رؤية تنويرية سعودية مبكرة في زمن شديد التعقيد

الأمير طلال: قراءة استشرافية ..فكر تنويري سابق لأوانه

 د فيان فاروق

 


تمرّ هذه الأيام الذكرى السنوية لرحيل الأمير طلال بن عبد العزيز، وما زالت منطقة الشرق الأوسط تعيش اضطرابًا معقدًا بشأن علاقتها مع التنوير والتنمية، إذ عاش في خضم زمن كانت منطقة الشرق الأوسط تعاني من حرية التعبير والتعددية وحرية الرأي، بيئة معقدة عصية على الديمقراطية والتحضر، بيئة طاردة للحداثة وكل ما من شأنه يحدث تجديدًا أو تغييرًا لما سائد من توقف للزمن، فضلًا عن الجمود العقائدي.  إلا أنه كان صوتًا متفردًا يؤمن بضرورة الانخراط في الحداثة، وتبني التنوير الفكري الذي يعتقده ضرورة حياتية، بل وجودية للانخراط بالعالم المتحضر، ومحاكاة ما يجري فيه من متغيرات متسارعة نحو عالم جديد لا مناص سوى إدراك ما يجري من حوله، حيث يضيق العالم ويتحول تدريجيًا على وفق ما يريده أو يتأمله العالم الغربي، فما يحدث في هذا الزمن يختلف عن سطوة الحضارات السابقة اذ تمتد في محيطها وتفرض إرادتها السياسية والعسكرية، لكن في زمن العولمة فرض الغرب على الآخرين حتى قيمه وعاداته في المأكل والملبس.
وفي وقتٍ كان ومازال الجميع يتزاحم للحصول على منصب سياسي، فضل الأمير طلال أولوية الفكر على سلطة الكرسي. عزوفه عن المناصب السياسية، وكان ذلك موقفًا فكريًا وأخلاقيًا فضلًا عن قناعته بعمق الأثر الإنساني والفكري وخدمة بلاده، لا بالاستئثار في المنصب.
كما يسجل له رفضه الشديد للتعصب الديني، ، وتمسكه بخيار الاعتدال  كونه يحمي المجتمع والدولة معًا. هذه الرؤى متقدمة على زمانها في حينها، بل  ما زالت مؤجلة في العالم العربي  حتى اليوم.
ولمعالجة هذه المعضلة أولى الأمير التعليم أهمية بالغة لأنه أدرك بوقت مبكر أن المجتمعات التي لا تهتم بالتعليم، وتستبعد المرأة من المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتقيد حرية الإعلام، هي مجتمعات حبلى بالأزمات، ولا تنتمي لعصرها. وعلى وفق هذه الرؤية قاد جهاده الفكري بهدوء الواثق، لا بالشعارات الراديكالية، بل بتنمية الموارد البشرية لبناء الدولة الحديثة.
ما تقدم هو غيض من فيض عطاء الأمير طلال الفكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي والإنساني… ما نتمناه في هذه المناسبة، أن يعرف من يقودون المجتمع من كوادر علمية وسياسية وإعلامية واقتصادية، أن للأمير دوراً فيما يتحقق من نهضة جبارة في المملكة العربية السعودية.