أجران للصحفي الغوّاص

أجران للصحفي الغوّاص

قراءة في كتاب

جريدة الزمان هي فطوري الذهني اليومي أقرأ أخبارها وأتأمل صورها وأتابع بحوثها وتقاريرها ومقالات كتابها المبدعين فأنتعش بما أجد المواد للحديث والتفكير ذلك اليوم جذبني وأعجبني تقريرا لانطباعات صحفي عراقي وأديب لامع نشره على صفحة من جريدة الزمان خلال الشهر الماضي فكتب الدكتور أحمد عبد المجيد وعلى مدى خمس حلقات لزيارته (جورجيا .. لؤلؤة القوقاز). فأفاد القارئين للجريدة لما تضمنته مشاهداته من قضايا تاريخية وجغرافية وتراثية ووطنية وأخلاقية وتربوية اتصلت هاتفيا بالأخ الدكتور الرائع، الرجل المتواضع الذي يفتح قلبه للجميع، ويحاور الجميع مقترحا طبع المشاهدات (اللؤلؤية) بكتاب، فإذا بالمقترح منفذ والكتاب مطبوع قبله، رجوته الحصول على نسخة منه فتحقق رجائي ووصلني الكتاب بيد صديق وأديب عزيز مشكورا. أمسكت الكتاب وبدأت بقراءته بلهفة وشوق فلم أتركه حتى أتيت على آخره فإذا به بديع أحسست بنشوة تمتلكني بعد الإنتهاء من قراءته شعرت بأن فيه نوعا من السحر غاص كاتبه في أعماق الزمان فحصل على درر ثمينة وتجول على مساحات وأرجاء المكان فرسم لوحة فنية تزخر بالألوان الزاهية التي تسر الناظرين أغنانا عن زيارة ذلك البلد الجميل الذي وضعه أمام قرائه بصورة جلية وبهية وبإسلوب سلس ولغة عالية محسنة منمقة فهو دائما يكتب في مقالاته التخصيب اللغوي وعمق المضمون ليترك القارئ في حالة انتشاء بعيدا عن التزويق .. كتب بسهولة وبعد عميق للمحتوى .. فهو يميل إلى منحى جميل يمتع القارئ ويمنحه قدرة كبرى على الفهم .

لقد جاء الصحفي المقتدر والأديب الماهر الآفاق سعيا وراء المجهول حتى يكشف عنه ويجلوه للعيان .. كثير من الأصدقاء سافروا إلى جورجيا الصيف المنصرم للتمتع بأجوائها الخلابة ولأغراض أخرى وعادوا لا يحملون ما يغني وما يسمن .. ولكن كاتبنا الصحفي الدكتور المجيد كان رمزا للشفافية وحب الروح والحياة الممزوجة بصدق التعبير والإحساس وهو الباحث في ليل الظلمات عن الحقيقة التي لا يؤمن بسواها حامل قنديل المعرفة الصادقة فترى بصماته وآثاره الجميلة وكأنها أوراق زهرة وردية منعشة للروح والعقل ..

لقد زرع في كتابه (لؤلؤة القوقاز) حقلا تاريخيا وأدبيا واجتماعيا وتربويا وأخلاقيا ليقدم ثماره إلى محبي القراءة وخاصة أدب السياحة فكان مدا يانعا بلا أسوار ولا محددات ينفتح على فضاء الإنسانية اللامحدود فجاءت ثماره كقلبه المملوء عسل الخلق اللذيذ وغيوم السرد للحياة الإنسانية في بلاد (القوقاز) . تسلق الجبل بما أوجز وأفاد في محاولة للإنصات لنداء الحياة والتعبير عن لحظتها النادرة الجميلة ..

تبسم له الحظ وأتيحت له الفرصة فانتبه إليها واستفاد منها أقصى استفادة فغامر في القيام برحلة إلى أرض (الينابيع الحارة) هي بالحق مغامرة من رحالة – في مثل عمره – تأرجح في أجواء الدنيا فترة قطع فيها مئات الكيلومترات بالمترو والطائرة والسيارات حاملا في حقيبته حجرا أصاب به عصفورين في رحلة واحدة . عصفور النزهة وتغيير الأجواء والراحة والاستجمام وعصفور المشاهدات والانطباعات التي منح الوقت بها شكلا جميلا فجعل له ملمسا وترك له طعما ورائحة ولونا ..

