بوتين يواجه أوربا مختلفة

بوتين يواجه أوربا مختلفة
جورج فريدمان
ترجمة سناء عبد الله
أدى فلاديمير بوتين هذا الأسبوع اليمين الدستورية لولاية رئاسية ثالثة في روسيا. إن عودة بوتين إلى الرئاسة لم تكن أمرا غير متوقع، والحقيقة، فان الرجل لم يتنازل أبدا عن كرسي الزعامة حتى خلال الفترة الرئاسية لديمتري مدفيديف. غير أن هذا التغيير يأتي وسط موجة مضادة للرؤساء الحاكمين في أوربا، والتي شهدت آخرها تحديا فرضه الزعيم الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي هزم خلاله نيكولا ساركوزي في انتخابات فرنسا الرئاسية التي جرت نهاية الاسبوع الماضي. وأمام هذه التغيرات، يتعين على بوتين أن يعيد ضبط النهج الروسي في أوربا.
خطط بوتين
لروسيا وما وراءها
كانت روسيا على طريق الصعود ثانية منذ الفوز الذي حققه بوتين خلال الانتخابات الرئاسية سنة 1999. وكان بوتين قد ورث أمة روسية محطمة وضعيفة وتسودها الفوضى. وكما لاحظ المراقبون خلال السنوات التي خلت، لم يحاول بوتين إعادة خلق الاتحاد السوفييتي، فهو أحد دارسي الجغرافية السياسية، ويفهم جيدا بأن معوقات روسيا هو تطلعها نحو التوسع الأمر الذي تسبب في سقوط الاتحاد السوفييتي. لقد كانت مهمة بوتين تكمن باعادة الاستقرار والأمن إلى روسيا، وهي مهمة شاقة لرئيس بلاد لا تعد الأكبر في العالم فحسب، بل هي أيضا متعددة داخليا ومحاطة بقوى ممكن أن تكون معادية لها.
وفي ولايته الرئاسية الأولى، أطلق بوتين سلسلة شاملة من الاصلاحات اعاد من خلالها توطيد السلطة المركزية على المقاطعات الروسية، وقمع الحركات المتشددة في منطقة القوقاز الروسية، وطرد الطبقة المهيمنة التي مثلت الأقلية الاوليغاركية ، وأعاد السلطة المركزية للنظام السياسي والاقتصادي للبلاد. لقد أقام بوتين نظاما استبداديا واستخدم الجيش وأجهزة الأمن الروسية بما في ذلك جهاز الأمن الاتحادي ، متبعا بذلك خُطى الزعماء السابقين، من القياصرة حتى القادة السوفييت. لقد كانت المناورات التي شرع بها بوتين بمثابة تطور طبيعي يعكس قدرة زعيم ناجح على قيادة روسيا. وقد استطاع بوتين من خلال روسيا قوية وراسخة أن يسلط الضوء على المنطقة القريبة والمحيطة ببلاده. بيد أن البلدان المحيطة بروسيا كانت تبطن العداء لوجهة نظر الكرملين، فيما كان حلف الناتو والاتحاد الاوربي يندفعان بقرب أكثر من أي وقت مضى باتجاه الحدود الروسية مقيمين الشراكات مع العديد من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق. من جانبهم، استخدم القياصرة والزعماء السوفيت اسلوبين رئيسيين لمواجهة مثل هذه الأوضاع.
اعتمد الأسلوب التكتيكي الأول على تعبئة القوات العسكرية الروسية نحو صد النفوذ الأجنبي، إن كان ذلك بشكل مباشر كما فعلت موسكو مع جورجيا أو بشكل غير مباشر من خلال تشكيل تحالفات عسكرية مع بلدان الاتحاد السوفييتي السابق مثل روسيا البيضاء وكازاخستان . ورغم أن روسيا تمكنت من تشكيل مثل هذه التحالفات مع دولة أو دولتين، إلاّ أنها لم تتمكن من استخدام التكتيك ذاته مع كل البلدان الواقعة في محيطها.
أما الاسلوب التكتيكي الثاني فقد تمثل باقامة التحالفات المناسبة في أوربا لمساعدة موسكو على تفتيت التوسع الشامل من جانب أوربا ــ الناتو المعادي لروسيا والمشاعر المعادية التي رافقته، فيما عمدت إلى تعزيز قدرات البلاد الاقتصادية، والمالية، والتقنية. وكانت روسيا القيصرية قد اتبعت الترتيبات ذاتها مع المملكة المتحدة خلال مرحلة الحروب النابليونية، ومع فرنسا قبل الحرب العالمية الأولى، فيما أقام القادة السوفيت تحالفا مع الالمان غلب عليه طابع المصلحة وذلك قبل الحرب العالمية الثانية. ولم تكن روسيا قد وثقت بأي من تلك البلدان التي تحالفت معها والعكس صحيح ، غير أن الزعامات الروسية والأوربية اشتركت في فهم متأصل مفاده أن بعض التحالفات المحددة ضرورية من أجل صياغة دينامية القارة.
