وشرعيتها ودستوريتها.
وعند الألمام بهذا السلوك وتسليط الأضواء لكشف ملابساته نجد ان روح الاستجابة لهذا المؤثر او ذاك (سياسي كان او اجتماعي ) تكون ضعيفة واهنة والتفاعل يكون متحرجاُ هادئاً او متقداً كنار (الحلفاء ) .
وهذا السلوك ينبني عن افتقار الشعب لخبرات التظاهر او المطالبة بالحقوق على مدى تاريخ العراق القريب وشيوع سياسة الفكر الواحد والحزب الواحد من جهة ومن جهة اخرى هي روح التواني التي خلقت بكل جدارة روح الأتكالية والاعتماد على الأخر (افرادا أوجماعات) في تحقيق المكاسب والانجازات ليتلذذوا بها ساكنين هادئين دونما خسائر أو منغصات وشاهد الحال ينم عن هذا السلوك ماضيا او حاضرا فما ان تنوب هذا البلد نائبة الا وتجدها قد اتسعت كالنار في الهشيم حتى تحل نفسها بنفسها تاركه شعبا لا يجد غير الشكوى والتحسر وكيل الاتهامات والشتائم لهذا او ذاك ملتحفين بالقضاء والقدر وحكمة الزمن باسلوب تبريري تنصلي عجيب ناهيك عن ابتكار الحلول بحماس كبير لتلك المشاكل ولكن على ارائك المقاهي ومقاعد الباصات .
ان ما اسلفنا القول فيه هو نتاج اجتماعي سلوكي تاريخي لم يكن من نشئ اليوم بل هو حصيلة عوامل واسباب ودوافع تفاعلت بشكل معقد لتعطي هكذا خصائص ارتسمت بها ملامح شعباُ او شعوبا على مدى الاعوام .
فالسلوك هو نشاط ديناميكي وتفاعل مستمر بين الفرد وبين البيئة المحيطة به عبر منظومة من الاستجابات والتأثيرات الخاصة والعامة وضمن التواصل الاجتماعي فتتولد على شكل قواعد ونظم للتربية والتعليم يتلقاها الفرد في مراحل عمره المختلفة من طفولته حتى شيخوخته.
فالمجتمع الذي ينشأ فيه الفرد خاضعا منقادا تحيط به الشخصيات المتنفذة من اصحاب الجاه والسطوة والنفوذ لا يستطيع ان يحلم بسوى الاذعان وارضاء ذوي الشان متلذذا في اغلب الاحيان بالقاء مهامه واحماله على اكتاف الآخرين ينوبون عنه في تحمل المسؤليات أولئك هم اصحاب الهمم الخائرة والحماس الخابئ الذين مكنوا للانتهازيين من تحقيق مطامحهم ورغباتهم .
ففي هذا من النوع من التنشئة الاجتماعية يحدد نمط سلوكي في بناء الشخصية المنقادة وبناء نواة لمعايير يعتنقها الابناء عن الاباء يولد تطبيعا اجتماعيا سلبيا من حيث يراه البعض ايجابيا ضمن مفهومه المغلق كونها تخلق له استقرارا نفسيا ومرجعية لكافة شؤونه الحياتية فيجد نفسه غير محتاج الى الدولة فهو يجد الملاذ الآمن مابين افراد عشيرته واقرانه فيكون تاثير الدولة ضعيفا غير مجدي وكذلك التفاعل بين هذة الجماعات والدولة تفاعلا فاترا فهذة المنظومة تقلل من المشاركة في الحماس الجمعي وان شارك في الحشد الجماهيري فهي مشاركة حداثوية لا تدفع بأي اتجاة بل للاستئناس بالحشد والاهازيج .
وهناك جانب واضح في سمات الشخصية نستطيع ان نلمسها في حياتنا اليومية وهي سمة ضعف التفاعل بين الافراد والتنافر فيما بينهم في اغلب الاحيان , ففوضى الحياة وتفشي الفساد في كل المفاصل وانعدام الثقة بين الافراد والجماعات وشيوع ظاهرة الانتهازية والوصولية واللهاث وراء الاموال والمناصب بميكافيلية صارخة ولد تباعدا وضعفا في منظومة العلاقات الاجتماعية فانت ما ان تخرج من البيت حتى يتلقفك الشارع بكافة ارهاصاته وخروقاته سوقا ومؤسسة وعمل وتعامل حتى تجد بأنك مهددا مالم تفتح عينيك وتتوخى الحذر في تعاملاتك كافة مما يخلق جواً من عدم الثقة ولربما الكراهية للاخرين والتشكيك بهم فمثل هكذا سلوك لا يستطيع احدا ان يقود مظاهرة او يتوخى مطلبا في حملة مشتركة من حشدا جماهيري يطالب بحقوقه المشروعة وانت محاط بعدم الثقة بهذا الحشد وعدم نصاعة سلوكه واحقيته في المطالبه او ربما حوى الحشد على بعض المفسدين والمرتشين وسراق المال العام .
كل هذة الاسباب مجتمعة او فرادى تقتل روح الحماس والمطالبة والانضواء تحت مطلب جماهيري واضح .
نجم عبد خليفة – بغداد
