عمل شخصي

إن كتاب الدكتور أحمد عبد المجيد عمل شخصي وجهد فردي تحمل نفقاته شخصيا كما أبان على الصفحة (14) فلم يتصل بجهة للحصول على المعلومات فجاءت انطباعاته موضوعية ونقية نابعة من ضمير مهني ينشد الصراحة والإنصاف فيما يقول .. هكذا كان مع الذين عاش بينهم وفيما قال عنهم .. فليس من عادته فيما يكتب أن يجعل من (الحبة قبة) أو من (الفأرة أسدا) فما هو بداعية لأحد وإنما حقق فكرة آن أوان خروجها للنور ..

قرأت في كتابه الجغرافية والتاريخ فكثير من العراقيين لم يعرفوا أن نهر (كورا) كدجلة يقسم العاصمة إلى جانبين والمنبع تركيا (البخيلة بمائها). وفي التاريخ أبان أمرا غاية في الأهمية وجديرا بالتبصر فيه يجهله جل العراقيين .. هو تأسيس (تبليس) خلال القرن الخامس الميلادي على يد ملك جورجيا وفتحها العرب عام 735 بقيادة (مروان بن محمد) زمن ولايته على (أرمينيا وأذربيجان) وزودنا بمعلومة تاريخية أخرى بدخول العرب المسلمين جورجيا في منتصف القرن السابع الميلادي في العام الهجري (22) بقيادة (حبيب بن مسلمة) وذلك على عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأصبحت (تبليس) عاصمة لما يسمى بالإمارة العربية واستمرت بالوجود حتى عام (1122) ص74 حتى قضى عليها الملك الجورجي (دافيد) يا لعظمة العرب المسلمين : فأين نحن اليوم من البارحة ؟ اليوم يحتلنا الأوربيون بمرتزقتهم فننهزم وننكسر ونحن أحفاد علي وعمر . كما أضاف الكاتب للقارئ العراقي معلومات عما شهدته جورجيا من مصير خلال حقب تاريخية قاسية مشابهة لما حصل لبغداد ..

وفي الجانب السياحي والصحي سلط الكاتب ضوءه على نظافة البيئة التي تنعكس على صحة الناس .. فكانت ملاحظات دقيقة ومركزة .فقد ذكر الحاويات وبعدها عن منازل المواطنين .. ذكرنا بحال حاوياتنا التي يرميها عمال البلدية في عرض الشوارع وبقوة مما يعرضها للدمار ونشر النفايات في الشوارع وقد اعتاد السكان هناك على حماية مدنهم بتدابيرهم .. وعرج الصحفي اللبيب على مسائل اقتصادية منها الترشيد في الكهرباء والماء لمردوده المادي .. وعن العمل واحترام أرباب العمل واجباتهم بشكل مطلق .. ومما لفت نظر الصحفي الباهر ان الشباب هناك لا يهدرون أوقاتهم في أمور غير مجدية او تافهة .. والقاسم المشترك للغة التي يتحدث بها الجميع هي الموسيقى التي تجمع القلوب والعقول (ص 37) ولم يترك الكاتب القدير الجانب السياسي فقد أشاد بالعملية الديمقراطية هناك واعتماد التداول السلمي للسلطة وممارسة آليات الديمقراطية ومنها الانتخابات واحترام حقوق الإنسان في التظاهر وتأسيس المنظمات بعيدا عن التمرد والانقلاب على الشرعية أو خروق قواعد المرور .

لك الشكر أيها الكاتب اللطيف في توجيه سهمك نحو التراث والمحافظة عليه فقد ظلت أكثر الموجودات في الدولة (القوقازية) تعمل وتؤدي الدور والرسالة كالمتاحف والكنائس فهي لم تدمر أو تنهب و (المترو) العملاق . حافظ على تلك الآثار والموجودات أولئك الذين يجعلون الشوارع براقة والأرصفة نظيفة من أوراق الأشجار ويمتلكون القدرة على حماية ممتلكات الأمة . تحقق ذلك بالوعي والإخلاص .فما بالنا وماذا دهانا نخرب ممتلكاتنا ونسرق مكتباتنا أو نحرق كتبها ونحن أصحاب الحضارات ؟

 وفي زيارة إلى منزل الرجل الفولاذي مر الكاتب على نحو (12 مدينة) صغيرة ذات طبيعة زراعية ولكنها مأهولة بالمعالم العمرانية المتواضعة أرضها تضيف الطبيعة عليها سحرا في نوع متميز ينطبق عليها وصف (أرض الينابيع الحارة) … وفي تجواله في متحف (ستالين) تذكرت قدرة الله فإنه (يهلك ملوكا ويستخلف آخرين) . ذكر الكاتب السيرة الذاتية لذلك الرجل واطلع على منزل ولادته البسيط جدا يحتفظ بلمسته القديمة رغم مرور (700 عام) والتفت الكاتب والصحفي الغواص إلى ما يضم المتحف من الأعداد الأولى للصحف التي وثقت الثورة الروسية عام 1917 وتصدرت (برافدا) ذلك الجناح إضافة إلى اهتمام إدارة المتحف بوضع مساحة للعربة الحديدية التي شهدت أبرز لقاءات (ستالين) بزعماء الغرب ..

