كلام على الماشي دعوة الى المـِربَد

كلام على الماشي دعوة الى المـِربَد
حسن النوّاب
منتصف التسعينيات وصلت لي اول دعوة رسمية للمشاركة في مهرجان المربد، وكان الحصار الاقتصادي قد وصل الى ذروة قسوته بحق الناس البسطاء وغرز مخالب الحرمان حتى في احلامهم، واصبحت رؤية عقيد متقاعد يدخن سيجارة المزبن ويتناول لفة فلافل بصمونة سوداء من المشاهد المألوفة في ذلك الوقت، بعدما كان هذا العقيد يدعونا الى مائدة عليها مالذ وطاب من طعام شهي ومشروبات اثناء الحرب ضد ايران وعلى حسابه الخاص، لم اصدق وصول دعوة المربد اذ كنت اعيش حياة متقشفة جدا بعد مرور سنة على زواجي، وعلمت انهم سيدفعون لنا اربعين ألف دينار كبدل طعام طيلة ثمانية ايام سنقضيها في المهرجان، وهذا المبلغ في الواقع انقذني من افلاس ذليل وسد رمق عائلتي من الجوع لمدة شهر، فقد حرصت ان لا اصرف الاّ دنانير قليلة منهُ، واكتفيت بتناول وجبات الفلافل الرخيصة، واحيانا كان الضيوف العرب من اصدقائي الشعراء يدعونني الى تناول الطعام اللذيذ في مطعم الفندق خلسة وبعيدا عن انظار موظفي تشريفات وزارة الثقافة الذين كان معظمهم ان لم اقل كلهم مخبرين ينقلون الى المسؤولين العطسة والشهقة والطرفة التي تصدر منا حين يشعرون انها ضد النظام، وتوالت دعوات المربد على شخصي طيلة السنوات التي امضيتها في الوطن برغم ان القصائد التي اقرأها في كل عام كانت تتسم بالتذمر الخفي والاحتجاج المبطّن على الوضع الأليم حين ذاك، ولم اقرأ اية قصيدة تشي حتى ولو بنأمة مديح للديكتاتور ونظامه، وكتب المربد الصادرة والتي كانت تضم قصائدي مع باقي الشعراء شاهدة على ذلك، وقبل ايام قلائل وصلت الى استراليا حيث مكان اقامتي دعوة كريمة من وزارة الثقافة هكذا ظننتها بادئ الأمر لأن ديباجة الدعوة جعلتني اشعر بالفخر، حيث قرأت في سطرها الثاني مايلي نظرا للمكانة التي نقدرها فيكم الخ.. وظننت انهم اختاروني لتسنم منصب رفيع؟ لكني عرفت في النهاية انها دعوة للمشاركة في مهرجان المربد الذي حملت دورته لهذه السنة اسم المناضل والشاعر المخضرم الفريد سمعان، لا اخفيكم فرحتي بالسفر الى البصرة، خاصة وان من ضمن المدعوين صديقي الشاعر نصيف الناصري الذي لم اره منذ اكثر من خمس عشرة سنة وكذلك كوكبة من اصدقائي الأدباء الآخرين، كانت الدعوة تشير الى ارسال نسخة من جواز السفر مع بيان لخط الرحلة على جناح السرعة بغية استكمال اجراءات السفر، وتشير بسطر آخر الى امكانية المدعو من تدبر السفر بنفسه على ان تدفع الوزارة ثمن التذكرة حالما يصل الى المهرجان، وهكذا نهضت لاختيار الأشعار التي سأقرأها هناك، واستقرت قناعتي على قصائد قصار تشتعل بالغضب والاحتجاج والنقد اللاذع للحكومة، لكن زوجتي حذرتني بشدة قائلة ألعن الشيطان ثم نصحتني باختيار غيرها، لم اسمع نصيحتها،كان قراري لا رجعة فيه وقلت لها اريد اختبار الحرية والديمقراطية في وطني من خلال هذه المصائب التي سأقرأها على الجمهور، ووضعت في خاطري اسوأ الاحتمالات من خلال طلقة ماكرة ستسكن قلبي، ويالها من ميتة ساحرة ان تلفظ انفاسك الأخيرة وأنت على منصة الشعر، وشعرت ان زوجتي فتر حماسها على سفري، وان روحها خفتت حيويتها حين بدأت برزم حقيبتي، فتحت بريدي بعد يوم، ولم اجد رسالة قد وصلت من الوزارة تخبرني عن خط الرحلة، هاتفت الناطق الاعلامي لاتحاد الأدباء صديقي الشاعر ابراهيم الخياط، واخبرته ان ثمن التذكرة اكثر من الفين دولار، صمت قليلا ثم اخبرني انه سيتصل بالوزارة ويأتي بالخبر اليقين بعد دقائق، لكن هاتفي لم يرن الا بعد ساعتين وجاءني صوته منكسرا يقطر خجلا استاذي النواب .. ان ميزانية المهرجان مئة وستون مليون دينار ونحن غير مخولين بالصرف،كل شيء بيد الوزارة وكان مخصصا ثلاثة ملايين دينار لكل مدعو من الخارج، ويبدو انهم تراجعوا عن قرارهم الآن، وقبل قليل اخبرتني الوزراة انها لا تدفع الا الف دولار فقط وعليك تحمل ما تبقى من ثمن التذكرة .. هززت رأسي أسفا وقلت بمرارة انها دعوة كريمة حقا ؟؟ ، بينما تنفست زوجتي الصعداء.
/5/2012 Issue 4193 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4193 التاريخ 7»5»2012
AZP20
HSNO