قبل أن تغيب شمس النفط عن العالم

 

علي مارد الأسدي

يبلغ مجموع الاحتياطات النفطية المكتشفة في العراق حوالي 150 مليار برميل، وتسعى وزارة النفط العراقية إلى زيادة الاحتياطات المؤكدة إلى 160 مليار برميل، مع توقعات تشير إلى احتمال تجاوز الاحتياطات المكتشفة في المستقبل حاجز 200 مليار برميل.

حاليًا، يبلغ معدل صادرات النفط العراقي حوالي 100 مليون برميل شهريًا. وإذا افترضنا عدم اكتشاف احتياطات جديدة، واستمرار العراق في استخراج النفط بمعدله الحالي، فإن الاحتياطي النفطي البالغ 150 مليار برميل سيكفي لمدة 125 سنة. وحتى إذا ضاعف العراق معدل التصدير إلى 200 مليون برميل شهريًا، سيظل أمامه أكثر من 60 سنة قبل استنفاد كامل احتياطاته النفطية.

قد تبدو هذه الأرقام مطمئنة وتبعث على الثقة بمستقبل العراق، لكنها تخفي وراءها مشكلة خطيرة قد تكون خارج حسابات صناع القرار الاقتصادي إذا ما تم تجاهل متغيرات الطلب العالمي على النفط.

وفقًا للتقارير الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) وشركة بريتيش بتروليوم (BP)، تشير التوقعات إلى أن الطلب العالمي على النفط سيصل إلى ذروته بين عامي 2030 و2040، ليبدأ بعدها في الانخفاض نتيجة السياسات المناخية التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية. والتطور التكنولوجي، مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. واستمرار أو تصاعد الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية التي تؤثر على أنماط الاستهلاك العالمي للطاقة.

وقد سبق أن حذرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها السنوي من أن نهاية عصر النفط ربما تكون أقرب مما نتصور. وأشارت إلى أن الطلب على جميع أنواع الوقود الأحفوري سيتوقف عن النمو خلال هذا العقد، بالتزامن مع الانتقال إلى عصر الطاقة النظيفة وزيادة الاعتماد على الكهرباء.

كما توقعت الوكالة انخفاض أسعار النفط والغاز في السنوات المقبلة بسبب تراكم الإمدادات الفائضة، مما سيؤدي إلى تراجع الأسعار بشكل ملحوظ. وقالت الوكالة:
“لقد شهدنا عصر الفحم وعصر النفط، وها نحن ننتقل بسرعة نحو عصر الكهرباء”.

ولذلك فالمعضلة الكبرى التي ستواجه العراق هي أن النفط قد يفقد قيمته قبل استخراجه.

هذا السيناريو يعني أن جزءًا كبيرًا من الاحتياطي العراقي من النفط سيفقد قيمته وهو لا يزال في باطن الأرض، حيث لن يكون استخراجه مجديًا اقتصاديًا في ظل تراجع الطلب العالمي المتوقع خلال عقدين أو ثلاثة عقود على الأكثر.

إذن، كيف نستفيد من احتياطاتنا النفطية قبل غروب عصر النفط؟

في ظل القدرة الإنتاجية المحدودة للعراق وقصر الزمن المتبقي للاستفادة القصوى من النفط، تبرز أمامنا عدة خيارات، لكل منها مزاياه وتحدياته:

1. البيع المسبق لجزء من الاحتياطات النفطية داخل الأرض إلى الشركات الأجنبية مقابل دفعات مالية مقدمة. ومن مزايا هذا الخيار توفير سيولة مالية كبيرة للاستثمار الفوري في مشاريع تنموية. لكن فيه مخاطر تتعلق بفقدان جزء من السيادة على الثروة الوطنية، واحتمال الخسارة إذا ارتفعت أسعار النفط على المدى القريب أو المتوسط.

2. الدخول في شراكات إستراتيجية مع شركات نفط عالمية لتطوير الحقول مقابل تقاسم الأرباح. ومن مزايا هذا التوجه: الحفاظ على ملكية الاحتياطات وتحقيق عوائد مستمرة. لكن هناك بعض التحديات مثل التفاوض على شروط عادلة وضمان نقل التكنولوجيا.

3. إصدار سندات حكومية يتم سدادها من عائدات النفط المستقبلية، مما يوفر تمويلًا سريعًا للاستثمارات الكبرى. ومن فوائد هذا الخيار: توفير تمويل سريع بدون بيع الأصول. لكنه أبرز مخاطره زيادة الديون العامة إذا لم يتم استثمار العائدات بحكمة.

4. تأسيس صندوق سيادي يستثمر الفوائض النفطية في أصول مالية عالمية، مثلما فعلت دول مثل النرويج والإمارات. وهو ما يضمن تدفق عوائد مستقرة للأجيال القادمة. لكن هذا الخيار بحاجة إلى إدارة كفوءة واستراتيجية استثمارية حكيمة.

وأخيرًا..

لم يعد الرهان على النفط وحده كافيًا لمستقبل العراق الاقتصادي. فالاحتياطات الهائلة لن تعني شيئًا إذا فقدت قيمتها مع تغير موازين الطاقة العالمية. ولذلك علينا الاستثمار الذكي للعوائد النفطية الحالية في مشاريع إنتاجية مستدامة، في ظل إدارة رشيدة للاحتياطيات النفطية وبأساليب مرنة تحقق الاستفادة القصوى قبل أفول عصر النفط. مع تنويع وتنشيط الاقتصاد العراقي لخفض الاعتماد على واردات النفط إلى أقصى درجة ممكنة.

بهذه الرؤية، يمكن للعراق أن يحول ثروته النفطية إلى قاعدة صلبة لاقتصاد مستدام، يزدهر حتى بعد أن تغيب شمس النفط عن العالم.