وذكرنا صاحب الانطباعات المشرقة بالقائد والزعيم الأوحد وبالمقولة (ما أشبه اليوم بالبارحة) في عالمنا العربي بما فعله (ستالين) من تصفيات جسدية في الثلاثينيات من القرن الماضي لبلوغ السلطة المطلقة .. كتب في هذا المجال أكثر من عشر صفحات استخلص ان من المفيد إشاعة ثقافة الإبقاء على حقبة التاريخ ورموزه وعدم إهدار مخلفاتها أو تضييع الوثائق الدالة عليها فهي في النهاية ملك الأجيال ومن العار على شعب الاستخفاف بتاريخه أوانكاره أو إخفاء معالمه سواء كانت في السلب أم الإيجاب (57) وغاص الصحفي الماهر في الأعماق للذهاب إلى المدينة فاصطاد نماذج ودراً حياتية ثمينة فيها دروس تربوية وأخلاقية .. ذكر وسائط النقل وتعامل السواق مع الركاب بعيدا عن الغش والاحتيال ومنها(قطار الأنفاق أو المترو) ثروة البلاد الوطنية .. وانتبه إلى موضوعة الصحف وطبعها بالملايين من النسخ وتوزيعها على مستخدمي المترو وعرج على دور المرأة في العمل المنزلي ودخولها سوق العمل . وسجل ملاحظة جديرة بالاعتناء بها وهي السلوك الحضاري داخل المترو ومراعاة كبار السن والنساء متذكرا أيامه الخوالي في الجامعة وتصرف العراقيين (شباب وشابات) مقارنة بسلوك الجورجيين في المترو (ص67) وفي نهاية المطاف مقارنة واقعية وذكية قارن بين وصول المواطن إلى بيته أو مقر عمله في الوقت المحدد في تلك البلاد باطمئنان وسلام – مستخدمين المترو – دون اختناقات مرورية أو محظورات مناطقية نتيجة قطع الطرق أو حالة طوارئ او وقوع إنفجارات .. (ولو انقلبت الدنيا فوق الأرض … ص 69) . وفي (متسخيتا) العاصمة القديمة لجورجيا .. ذكرنا بتاريخنا العربي – كما أسلفنا في الصفحات السابقة وبالجغرافيتين لعاصمتنا العزيزة والعاصمة القديمة لجورجيا وللإحداث التي مرت بهما ..

صور بهية

وأبرز صورة بهية لجمال المدينة القديمة بشوارعها وأرصفتها المزروعة بأنواع الفاكهة وخاصة العنب ونهرها الذي يشقها (كمن يؤدي واجب التحية) الطيور .. الأشجار الباسقة..أهلها البسطاء .. ولعل كاتبنا الرائع تلذذ طعم العسل الجورجي الذي تشتهر به البلاد.. وأمر كبير لفت انتباه الرجل الغواص النسيج الجورجي . ففي جورجيا مكونات عديدة اضافة إلى الأغلبية الجورجية التي تمثل أكثر من نصف السكان منها أرمنية وأوربية وأذرية ويهود ومسلمين .. كل أولئك يعيشون بتآخ وانسجام ولم تعصف بهم ريح الفتنة والجهل ((ص81) .

وعزز الكاتب الكفء كتابه بملحق للصور التي تمثل مشاهداته احتلت حيزا من الكتاب بأكثر من (30 صفحة) صور فيها مختلف مناحي الحياة في البلد (القوقازي) الجميل (ص85 – ص116)

لقد تحقق حلمك بعد أن استيقظ واقعك الشعوري فظهر ذلك في كتابك الجميل بصفحاته المئة والست عشرة صفحة والكتابة تنبثق من الحلم .. وها أنت أيها الكاتب والصحفي المبدع زرعت شجرة حلمك باسقة جميلة مثمرة بأرضك لينتفع المواطنون بثمرها الشهي وبهاء أغصانها وقوة ساقها وعمق جذورها . . فلك أجران .. ووفقك الرحمن لإنارة الزمان .

محمد السيد ياسين الهاشمي – العمارة