كشف العذرية

كشف العذرية
حسن حنفي
لما ظهر اشتراك المرأة في ثورة يناير 2011 كما اشتركت في ثورة 1919 وتكاتفت مع الرجل في ميدان التحرير نهارا وليلا، واعتصمت في الخيام أراد رجال النظام السابق من الأمن والشرطة والداخلية والمخابرات تشويه سمعة النساء خاصة الطالبات اللاتي اشتركن في المظاهرات أمام الرأي العام. والجنس هو المسيطر على الثقافة الشعبية مع الدين والسلطة، محرمات أو مقدسات ثلاثة لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها. قد تكون الرواية التي تناقلتها أجهزة الإعلام غير صادقة ومن نوع المغالاة والتهويل وبيان بشاعة النظام السابق وهو في نزعه الأخير. أما إذا كانت الرواية صحيحة فإنها تدل على بشاعة الأمر. والسبب في ذلك سواء كانت الرواية كاذبة أو صحيحة هو تشويه صورة الثورة وصورة المرأة في آن واحد. فالعذراء لا تثور. تجلس في بيتها. ولا تختلط بالرجال في المظاهرات، ولا تشارك في الاعتصامات، ولا تـُجر على الأرض من شعرها، ولا تنتزع ملابسها فتظهر نصف عارية. مكانها في المنزل، في حضن أمها، وتحت سلطة أبيها وأخيها الأكبر أو زوجها، تساعد أمها في أعمال المنزل أو تجلس أمام التلفزيون لرؤية الأفلام والمسلسلات أو تشاهد مناظر القتل والضرب والسحل للثوار الأحرار عن بعد، طبقا للمثل القائل ابعد عن الشر وغني له أو الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح . والواقعة تقوم على عدة تصورات خاطئة. فهل الثورة مرتبطة بعدم العذرية؟ وماذا عن اشتراك الزوجات والمطلقات والأرامل في الثورة؟ وهل الثورة تطعن في شرف البنت أم تؤكد عليها، فاستباحة الوطن من النظام السابق فض لعذريته؟ وهل كانت العذراوات في النظام السابق ثائرات أم أنهن قبلن الاستبداد والقهر والفساد والرشوة والاستيلاء على ثورات الأمة؟ هل الثورة تفريط في العرض أم تأكيد على شرف الأمة من الانتهاك؟ ألم يكتب جان بول سارتر مسرحية المومس الفاضلة لبيان أن المومس تدافع عن الأسود الهارب من قتل الأبيض له وخبأته في بيتها وهي تخاطر بحياتها؟ إن التجارة بالوطن مثل التجارة بالجنس، ونهب المال العام وغسيل الأموال، والتجارة بأراضي الدولة وتهريب الثروات إلى الخارج والرشاوى كل ذلك قضاء على عذرية الوطن ونيل من شرفه.
وهل الطعن في العذرية أو الشك فيها أو الكشف عليها يوقف الثورة؟ فالثورة ثورة سواء كانت الثائرة عذراء أم لا. لِمَ ربط العذرية بقبول للاستبداد وعدم العذرية بالثورة عليه؟ الاستبداد هو الاستبداد يثور الحر عليه سواء كان حرا أم عبدا. وتثور الحرة عليه سواء كانت عذراء أم غير عذراء. العذرية حياء وخفاء، والاستبداد استباحة وإعلان. فالاستبداد نقيض العذرية وليس الثورة. الثورة فضح للاستبداد وليس فض للعذرية. وهل الثورة تعني العهر أم البراءة؟ الثورة شجاعة القلب، وتلقي الرصاص بالصدور العارية والأجساد الطاهرة رجالا ونساء. الثورة لا جنس لها. ولا علاقة لها بالجنس. الثورة أكبر من الجنس، انتفاضة كلية شاملة وليس انتفاضة العذرية.