وخلال عهد بوتين، وضعت روسيا نصب عينيها على ما عدته ثلاثا من القوى الأوربية وهي المانيا وفرنسا وايطاليا. ورغم أن الكرملين يرى في المملكة المتحدة قوة رئيسية رابعة، إلا أن تحالف لندن الثابت والتقليدي مع الولايات المتحدة الأمريكية جعلها تقاوم محاولات الانفتاح الروسية عليها. ورأى الكرملين في المانيا وفرنسا وايطاليا دولا تحمل ثقلا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وأنها إذا ما توحدت في إطار هيكل تحالف غربي، بوسعها أن تشكل تحديا لسياسات روسيا في أوربا. ولغرض اقامة شراكة مع هذه البلدان، عمد بوتين إلى بناء علاقات مع قادة هذه البلدان.
أسلوب بوتين الشخصي
لقد كانت ألمانيا خيار روسيا الطبيعي الأول للشراكة، ليس لانها تمثل قلب أوربا فحسب، بل لانها تمثل أيضا أكثر دولة أوربية يخشاها الكرملين. علاوة على ذلك، يولي بوتين حبا خاصا لالمانيا يرجع تاريخه إلى الأيام التي عمل فيها مع المخابرات الروسية كي. جي. بي ، في مدينة دريزدن الالمانية. وفي مطلع الألفية الثانية، كان بوسع بوتين استخدام طلاقته باللغة الالمانية لبناء علاقة صداقة متينة مع المستشار الالماني في حينه غيرهارد شرودر، حيث رأى الأخير في تلك العلاقة فرصة اقتصادية، اذ كانت روسيا أكبر منتج ومصدر للطاقة فضلا عن كونها مكانا محتملا للاستثمار الواسع.
وقد شهد التبادل التجاري بين المانيا وروسيا ازدهارا على عهد المستشار شرودر، فيما قدمت المانيا مزايا خاصة الى روسيا بوصفها شريكا في مجال الطاقة. وبدأت المانيا، وفقا لخطة بوتين، بتقديم الدعم لوضع روسيا في أوربا بخصوص مسائل استراتيجية محددة. وكانت المانيا بقيادة شرودر الوحيدة من بين الحكومات الأوربية التي لم تقدم الدعم القوي لثورة البرتقال في أوكرانيا خلال الاعوام 2004 ــ 2005. كما قام شرودر بتزعم جهود المعارضة الأوربية للمساعي الأمريكية لبدء عملية انضمام كل من اوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو.
وفيما شهدت علاقة الصداقة التي ربطته ببوتين نموا، اشترى شرودر مقاطعة خارج العاصمة موسكو قرب مسكن بوتين بل حتى سعى للحصول على مساعدة بوتين في تبني طفلين روسيين. ولم يؤدِ ابتعاد شرودر عن الحكم سنة 2005 إلى نهاية علاقة الصداقة تلك، أو فائدة شرودر لبوتين. ورغم الانتقادات الالمانية الواسعة له، وحتى من جانب حزب شرودر نفسه، قبل المستشار الالماني السابق بموقع في شركة الغاز الطبيعي الحكومية في روسيا غازبروم ليترأس مشروع نورد ستريم ، وهو خط انبوب غاز صمم خصيصا لمضاعفة نفوذ روسيا على روسيا البيضاء وأوكرانيا وبولندا في مجال الطاقة.
ومن خلال إقامته لعلاقة متينة مع برلين، استطاع بوتين تأسيس علاقة مماثلة مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. ويختلف وضع فرنسا مقارنة بالمانيا، إذ أن الأولى لا ترتبط اقتصاديا أو سياسيا بروسيا. بيدّ أن باريس تعي تاريخ الروابط القوية بين برلين وموسكو وماذا تعني هذه الروابط بالنسبة لأوربا مجتمعة. وعليه، فان لفرنسا مصلحة في ضمان ألا تُترك وحيدة في أي لقاء يجمع بين روسيا والمانيا. وهكذا تقدمت العلاقة بين شيراك وبوتين لتمضي خطوات إلى أمام.
