

نورهان شيراز
حضارة وادي الرافدين تحتل مركز الريادة في التدوين في العراق القديم مقارنةً ببقية الحضارات القائمة آنذاك. وقد شمل التدوين جميع شؤون الحياة العامة والخاصة.
تميزت حضارة وادي الرافدين بكثرة ما وصل إلينا من ألواح الطين. يُقدَّر ما وصل إلينا من سلالة أور الثالثة (2112-2004 ق.م) بحوالي 30,000 إلى 40,000 لوح، وربما أكثر. ومن العصر البابلي القديم (2000-1500 ق.م) وصل إلينا ما يقارب 50,000 إلى 70,000 لوح كتابي، ومن العصر الآشوري الحديث حوالي 80,000 لوح. في العصور المتأخرة، مثل العصر البابلي الحديث (منتصف القرن السادس ق.م) والعصر الفارسي الأخميني (539-226 م)، كانت هناك أيضًا كميات كبيرة من الألواح المكتوبة.
إذا حاولنا تصنيف الألواح الطينية، نجد أن هناك وفرة في النصوص الأدبية منذ العصر البابلي القديم. وقد تميز الكتبة في العصور المختلفة بنسخ النصوص بشكل كبير، بالإضافة إلى ولع العراقيين القدماء بجمع كافة المدونات والعلوم والمعارف. اشتهرت بذلك خزانة كتب الملك الآشوري الشهير آشور بانيبال (668-626 ق.م) في نينوى، حيث كشفت التنقيبات القديمة (في منتصف القرن التاسع عشر) عن مجموعات ضخمة من الألواح التي حوت الكثير منها كنوزًا من أدب وحضارة وادي الرافدين. وكانت هذه النسخ من نصوص أقدم عهدًا، وقد نُظِّمت هذه النصوص كل حسب مجموعتها زمنياً.
ومما يجدر الإشارة إليه أن أحد الباحثين اكتشف بعض النصوص المفهرسة والمصنفة في مدينة نفر، أثناء التحريات، ومنها لوحان: أحدهما موجود الآن في متحف اللوفر بباريس ويحتوي على 62 عنوانًا، والآخر في متحف فيلادلفيا ويحتوي أيضًا على 62 عنوانًا. يوجد 43 عنوانًا مشتركًا بين اللوحين، وبذلك يكون عدد العناوين المسجلة 87 عنوانًا لنصوص أدبية، وقد تم تحديد 28 تأليفًا منها حيث وُجد أصلها الكامل في الألواح المكتشفة سابقًا.
من المعروف أن مادة الكتابة كانت هي الطين، وقد دُوِّنَت عليها معظم النصوص الأدبية وطريقة جمعها وفهرستها وتسلسلها. فلا يمكن تدوين نص مطول مهما بلغ حجمه على لوح واحد، لذا حُدد طول الألواح بـ (50×50 سم) على أقصى تقدير.
أما في الوثائق والعقود التجارية والرسائل وغيرها من شؤون الحياة الاعتيادية، فكان يكفي لوح واحد لاستيعابها. بالنسبة للنصوص المطولة الأدبية والتاريخية، فقد وُضع لها حلاً بتدوين النص المطول في عدة ألواح تُربط على هيئة سلسلة متتابعة، ويُذيل كل لوح بعنوان السلسلة مع رقم تسلسله وبداية السطر الذي يبدأ به اللوح التالي.
كانت كل مجموعة من هذه السلاسل من النصوص الأدبية تُحفظ في رفوف داخل “جرار” من الفخار أو في سلال يُعلق فيها عنوان المجموعة الذي يُسجل على لوح طيني صغير. وهكذا وصلت إلينا ملحمة جلجامش، التي كانت مدونة على 12 لوحًا، وأسطورة الخليقة على سبعة ألواح.
جرى التقليد في عناوين مثل هذه المجاميع الأدبية بأن تُعنوَن كل مجموعة بأول عبارة أو شطر من الشعر فيها. على سبيل المثال، عنونوا ملحمة جلجامش بـ “شانقبا أمرو”، أي “هو الذي رأى كل شيء”، وأضيف إلى ذلك سلسلة جلجامش “أشكارجلجامش”، وعنوان أسطورة الخليقة “إينما إيليش” أي “حينما في العلا”، وعنوان شريعة حمورابي “إينو آنم صيرم” أي “حينما آنو المبجل”. في المدونات السومرية، يُذيل النص باسم الناسخ أو الكاتب. مثلاً، أُعطي عنوان “أدمن – دوكا” للأدب المناظرة والمفاخرات بالسومرية. هناك صنف من المدونات أُطلق عليه عنوان “اندولوكال”، وهو ضرب من التراتيل والمدائح التي كانت تنظم لمدح الملوك والحكام. هناك أيضًا صنف من الأشعار والتراتيل الدينية أُطلق عليه مصطلح “سر-نام –سبادا” المرادف لكلمة “شير” أو “شيرو” بالعربية “شعر”. وذُكرت أنواع من التراتيل بكلمة “سر” ولكن لا تُعرف ماهيتها مثل “سرنمنار” و”سر حامن” و”سر-نام –كالا” أي أغاني الهنة وكالا نوع من الترانيم تعني “ترانيم الرعاة للإلهة إنانا”. وهناك تصانيف للأوتار التي تُشد على الآلات الموسيقية وغيرها، وكذلك تصنيف للقصائد الخاصة بالرثاء، وخاصة رثاء تدمير المدن الأكثر عمراناً مثل تدمير أور.
