‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يهدد‭ ‬نزاهة‭ ‬الأبحاث‭ ‬العلمية

‭ ‬سحب‭ ‬13‭ ‬ألف‭ ‬دراسة‭ ‬علمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬بسبب‭ ‬المحتوى‭ ‬الزائف

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أكدت‭ ‬حالات‭ ‬سُجلت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاستخدام‭ ‬المتزايد‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬المنشورات‭ ‬العلمية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬جودتها،‭ ‬منها‭ ‬احتواء‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجلات‭ ‬المتخصصة‭ ‬على‭ ‬عبارات‭ ‬تفضح‭ ‬إنتاجها‭ ‬بواسطة‭ ‬البرامج‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬تَضَمُنُها‭ ‬مثلاً‭ ‬صوراً‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬المتخصصين‭ ‬الذين‭ ‬استصرحتهم‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أقرّوا‭ ‬بأهمية‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭” ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬المحتوى،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالترجمة‭ ‬للباحثين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الإنكليزية‭ ‬لغتهم‭ ‬الأم،‭ ‬فإن‭ ‬سحب‭ ‬بعض‭ ‬المجلات‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬سلّط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬ممارسات‭ ‬غير‭ ‬نزيهة‭.‬

ففي‭ ‬بداية‭ ‬السنة‭ ‬الجارية،‭ ‬أدت‭ ‬صورة‭ ‬لفأر‭ ‬بعضو‭ ‬تناسلي‭ ‬كبيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬تم‭ ‬تداولها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬دراسة‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬تابعة‭ ‬لدار‭ ‬النشر‭ ‬الجامعية‭ “‬فرونتيرز‭” ‬المرموقة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.‬

وفي‭ ‬الشهر‭ ‬الفائت،‭ ‬سُحِبَت‭ ‬دراسة‭ ‬أخرى‭ ‬لتضمّنها‭ ‬صورة‭ ‬لساق‭ ‬بشرية‭ ‬تحوي‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬العظام‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تحوي‭ ‬فعلياً‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬المغلوطة،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المشاكل‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬متأتية‭ ‬من‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”‬،‭ ‬أداة‭ ‬المحادثة‭ ‬التي‭ ‬طورتها‭ ‬شركة‭ “‬أوبن‭ ‬إيه‭ ‬آي‭” ‬الأميركية‭ ‬والقائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

ففي‭ ‬بداية‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬الفائت،‭ ‬شهدت‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تداولاً‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬لدراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجموعة‭ ‬النشر‭ ‬العلمي‭ ‬البريطانية‭ “‬إلسيفير‭” ‬Elsevier،‭ ‬كان‭ ‬مطلعها‭ ‬عبارة‭ “‬بالطبع‭! ‬إليك‭ ‬مقدمة‭ ‬لموضوعك‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬صيغة‭ ‬نموذجية‭ ‬لأجوبة‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”. ‬

ولاحظ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬أحاديث‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬المحرجة‭ ‬التي‭ ‬سها‭ ‬عنها‭ ‬الخبراء‭ ‬المسؤولون‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬الدراسات‭ ‬قبل‭ ‬نشرها،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬نادرة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬لتمرّ‭ ‬على‭ ‬لجان‭ ‬مراجعة‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬المجلات‭ ‬المرموقة‭.‬

وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يصعب‭ ‬اكتشاف‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬بوضوح‭ ‬أنه‭ ‬يتزايد‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬العلمية‭.‬

‭ ‬وأجرى‭ ‬أمين‭ ‬مكتبة‭ ‬جامعة‭ “‬يونيفيرسيتي‭ ‬كولدج‭” ‬اللندنية‭ ‬أندرو‭ ‬غراي‭ ‬بحثاً‭ ‬في‭ ‬ملايين‭ ‬المقالات‭ ‬العلمية‭ ‬عن‭ ‬كلمات‭ ‬تُكثر‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬استخدامها،‭ ‬مثل‭ “‬دقيق‭” ‬أو‭ “‬معقد‭” ‬أو‭ “‬جدير‭ ‬بالثناء‭”. ‬وتبيّن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬استُخدم‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬في‭ ‬60‭ ‬ألف‭ ‬مقال‭ ‬علمي‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬اي‭ ‬بنسبة‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬السنوي،‭ ‬متوقعاً‭ “‬زيادة‭ ‬كبيرة‭” ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬سنة‭ ‬2024‭. ‬أما‭ ‬جمعية‭ “‬ريتراكشن‭ ‬ووتش‭” ‬الأميركية،‭ ‬فلاحظت‭ ‬أن‭ ‬حالات‭ ‬سحب‭ ‬المقالات‭ ‬العلمية‭ ‬بلغت‭ ‬رقماً‭ ‬قياسياً‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬هو‭ ‬13‭ ‬ألفاً‭. ‬ورأى‭ ‬إيفان‭ ‬أورانسكي،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسيها،‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بات‭ ‬يوفّر‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ “‬المصانع‭” ‬لإصدار‭ ‬الدراسات‭ “‬الزائفة‭” ‬بكثافة‭.‬

