مقهى مزهر وواقعة النهر مع بافي

301

أماكن وشخوص

مقهى مزهر وواقعة النهر مع بافي

باسم عبد الحميد حمودي

  يقع مقهى مزهر في الركن المجاور لمدخل سوق الدجاج بالكرخ سابقا ومكانه الحالي الركن الاول الى اليمين من اركان مركز الفنون(وزارة الثقافة) مقابل بريد الكرخ وتحف الطوابع العراقية قبل هدم شارع الشواكة القديم وتأسيس عمارات شارع حيفا .

يتألف المقهى من ثلاثة أبواب صغيرة  ومساحته الداخلية لاتتجاوز أربعة أمتار عرضا وستة أمتار طولا والى جواره الايسر فراغ  يتكون من ( عكد )صغير يؤدي  الى بعض البيوت في (دربونة  ) مغلقة ليس لها منفذ .

يفرش مزهر ( أوعامله) الحصران على ثلاث كرويتات خارج المقهى, احداهما تنزوي منذ العصر ولا يجلس عليها أحد من الرواد أذ مخصصة لشخص واحد يجالس صاحب المقهى (مزهر ) عند حضوره  ليلا وهو قارئ المقام الكبير محمد القبانجي صديق مزهر العبد وصفيه .

تزدان مقهى مزهر العبد بالصورة التقليدية وبحجم كبير للاستاذ القبانجي تجاورها صور اخرى للقبانجي بازياء  متعددة , بالصاية والطربوش ووسط جوقه الموسيقي وصوره افنديا واقفا بشموخ.

على منضدة صغيرة تجد الفونغراف وعه مجموعة اسطوانات للقبانجي , أما مزهر نفسه فيرتدي نهارا الدشداشة ويحتذي النعال ولا يقوم من مكانه عند (الدخل ) ليسقي شايا لاحد سوى لمعارفه الخلص امثال المحامي توفيق الفكيكي والمحامي الناقد محمود العبطة والجاكي منفي والشاعر عبد المجيد الملا وسواهم , وتعود علاقة مزهر بالجاكي منفي لهوايته لسباقات الخيول التي كانت شائعة في الاربعينات  وما تبعه والتي سميت (سباقات الريسز)حيث يتقاطر هواة السباق للجلوس صباحا وهم يقرأون نشرة سباق الخيل اليومية ليطلعوا على اسماء الخيول المعدة للمنافسة في الركض في اشواط السباق ويناقشوامع الجاكية ومع بعضهم البعض احتمالات الخيول المرشحة للفوز والي تتم المراهنة عليها عصرا في مركز السباق الذي  كان يقع في محلة المنصور  او في مضمار بغداد الجديدة .

 لعالم السباق اجواؤه الغريبة الطافحة بالمأسي والتشريد لعشاق السباق من المفاليس و( الغشمة )وبالارباح الضخمةلاصحاب  الخيول والمتنفذين في حركات قواد الخيول ( الجاكية) او عند التصوير في نهاية كل  شوط حيث تظهر اللقطة رأس الحصان الفائز الذي قد ( يزور) بارادة المشرف الانكليزي او مدير السباق !

 لم يكن مزهر يسمح ببيع تذاكر السباق في مقهاه ولكنه كان يستمع الى النقاشات ويختار جوادا يراهن عليه ويرسل من يفعل ذلك  بدلا منه , وهناك مجموعة من الناس امتهنت مهنة الوكالة او التعقب وهم من يسمون ( البكية )بتشديدالكاف  فهم يراهنون بالنيابة ويدفعون الارباح اذا فاز الحصان المرشح .

قادنا مزهر للحديث عن سباقات الخيل  التي لها تفصيلاتها الغريبة , لكن مزهراهذا كان يرتدي في ليال معينة الملابس الافرنحية ليذهب لحضور حفل لصديقه القبانجي , فاذا  لم  يكن من حفل حضر ابو القاسم القبانجي الى  المقهى  وجلس جلسة النديم مع  صديقه مزهر ومن يحضر معه من الشعراء حيث يدور الحديث جذلا عذبا شجيا وثمة كاسات صغيرة معبأة بالمشروبات مخبأة على طرف من المكان لايكاد يرى ,وكان من يمر يغض الطرف متهيبا مناديا ب( السلام عليكم ) من  بعيد .

