دروز بلغراد ربيع جابر الصامت في الحياة يطلق صرخة حنا وهيلانة
عنوان يحمل بساطته في حزمة أسئلة
محمد رشيد السعيدي
أتابع باستمرار، أخبار جائزة بوكر العربية، وأقرأ، حين أجد، الروايات الفائزة أو المرشحة الى قائمتيها الطويلة والقصيرة. وحين كنت أبحث عن معلومات أو قراءات في رواية دروز بلغراد حكاية حنا يعقوب للروائي اللبناني ربيع جابر والفائزة بجائزة الدورة الخامسة 2012 ، وجدتها على الشبكة الدولية للمعلومات 1 . ومع وجود أسباب متعددة لدي لقراءتها، فقد كان العنوان سببا مهما؛ وكتبت هذا النص، قبل أن أكمل خمسين صفحة منها.
ثريا النص 2
جاء عنوان الرواية مختلفا مع النمط الشائع للعنوان السردي، ذلك المتكون من كلمة واحدة الأبله 3 ، أو مقطع واحد سفر السرمدية 4 ؛ فتكون من مقطعين دروز بلغراد» حكاية حنا يعقوب. وهو استخدام جديد، لطريقة العناوين الصحفية، أو عناوين الدراسات؛ تلك التي يقوم المقطع الثاني فيها بوظيفة التوضيح. لكن المقطع الثاني في عنوان هذه الرواية لا يقوم بوظيفة التوضيح، بل هو أشبه بالبدل في نحو اللغة العربية، حين يستخدم بلاغيا. إذ يمكن الاقتصار على المقطع الأول، ويمكن، أيضا، الاقتصار على المقطع الثاني، عنوانا واحدا للرواية. لكن الكاتب شاء أن يجعل للرواية مقطعين، لغايات جمالية؛ لغوية وفنية سردية.
إذن، فقد تركب عنوان الرواية من جزأين، الأول دروز بلغراد. وهو عنوان استفزازي، لأنه يتركب من كلمتين غير متجانستين، موضوعيا، قبل خصوصياتهما الفنية التي سنتطرق لها. الدروز طائفة، ديانة، ملة، إثنية، شعب، فئة، مجموعة بشرية. يتميزون بعددهم القليل، وبتواجدهم في الحوض الشرقي للبحر المتوسط؛ سوريا ولبنان وفلسطين. إذن يتعلق العنوان بالهوية. لذا فان الرواية سوف تحسب على أدب ما بعد الكولونيالية، من حيث تعلقها بتأكيد الهويات الصغرى، لكنها ـ الرواية ـ ليست من روايات ما بعد الحداثة، بنائيا، وان شملتها إحدى الصفات الفكرية لهذا التيار الهوية.
ثم تأتي الكلمة الثانية، في الجزء الأول من العنوان، بلغراد. لتؤكد ميزة الاستفزاز، ماذا يفعل الدروز في بلغراد؟ عاصمة يوغسلافيا السابقة، صربيا الحديثة. ولأن الكلمة اسم مكان، والعلاقة بين اسم المجموعة البشرية واسم المكان علاقة تكاملية توضح بعض ميزات تلك المجموعة بشرية، كما نقول أكراد العراق، أو مسلمي فرنسا. إذن فقد كان الوظيفة الأولى للعنوان توضيح علاقة الرواية بالهوية، من خلال الربط بين اسم المجموعة البشرية، واسم مكان، ليس مكانهم المعروف، بل مكان بعيد عن موطنهم الأصلي؛ وهو ما يعطي للعنوان وظيفته الثانية الاستفزاز، المؤدي الى جاذبية القراءة. ولأن من لا يعرف عن الدروز كثيرا، يحتاج لمعرفة شيء عنهم، ولأن من يعرف عن الدروز كثيرا، يدفعه الفضول لمعرفة العلاقة بين دروز بلاد الشام وبلغراد، المدينة البلقانية البعيدة، ما وراء البحار، كما في التراث العربي والرواية.
أما الجزء الثاني من العنوان حكاية حنا يعقوب، فإنه يعزز واجب الاستفزاز. يزيده غموضا، أو التباسا، أو عدم تجانس في الخلطة. دروز، وبلغراد، وحنا يعقوب. فإسم الشخص ليس اسما درزيا، بل هو اسم مسيحي واضح. وقبل المقطع الثاني يستخدم المؤلف مصطلح حكاية ، المصطلح التراثي» الحداثي. فالحكاية هو الاسم الذي يطلق على الرواية في الأدب العربي، والتي كانت شفاهية غالبا، ويسمى راويتها بالحكواتي. وهو حداثي استخدمه جيرار جنيت للدلالة على ثلاثة مفاهيم، ليس هذا مكان شرحها، تتعلق ببناء الرواية أو القصة.
