النمط الديمقراطي تدهور ببركة الإحتلال

النمط الديمقراطي تدهور ببركة الإحتلال

بعد سنة 2003 استبشر أكثر العراقيين بالعهد الجديد وتوقعوا أن العراق سيكون دولة مزدهرة بعد الوعود الوردية الأمريكية في إدخال الديمقراطية إلى العراق ، ولكن أي ديمقراطية تلك التي جاءنا  بها الأمريكيون ، انها ديمقراطية الطوائف والكنتونات ، ديمقراطية التشرذم والتشظي للدولة والمجتمع على حد سواء !!

فإذا لاحظنا مؤشر الدول الفاشلة في تصنيف بلدان العالم طبقا لسمات عديدة من بينها : عدم قدرة الحكومة المركزية في هذه الدول على فرض سلطتها على ترابها الوطني وتأمين حدودها أو احتكار هذه المهمة ،عدم تمتعها بالشرعية اللازمة للحكم ، تفشي الفساد وانعدام تداول السلطة فيها ، غياب أو ضعف النظم القانونية فيها وتهديد وحدتها واستقرارها بالانقسامات العرقية والدينية الحادة….

 وقد وضعت هذه السمات في (12) مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا ، تتراوح قيمة كل منها بين (0-10)، وكلما حازت الدولة علامات أعلى كلما تصدرت الدول الفاشلة ، نجد أن العراق في عام 2005 الذي صدرت فيه النسخة الأولى عن الدليل قد احتل المرتبة الرابعة عالميا بعد السودان متقدما على الصومال ، ثم احتفظ بالمرتبة نفسها بالعام التالي ، تقدم العراق عام 2007إلى المرتبة الثانية عالميا بعد السودان التي تصدرت الدول الفاشلة منذ 2006 ومنذ عام 2008 بدأ العراق بالتراجع إلى المرتبة الخامسة ثم السابعة عام 2010 ، خلف الصومال وتشاد والسودان وزمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفغانستان التي تعد أكثر فشلا.

إن هذا المؤشر يكشف  عن استمرار التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصعوبات التي ما تزال تعترض تعافي العراق ، وتمكن الحكومة من تحقيق مستوى مقبول من الاستقرار  في كافة الأصعدة الذي ينعكس إيجابا على نمو البلاد وارتفاع مؤشرات التنمية البشرية لعراقنا الجريح.

 وان كل مظاهر التدهور والانحطاط ما كان إلَا ببركة  الإحتلال وديمقراطيته العجيبة التي ليس لها مثيل في هذا العالم والتي لا يمكن لها  إن تبني دولة ومجتمعا مستقرا أبدا ، لأنها تجعل من ولاء الفرد تابعا للطائفة أو المكون المنتمي إليه ، في حين أن هذا الولاء يجب أن لا يتعدى الفكر أو المعتقد في ظروف صعبة ومعقدة كالتي يمر بها العراق ، ولكن الذي حصل ومازال هو أن الأفراد غالبا ما ينتخبون  السياسيين المنتمين إلى طوائفهم مما أدى إلى بروز كثير من الشخصيات السياسية غير الصالحة في قيادة البلد وبالتالي نتج ومازال نوع من التنافس والتشاحن والصراع الذي كان ضحيته الوطن والمواطن ، في حين أن المفروض بالناخبين النظر في نزاهة الشخص واستقامته وعدالته التي لابد منها في معايير رجال الدولة وقادتها.

إن جو الطائفية ارض خصبة للشخصيات الإنتهازية التي لا هم لها سوى كسب اكبر قدر ممكن من الامتيازات المغرية والتي لا يوجد مثيلها في كل دول العالم ، وفي هكذا أجواء حتما سيستعين هؤلاء بالتاريخ المشحون بالتناقضات بين هذه المكونات والتي يستفيد منها في رفد مشروعه السياسي الفئوي الضيق على حساب المشروع الوطني الذي بدا غريبا في بلد كالعراق!!

والعجيب في الأمر أن أكثر الأحزاب والكتل البرلمانية نجدها تحمل أسماء براقة منعوتة بالوطنية ! والأكثر عجبا من ذلك ظهور الكثير منهم وهو يتبجح بمنجزاته التي حققها وأنهم جعلوا  العراق في المراتب الأولى من الدول الديمقراطية !! ولكننا حتى الآن لم نجد أي كتلة أو قائمة أو حزب يتميز  بشعبية تتعدى الطبيعة الديموغرافية للمجتمع  العراقي المتنوع!! لان العرق والطائفة قد أصبحا هما المعيارين الواقعين في توزيع النفوذ والشعبية لتلك الكتل اوالقوائم !

    وارى جازما أن الحال سيبقى ماثلا على حاله مادام المسؤول يعتقد أن ولائه العرقي أو الطائفي أو الحزبي هو أهم ضمان في ديمومة بقائه أكثر ما يمكن في ذلك المنصب الذي يرتع فيه بكثير من الامتيازات ، هذه الامتيازات التي جعلت المسؤول في مركز التشريف لا أنه في مهمة التوظيف ، هذه المهمة التي تعد أهم ميزة في فلسفة الديمقراطية الحقيقية والتي لا توجد مع الأسف إلَا في الدول الغربية…

جاسم محمد حمزة – كربلاء