هناك نوع من التراتيل الشعرية خُصص لمدح الملوك والحكام واستعطافهم، وظهر في العصر البابلي القديم تحت العنوان السومري “أدب”، وذُكرت تحت هذا المصطلح ثلاثة أنواع من الأشعار بالسومرية: “ساكدا” ومعناه الحرفي “الخيط الطويل”، و”سكرا” أي الخيط الموضوع أو “المقرر”، و”أورو- إينبى” (سيد المدينة).
هذا الأسلوب الذي أشرنا إليه مرتبط بنظام المكتبات وحفظ السجلات والوثائق (الأرشيفات)، حيث كانت المجاميع المختلفة من الألواح الطينية المفهرسة تُودَع في حجرات خاصة من المعابد والقصور والبيوت، وكان بعضها يتألف من عشرات الآلاف من الوثائق والسجلات مثل مكتبة آشور بانيبال في نينوى وغيرها من دور الألواح أو دور الكتب البابلية والآشورية في كبريات المدن القديمة. كانت تُطلق عليها بالسومرية “بيت الألواح” (إي-دبا)، وكانت بعض المدن مثل نفر مركزًا كبيرًا للتعليم والاستنساخ والجمع، حيث توجد مدارس الكتبة المتمرسين في مختلف صنوف المعرفة.
أما الأسلوب الثاني في التدوين والذي يشمل النصوص المطولة، ولا سيما النصوص التاريخية وحوليات الملوك وأعمالهم على مختلف أنواعها، فكان يُتبَع في حفظها ما يسمى بنظام المناشير أو الأساطين، وهي من الطين المشوي وكبيرة الحجم نوعًا ما. كان هذا النظام معروفًا منذ العصر السومري المتأخر في عهد كوديا، في الألف الثالث قبل الميلاد، ولكن استعماله كان بكثرة في العصرين البابلي والآشوري في الأدوار الأخيرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. من الجدير بالذكر أن الكتبة الآشوريين، بالإضافة إلى استخدامهم الطين في الكتابة، قد استخدموا لفائف البردي وكتبوا على العاج والنحاس والرقوق الجلدية. وبما أن المواد العضوية سريعة التلف، لم يصلنا منها شيء، لكن المنحوتات الآشورية دليل على استخدام هذه المواد في الكتابة.
أما أسماء المؤلفين، فنادرًا ما نجد تداولًا للأسماء نظرًا لكثرة نسخ القطع الطينية، لكن ذلك لا يعني انعدام وجودها. على سبيل المثال، ورد اسم أحد جامعي ملحمة جلجامش في إحدى النسخ بهيئة “سين –ليقي _اونني”، وكذلك مؤلف أسطورة إله الطاعون “إيرا” جاء باسم “كيبتي –إيلاتي مردوخ”، حيث يُذكر أن الإله مردوخ نفسه ظهر له في الحلم وأملى عليه القصيدة، وعندما استيقظ دونها دون أن يزيد أو ينقص منها شيئًا. وهناك مؤلف آخر عن حوار أدبي يبين العدل الإلهي باسم “أنا – ساكل – كينام -اوبب”. أما ناسخ قصة الطوفان المعروفة باسم “اتراخاسس” فقد ذُكر بهيئة “كو –أي” من زمن سلالة بابل الأولى ويُسمى “عمي صادوقا”.
سنوافيكم لاحقًا بما حل بمكتبة آشور ناصر بال من سرقة في القرن التاسع عشر والنهب الذي تعرضت له حتى وصلت إلى المتحف البريطاني، وهي تضم رقماً طينية مفهرسة ومبوبة من مختلف العصور التاريخية ومن كافة أصناف المعرفة.
ملاحظة: جُمعت المعلومات من مؤلفات العلامة طه باقر، والدكتور فوزي أنور رشيد، والدكتور فاضل عبد الواحد، وغيرهم.