وفي بدء العلاقة بينهما، عقد بوتين وشيراك تحالفا سياسيا ضد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق. وكان هذا التحالف مهما بالنسبة لموسكو لأنه ساهم في تقويض وحدة حلف الناتو بشأن مسألة حساسة. والأهم من هذا بالنسبة للمصالح الروسية، فقد شرع شيراك بالتعبئة ضد توسع الناتو وسعيه لضم دول البلطيق في كل من استونيا ولاتفيا ولتوانيا. وكانت دول البلطيق قد انضمت إلى حلف الناتو رغم معارضة شيراك، وعندما عقدت قمة الناتو التي اعقبت انضمام هذه الدول، في لاتفيا، قام شيراك بدعوة بوتين إلى الاجتماع كضيف له.
وإن كان بوتين صديقا مقربا من الزعماء الفرنسيين والألمان، فقد كان بمثابة الأخ بالنسبة لرئيس الوزراء الإيطالي في حينه، سيلفيو برلسكوني. وكانت تلك العلاقة ذات صبغة شخصية أكبر لأن إيطاليا لم تكن ذات أهمية استراتيجية ولم تكن لتهدد أحدا كما هو شأن الدولتين الأوربيتين الأخريين. لقد أمضى بوتين وبرلسكوني إجازات الراحة سوية، واحتفلا بعيد ميلاديهما سوية أيضا وقدما لبعضهما البعض هدايا ثمينة. وفي سنة 2011، عندما واجه برلسكوني محاكمة بتهمة تصرفات جنسية غير لائقة، دافع بوتين علانية عن صديقه، قائلا بأن الاتهامات قد وجهت بسبب الغيرة . وقد تمخضت الصداقة بين الرجلين عن بناء علاقات بين شركات الطاقة الروسية والايطالية، والبنوك، ومشاريع الصناعة العسكرية المشتركة. ولعل أبرز ما يمكن أن يقال في هذا الصدد، هو أن بوتين كان بوسعه استخدام علاقته تلك مع برلسكوني لمساعدة شركة غازبروم الروسية على النفاذ إلى الأصول التابعة لشركة إيني الإيطالية الكبرى للطاقة في شمال أفريقيا ولا سيما في ليبيا.
ولم تتغير الصلات الشخصية لبوتين مع المانيا وفرنسا وايطاليا بتغير القيادات في تلك البلاد منذ سنة 2005 لغاية سنة 2007، وبقيت نفس العلاقات دون أي تغيير عندما غادر بوتين الأضواء ليصبح رئيسا لوزراء البلاد سنة 2008. لقد استغل بوتين زخم العلاقات التي بنتها حكومات مختلفة، حتى إن لم تكن تحمل أية صبغة شخصية، مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركيل، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومع رئيس الوزراء الايطالي روماني برودي، وإن لفترة وجيزة. ولقد ساعدت حلقة الاصدقاء والمعارف التي أسسها بوتين في صياغة بعض من أهم الاستراتيجيات في أوربا مما أعاق توسع الناتو، ودفع باجندة روسيا مع الحلف المذكور إلى أمام، ووسع العلاقات العسكرية لتصبح قادرة على غزو جورجيا دون تدخل من جانب أوربا أو حلف الناتو. ولم يحدث ذلك لمجرد أن بوتين تمتع بعلاقات شخصية طيبة مع الزعماء في ايطاليا وفرنسا والمانيا، لكن هذه العلاقات والعديد من الاتفاقات جعل نجاح روسيا أمرا ممكنا.
التغيرات في أوربا
ومع عودة بوتين إلى الرئاسة، فانه سيواجه أوربا مختلفة تماما عما كانت عليه، حيث غادر معظم أصدقائه المقربين مواقع السلطة. وبوصفه رئيسا للوزراء، ركز بوتين اهتمامه على المسائل الداخلية الروسية في وقت تخبطت فيه أوربا في أزمة سياسية ومالية أثرت على القارة برمتها. ولم تعد أوربا مهتمة بما يجري في العالم الأوسع بما في ذلك روسيا كما كان عليه الحال في السابق. وعوضا عن ذلك، تُركز كل دولة جلّ اهتمامها على الحفاظ على وجودها، وعلى بقاء نوع ما من التحالف الأوربي دون أي تغيير.