وتنتج‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬الرديئة‭ ‬الجودة‭ ‬أو‭ ‬المنحولة‭ ‬أو‭ ‬الكاذبة،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أفادت‭ ‬عالمة‭ ‬الأحياء‭ ‬الدقيقة‭ ‬الهولندية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الصور‭ ‬المزيفة‭ ‬إليزابيث‭ ‬بيك‭.‬

‭ ‬ويُعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ “‬المصانع‭” ‬التي‭ ‬يدفع‭ ‬لها‭ ‬الباحثون‭ ‬الذين‭ ‬يتم‭ ‬حضّهم‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المزيد،‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬نحو‭ ‬2‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬المنشورة‭ ‬سنوياً،‭ ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يشهد‭ ‬زيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬بفعل‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وفقاً‭ ‬للخبيرة‭ ‬نفسها‭.‬

‭ ‬ورأى‭ ‬إيفان‭ ‬أورانسكي‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يفاقم‭ “‬مشكلة‭ ‬ساحقة‭”‬،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬طلب‭ ‬الناشرين‭ ‬والجامعات‭ ‬النهم‭ ‬على‭ ‬المقالات‭ ‬يشكّل‭ ‬ضغطاً‭ ‬على‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬يُصنفون‭ ‬وفقا‭ ‬لإنتاجهم،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬تالياً‭ ‬إلى‭ “‬حلقة‭ ‬مفرغة‭”.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الضوابط‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬مكافحة‭ “‬مصانع‭” ‬الدراسات‭ ‬غير‭ ‬كافية‭.‬

وكان‭ ‬استحواذ‭ ‬شركة‭ “‬وايلي‭” ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬دار‭ “‬هنداوي‭” ‬للنشر‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬العامل‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬مشكلة‭ ‬عمليات‭ ‬الاحتيال‭ ‬الضخمة،‭ ‬إذ‭ ‬أعقبه‭ ‬سحب‭ ‬نحو‭ ‬11300‭ ‬مقال‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬نشرتها‭ “‬هنداوي‭”. ‬وسعياً‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬المتنامية،‭ ‬وفرت‭ “‬وايلي‭” ‬خدمة‭ “‬رصد‭ ‬مصانع‭ ‬المقالات‭” ‬لكشف‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وهذه‭ ‬الخدمة‭ ‬نفسها‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬باحثاً‭ ‬أميركياً‭ ‬اكتشف‭ ‬الأسبوع‭ ‬الفائت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬وايلي‭” ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬مقالاته‭ ‬أعيدت‭ ‬كتابتها‭ ‬بواسطة‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”.‬

‭ ‬وقال‭ ‬أستاذ‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بريغهام‭ ‬يونغ‭ ‬الأميركية‭ ‬سامويل‭ ‬باين‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إنه‭ ‬كُلِّف‭ ‬في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬الفائت‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭. ‬وعندما‭ ‬أدرك‭ ‬أنها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ “‬سرقة‭ ‬أدبية‭” ‬لدراسته‭ ‬التي‭ ‬أعيدت‭ ‬كتابتها‭ ‬بواسطة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬رفض‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬النشر‭.‬

وأضاف‭ ‬باين‭ ‬أنه‭ ‬صُدم‭ ‬عندما‭ ‬اكتشف‭ ‬أن‭ ‬مجلة‭ ‬أخرى‭ ‬تولت‭ ‬نشر‭ ‬الدراسة‭ ‬المسروقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سحبها‭.‬