رأي في السياسية
السياسة .. والساسة . مفردتان تحتل الصدارة في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة تلازم اسماعنا كل يوم حتى تدخل معنا في كل خصوصياتنا اليومية . يدخل معها دون أستذان تقنيات العصر من الفيسبوك . واليوتيوب ومواقع الاتصال الاخرى . حتى أنك تبدو مأسورا بتعدد مصادر المعرفة من كل حدب وصوب حتى تؤمن جازما انك تعيش في قرية صغيرة ، وليس عالما مترامي الاطراف وعلى ذلك وباقل تقدير يصبح الانسان العراقي سياسيا وبامتياز مضافا الى هذا الحشد المعرفي ما عاناه طيلة سنوات الشد السابقة وبكل ظروفها لذا يصبح من غير المتوقع ان نجد سياسيين انصاف متعلمين او اميين بمبادئ علم السياسة . اللهم الا اذا كانوا خارج حلبة الصراع السياسي المحتدم لعقود مضت دقت منا اللحم والعظم واخذت منا الكثير الكثير . ان معرفة السياسة والوقوف على مكنونات هذا العلم يتطلب البحث عن معنى السياسة في اللغة وفي الاصطلاح .
فمن اللغة يمكننا ان نستعين بقاموس لسان العرب ونتبين معنى السياسة واصلها . فنجد انها اخذت من السوس والسوس تعني الرياسة واذا ساسوه قيل سوسوه او ارأسوه وساسة الامر قام به .
والسوس هو الطبع والخلق والسجية والسياسة هي القيام بالأمر بما يصلحه والمقصود بالأمر هو امر الناس وعلى ضوء ما تقدم نرى اننا يجب ان نتوقف كثيرا عند معنى السياسة ووفق هذه التوصيفات البالغة الاهمية . لان العمل السياسي ليس ترفا او نزهة او هواية نمارسها كيف ما اتفق . ثم انها ليست تجربة تحمل الخطأ والصواب كونها تهم مصالح ومستقبل الامة بكل اجيالها والمجتمع الانساني ليس حقلا للتجريب لان مسؤولية المتصدين للعمل السياسي لا تقف عند حدود المنصب ، ولا تسقط بالتقادم الزمني .
انها مسؤولية تاريخية ترتبط بتحقيق مصالح الامة والمجتمع وحماية ثرواتها وحدودها وصون سيادتها وهي مسؤولية بنص الدستور والقانون وفق عقد ملزم يسمى (العقد الاجتماعي) وهو رباط مقدس طرفاه الشعب مانح السلطة ، والمسؤولين المكلفين المتطوعين لهذه المسؤولية. والصندوق الانتخابي هو البوابة الرئيسية والوحيدة للوصول الى هذه المسؤولية .
فعلى الطرف الاول (الشعب) ان يمارس مسؤوليته القانونية والاخلاقية والتاريخية في اختيار ممثليه وبكل جدية واندفاع لان فساد الموقف والتهاون فيه ضياع لمستقبلنا والتهاون في هذه الممارسة من شأنه ان يوصل البلاد الى مهاوي الردى ويمكن الفاسدين والمفسدين والمتطفلين على السياسة والمقامرين من التلاعب بمقدرات الشعب وسرقة مستقبله ومصادرة ارادته ورهن سيادته .
ان سوء اختيار قادة البلاد وتمكين سراق المال العام من الوصول الى سدة الحكم وموقع القرار سوف يوصلنا الى مزيد من التخلف والتراجع والنكوص سيما وان هناك من اليائسين والمحبطين ممن يشيعون بين اوساط المجتمع مقولات تدعو الى الياس والاحباط والاذعان وترك الامر والركون الى الاستسلام تحت شعار (كيف ما تكون يول عليكم) والتي يفسرها البعض بان الامر محسوم لقوى محددة مفروضة لا تخضع لمنطق العصر ولا تؤمن بعجلة التغيير . ان منطق السياسة يعني منطق التغيير المستمر لان الفكر الانساني يبحث في كل لحظة عن الافضل والاسمى وليس هناك ركون او تراجع .
يرى الدكتور (حسن صعب) استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية السابق في كتابه الموسوم (علم السياسة) وفي معرض حديثه عن مفهوم السياسة انها (كفكر قديم قدم تساؤل العقل البشري عن الحياة الفضلى ، والمدينة الفاضلة ، والقانون العادل ، والنظام الحق ، والحكم الصالح ، والانسان الحر السعيد) حقا ان السياسة بحث مستمر عن الحياة الحرة السعيدة وهي في تساؤل دائم عن الافضل للإنسان والمجتمع وعلى الفرقاء السياسيين وفق هذا المنظور ان يحددوا موقعهم من هذه المفاهيم والاشتراطات ويعدوا عدتهم ومستلزماتهم وان يعوا ان القوائم الظلماء المغلقة التي اوصلت بعضهم الى موقع الصدارة والقرار لم ولن تتكرر وسوف يكون قرار الشعب هو الفيصل الاخير وهو القرار العدل ولن يتكرر سياسيو الصدفة والذين لا يمتلكون من مستلزمات السياسة شيئا ولم تجمعهم مشتركات الوطن ولم تضمهم خلفيات فكرية او سياسية بل لا يمتلكون برنامجا سياسيا او ديناميكية محددة للحوار وتحديد مسارات العمل السياسي .
ان لغة الحوار وتحديد مستلزماته يحدد ملامح العملية السياسية ويرسم لها خارطة طريق تقرب البعيد وتجمع الشتات وتحقق الاهداف المشتركة التي يتوافق عليها الجميع بعيدا عن التقاطعات والخنادق المتداخلة والاستماع الى الاخر وفلسفته وتوجهاته .
ولنا ان نستشهد بالمقولة الخالدة والحكمة السياسية لـ (فولتير) عندما سئل عن منهجية الحوار قال : (اذا اردت ان تتحدث معي فعليك ان تحدد مصطلحاتك) نعم نحن احوج ما نكون الى منطق العصر الحوار والحوار الهادئ الذي يقرب المسافات ويحدد المشتركات ويبدد الخصومات .
ان نشوء المجتمعات الحضارية يعتمد اولا وقبل كل شيء على اكتمال النمو والوعي بالنسق الحضاري الجديد الذي يعتمد الفضاءات الكبيرة والمتآلفة والتي تتلاقح خصوصياتها بمشتركات حضارية وطنية عابرة للاثنيات الفرعية والقومية والمناطقية .
فالحضارة الاوربية جمعت تحت جناحها قوميات فرعية من فرنسية وبريطانية واسبانية وايطالية والالمانية كما جمعت الحضارة الاسلامية قوميات وثقافات عربية وفارسية وتركــية كما ونشأت الحضارة السلافية على حضارات فرعية قومـية من الروسية والاوكرانية والسريالية والبلغارية والرومانية.
اذن نحن احوج ما يكون الى دولة تجمع شتات الافكار وتحل المواطنة والمواطن تحت ظل القانون وعندها سوف لن تكون هناك صراعات ومحاصصات وتقاطعات وسوف تكـــــــون الدولة خيـــمة الجميع وللجميع .
نوماس الشاطي – بغداد