إن القصد من الربط بين الثورة والعذرية كنقيضين هو تخويف الرأي العام من الثورة ودفاع الأسر عن عذرية بناتها، وكأن التي تكشف النقاب عن وجهها كما فعلت هدى شعراوي في ثورة 1919 لا حياء لها. وهو تصور عصر الحريم والخلافة المحجبة بتعبير الشيخ طنطاوي جوهري. ورفع الفلاحة غطاء الرأس علامة على الثورة في تمثال نهضة مصر لمختار. وينادي الصوفي برفع الحجاب بينه وبين الله وبأن يكشف الله نفسه له حتى ينعم برؤيته. والأسر كانت سعيدة بتقديم أولادها، دون تفرقة بين ذكر وأنثى، شهداء للثورة. الثورة شرف للمواطن مثل العذرية شرف للفتاة. الثورة شجاعة تلقي الرصاص في القلب وفي العين. والنيل من العذرية جبن. الثورة إعلان وإقدام والنيل من العذرية خفاء ونكوص. فالحب حق طبيعي للرجل وللمرأة على حد سواء. في وطني عكا لعبد الرحمن الشرقاوي مقاوم فلسطيني في حفرة على مدفعه الرشاش دفاعا عن قريته التي قرر المستوطنون الإسرائيليون الاعتداء عليها. وبجواره مقاومة أجنبية، فرنسية، مؤمنة بالقضية الفلسطينية وبحقوق شعب فلسطين على مدفع رشاش آخر. وكان القمر ساطعا، ونوره منير الوجوه. والعيون تلمع بانعكاس ضوء القمر عليها. فتحابا. وشعر الفلسطيني أنه خان القضية. وجاءه إحساس بالذنب. وكانت الأجنبية فرحة لأنها أحبت مقاوما فلسطينيا مثلها. وجاءها إحساس بالنشوة. وأقنعته في حوار يكشف عن التمايز بين الثقافات، أن من لا يحرر نفسه داخليا لا يستطيع أن يتحرر خارجيا، وأن الذي لا يستطيع أن يفتح قلبه للحب لا يستطيع أن يحرر وطنا. فالشجاعة واحدة. والإقدام واحد. تلك ثقافة أخرى تربط بين الثورة والحب وليس بين الثورة والعذرية سلبا أم إيجابا. وجاء الرسول يوما رجل يعترف له أنه بعد الفجر في رمضان رأي القمر يسطع فوق خلخال زوجته فلم يتمالك نفسه وعاشرها. فعفى عنه الرسول إدراكا منه للضعف البشري. إن العاهر هو المستبد لأنه ينال من عذرية شعبه. والعاهرة هي التي تبرر الاستبداد وتقبل أن يُقبّل الناس يديها بدعوى احترام المرأة. تحرير المرأة هو تحرير للوطن، وتحرير الوطن هو تحرير للمرأة كما حدث في ثورة 1919 وفي ثورة يناير 2011 وكما يحدث في كل الثورات.
وإذا تم الكشف على عذرية المرأة لمعرفة سبب ثورتها في ميدان التحرير وقد يكون فض البكارة هو السبب واتهام الثائرة بأنها عاهر حتى يحاصرها الناس قبل أن تحاصرها قوى الأمن والشرطة وأجهزة المخابرات العامة، فماذا عن الرجال؟ كيف يكشف عن عذرية الرجال؟ أم أن هناك مقياسا آخر لمعرفة سبب ثورة الرجال غير الجنس؟ هل انتصاب الرجل يؤدي إلى ثورته وهل استرخاؤه يؤدي إلى استكانته؟ أم العكس، هل انتصاب الرجل يؤدي إلى بقاءه في المنزل لأنه لديه ما يشغله، ومن يفرغ فيه طاقاته في حين أن استرخاءه يؤدي إلى ثورته تعويضا وطريقة لتفريغ الطاقة؟ أم أن القوة الجنسية للرجل تجعله يثور والضعف الجنسي يجعله يستكين في المنزل؟ هل هناك مقياسان يعبران عن الرؤية المزدوجة والمقياس المزدوح للمرأة والرجل؟ أم أن الرجل خارج كل المقاييس. فالرجل يفعل ما يشاء. لا تثريب عليه. إنما المرأة هي المجرحة خلقيا وجنسيا وكأنها تفعل ذلك بمفردها دون الرجال؟ ولماذا يكون العهر للنساء وحدهم دون الرجال؟
وماذا لو استطاع كشف العذرية أن يحرر وطنا؟ وقد استطاعت جان دارك العذراء أن تحرر وطنها فرنسا من الاحتلال البريطاني الذي وصل إلى جنوب فرنسا كما استطاع ديجول فيما بعد تحريرها ضد الاحتلال النازي. وماذا عن جميلة بوحريد وباقي المواطنات الجزائريات اللاتي قاومن الاحتلال الفرنسي؟ وماذا عن المقاومات الفلسطينيات اللاتي ومازلن يقاومن الاحتلال الصهيوني لفلسطين؟
إن الجنس والدين والسياسة مازالت أسلحة ثلاثة في يد النظام السابق والثورة المضادة ضد الثوار. فالثائر لا أخلاق له. ولما كانت الأخلاق مركزة حول الجنس فالثائر إباحي يعتصم في الخيام، في الميادين وفي الطرقات ليلا. ولا يدرى أحد ماذا يحدث فيها حتى ولو كان في البرد القارس للشتاء. والثائر لا إيمان له. هو ملحد كافر لا يؤمن بالله. ومن يخرج على السلطان فقد عصى. والثائر فوضوي لا يؤمن بنظام سياسي يقوم على الأمن والاستقرار. وهو إرهابي يستعمل العنف ضد المواطنين الآمنين. يريد تغيير النظام الاجتماعي بقوة السلاح. وهو عميل للقوى الخارجية التي تتآمر على البلاد وتبغي بها شرا. وهو ما قيل قديما عن الخوارج الذين خرجوا على النظام، وعلى المعتزلة الذين اعتزلوا الجماعة. أما أهل السنة والاستقامة، السلف الصالح فهم الفرقة الناجية والنموذج الذي لا يستطيع أحد الخروج عليه. والخارجون هم الفرق الضالة. الأمن والشرطة والمخابرات الفرقة الناجية، والثوار والثائرات الفرق الهالكة.
/5/2012 Issue 4200 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4200 التاريخ 15»5»2012
AZP07