يؤكد العنوان، أن امتياحه من التراث لا يبعده عن الحداثة العلمية، ولا تقطعه الأخيرة عن أصوله.. وهو ليس إلا تجل انساني، وفن غريزي، أو طبعي 5 ، قبل تهذيبه وتقعيده.
ولوقوع مصطلح حكاية بين شقي العنوان، وكل شق منهما يتألف من كلمتين فقط، فهو يقوم بدور الربط الموضوعي والفني بينهما. الحكاية واسطة عقد لأربع حبات أخرى، وأصبحت واسطة عقد لأنها الإطار، ولأنها التراث ولأنها الحداثة. ولخلق توازن كمي بين شقي العنوان، دروز بلغراد ، و حنا يعقوب ؛ وقد وضعت كلمة حكاية في بداية الثاني للتعويض عن حرف ناقص عن عدد حروف الجزء الأول من الاسم، الجزء الأول يتكون من عشرة حروف والجزء الثاني يتكون من تسعة؛ وإلا لماذا لم توضع لوحدها، بين سطرين هما العنوانين، لتأكيد أحاديتها، وعدم علاقتها بأي منهما؟
حتى نصل الى العقدة الأم، الى رحم المشكلة، الرحم القابع في العنوان، والعنوان الذي سيلد الحكاية» الرواية. العقدة هي ما الذي يربط بين الدروز وحنا يعقوب؟ فهما إثنيتان مجموعتان بشريتان مختلفتان . قد يجيب البعض، من اللبنانيين خاصة، أو من المطلعين على تاريخ لبنان الحديث، بان العلاقة هي حرب أهلية وقعت في الجبل الذي يظلل بيروت 6 ، وقعت بين الدروز والمسيحيين. وثمة قراء فضوليون، ذوو فضول انساني لا روائي، سوف يبحثون عن هوية المؤلف، وسوف يبحثون في طيات الحكاية عن ميل المؤلف ودفاعه، عن حبه وكرهه، لأي من المجموعات البشرية.
الحقيقة، إن في هذا استفزاز كبير وواضح، وشجاعة فنية روائية، وشخصية انسانية، هامة، تشكل إضافة مهمة للرواية العربية خصوصا. فمنذ العنوان، تؤكد دروز بلغراد حكاية حنا يعقوب على أهمية أن تغادر الرواية منطقة الذاتي الى غير رجعة، فهي من تأثيرات الشعر، الضارة كثيرا بالرواية، أو التي تشكل عقبة في طريق أن يكون النص حكاية.
تقول هذه الرواية، كما يقول البويطيقيون، ثمة قواعد وقوانين تجعل من الأدب أدبا، ومن كل جنس جنسا منمطا وواقعا تحت عنوان. تقول هذه الرواية، إن الحكاية موضوعية والشعر ذاتي، وإن كان الشعر قد نجح لأنه عبّر خير تعبير عن الذاتية، فإن الرواية لن تنجح حتى تعبّر خير تعبير عن المجموع، عن الناس، عن المجموعات الصغرى، والتجمعات الأكبر، تأكيدا على كل الهويات، واحتراما لها، وجعلها لآلئ في عقد كبير اسمه الانسانية.. نعم الناس مختلفون، كثيرا جدا، بأشكالهم وألوانهم ومعتقداتهم، هذه سنة الحياة، وهكذا خلقهم الله، ولا داعي لتغيير ذلك، ولو نظرنا لهم كعقد منتظم من لآلئ مختلفة لوجدنا الأمر كاملا وجميلا، وعلينا أن نحافظ على عدم انفراطه.
وبعد انتهائي من قراءة الرواية، بجلستين لم تستغرقا أكثر من ست ساعات، توصلت الى أفكار ورؤى ومشاريع لدراسات نقدية في الرواية، لكن الأهم من ذلك كله هو أنني وجدت ما أنبأني به العنوان، وجدت الآتي حنا يعقوب المسيحي، ذهب، أو أذهب، درزيا، وعاد حاجا مسلما. ذهب في رحلة عذاب؛ لا يرى غير الألم والقبح، وعاد مسرورا لا يرى غير الجمال. تقول الرواية الانسان واحد والعقائد متعددة، وليس للانسان إلا جمال روحه، لأن روحه قبس من الروح السرمدية، لأن الانسان يأخذ جماله من جمال خالقه.
/5/2012 Issue 4194 – Date 8 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4194 التاريخ 8»5»2012
AZP09
