وقد رفض الناخبون اثنين من رؤساء ثلاث حكومات أوربية كانت صديقة لروسيا خلال هذه الأزمات. وقد اقصي برلسكوني وماكنته السياسية من السلطة لصالح رئيس حكومة من فئة التكنوقراط فيما يترأس الحكومة حاليا ماريو مونتي. ويفتقر مونتي إلى التفويض السياسي اللازم أو حتى الرغبة بأن يدخل في عملية صنع تحالفات جيوسياسية مثل العلاقة الوثيقة التي كانت تربط إيطاليا بروسيا. أما شيراك فرنسا فقد ترك الحياة السياسية، فيما خسر الرئيس ساركوزي الانتخابات الرئاسية قبل يوم واحد من تسلم الرئيس بوتين منصبه الرئاسي. ويحيط الرئيس الفرنسي المنتخب فرانسوا هولاند نفسه بسياسيين لم يحتلوا مواقع بالحكومة في أي مرحلة كان فيها بوتين في الحكم بروسيا. ولم يبق سوى المستشارة ميركيل التي تعد علاقتها بالرئيس بوتين ضمن الأضعف في الحلقة الروسية للزعماء الأوربيين. فضلا عن ذلك، فان ميركيل منشغلة حاليا بالحفاظ على وحدة أوربا، مما لا يترك لها مزيدا من الوقت لايلاء الاهتمام بالتطلعات الروسية في أوربا.
وبالتالي، يبدو أن السياسات المرحلية التي وضعها بوتين للمساعدة على تعزيز وضع روسيا في أوربا لم تعد صالحة. ولاتزال الحكومتان الفرنسية والايطالية فتيتين، ولذا فان بوسع بوتين أن يحاول بناء علاقات مع هولاند ومونتي. غير أن فرنسا وإيطاليا، شأنهما شأن المانيا، مهتمون على نحو أكبر في ما يحدث في اوروبا أكثر من اهتمامهم بالاوضاع الروسية.
إن الموقف الجديد من روسيا قد تبلور في روما. ففي أول جولة محادثات بين الحكومة الإيطالية الجديدة والحكومة الروسية، أوضح الرئيس الإيطالي جيورجيو نابوليتانو بشكل جلي بأن العلاقات بين روما وموسكو ستخضع إلى إزالة الصبغة الشخصية . وكان أول دليل على هذا التوجه تبني ايطاليا لخطط دفاع الصواريخ الباليستية الأمريكية لأوربا. لقد دعمت إيطاليا، كما فعلت فرنسا من قبل، الموقف الروسي بشأن الصواريخ الدفاعية في أوربا. ورغم أن ذلك لم يمنع واشنطن من المضي قدما في خططها، فقد تسبب نشر هذه الصواريخ بنشوب خلاف مع الناتو. إن تحول إيطاليا نحو الوحدة مع حلف الناتو والولايات المتحدة يأتي قبل موعد انعقاد ما يعرف بقمة الناتو ــ روسيا في شيكاغو، غير أن الدعوة الموجهة إلى روسيا الغيت.
وتأتي التغيرات التي طرأت على القيادة الأوربية وعلى الاهتمامات في القارة وسط التعديلات الروسية لبعض الديناميات الأخرى في أوربا. وقبل حدوث الأزمة الاقتصادية والسياسية في القارة الأوربية، عمدت روسيا إلى صياغة استراتيجية جديدة لسياسة خارجية حيال أوربا يضطلع بموجبها الشركاء الأوربيون الاستراتيجيون، لا سيما المانيا وفرنسا وإيطاليا، باستثمارات كبيرة في الاقتصاد الروسي والقطاع المالي. ومع حالة شبه الافلاس التي تعيشها أوربا، فقد تراجعت هذه الاستراتيجية وقد يتم الاستغناء عنها نهائيا. وتواصل روسيا التعاون مع الشركاء الأوربيين بشأن بعض المشاريع، غير أن على موسكو أن تقدم دعما ماليا أكبر مما كانت قد توقعته لهذه المشاريع من أجل إنجاحها، وهو خيار مكلف للسياسة الخارجية.
ويكمن الهدف الرئيسي لروسيا قدر تعلق الأمر بالموقف من أوربا في إبقاء القوى الأوربية في حالة انقسام في وقت تواصل فيه موسكو انتزاع ما تريده ماليا وتكنولوجيا. ولقد ولت تلك الأيام التي كان بوسع بوتين أن يتصل بصديق في أوربا لمساعدته في التعامل مع حلف الناتو أو معالجة عجز تكنولوجي ما. ويتعين على روسيا صياغة استراتيجية جديدة للتعامل مع أوربا مختلفة تماما وأن تتقيد بشدة في أولوياتها وألا تعتمد على العلاقات الشخصية والسياسية، التي تعد ظواهر عابرة مقارنة بقوى الجغرافية السياسية.
/5/2012 Issue 4200 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4200 التاريخ 15»5»2012
AZP07