في  ليال بعينها , لايعرفها غير مزهر العبد والقبانجي يلتقيان في المقهى وقد ارتدى مزهر لباس الافندية ويغادران ب( الربل) الذي يقوده حوذي مختار مخترقا الشواكة الى الصالحية حيث تعبر العربةجسر الاحرار (اسمه الاول جسر الملك فيصل ويسميه الناس جسر مود ) الى صوب الرصافة لينزل الصديقان عند راس الجسر مقابل ساحة حافظ القاضي ( التي كان اسمها الرسمي ساحة الملك فيصل ) ويدخلا شارع النهرمتجاوزين مطعم ومشرب شريف وحداد الى فندق ترو كاديروحيث يجلسان في غرفة بعينها مع نخبة مختارة من الاصدقاء لينعما بخلوة كهول اضناهم هوى المقام والشعروالموسيقى الى ما شاءت السهرة من وقت في ذلك الليل الهادئ .

 قد يصحب القبانجي مزهر العبد الى احدى الحفلات او المواليد التي كان يحييها في بيت هذا الوجيه أوذاك لزفاف او مولود او مناسبة ما .

القبانجي لا يقبل أحياء حفلات أو مولود أي كان فهو فنان مزاجي يفرض احترامه على الآخر وما كان بحاجة مادية للعمل كمقامي كبير فقد كانت له مجلاته في سوق التجار , وكان الناس يوسطون مزهرا لدى  أبي القاسم للموافقة على أحياء الحفل الموعود أن أوجسوا خيفة من رفض , ومزهر يستطيع أن يقول (نعم ) أو(لا) قبل أن يقول ابو القاسم!

 ظل مقهى مزهر شاخصا حتى فتح شارع عبد السلام محمد عارف الذي يبدأ من سوق الدجاج باتجاه الجعيفر وهو يسمى اليوم شارع يافا حيث العمارات السكنية التي تقود الى ساحة الطلائع وانتهى العهد بمقهى مزهر وبلقاءات القبانجي الخالد به هناك , أنفض السامر وظل ذكرى عطرة لصداقة وعطاء ورحم الله ابا القاسم ومزهرا وأترابهما .

         بافي الجبوري

اسمه الحقيقي مصطفى داود الجبوري ,وشقيقه هندي(ولهندي ولدان مشهوران هما رشيد الهندي ورفعت الهندي ) .

وكان بافي  صاحب خان كبير يقع على جزء من أرض مديرية التقاعد العامة في راس  الجسر العتيق بالكرخ (جسر السويدي الذي ابدل أسمه الى جسر الشهداء عقب حوادث الوثبة في كانون الثاني 1948 ).

يقول عباس العزاوي في كتابه ( عشائر  العراق ج48) ناقلا عن كتاب(سلم الانتفاع الى الامتاع بالاربعين المتباينة بشرط السماع ) لمؤلفه شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني  عن أحد علماء بغداد وهو سلطان بن ناصر الجبوري من رجال القرن الثاني عشر  أنه ( سلطان بن ناصر بن أحمد بن علي……وصولا الى جبر ) ويعلق العزاوي بالقول)) وسلطان بن ناصر الجبوري هو أحد اساتذة الشيخ عبد الله السويدي ومن ذريته اليوم الاستاذ عبد الكريم بافي ورشيد ورفعت ولدا هندي الداود(وداود جدهم )بن سا لم بن محمد  ابن وعرين حسين  بن    سلطان بن ناصر  ) .

من ذلك يتبين أن  لبافي الخانجي ولد وحيد هو  عبد الكريم  وهو مدلل كانت طلباته اوامر ذلك أن بافي كان لايعز عليه شيئا وقد أدخله  افضل مدارس يغداد وكان من دفعته ضياء خوندة وقد ارسل بافي ولده الى جامعة السوربون بباريس ليدرس الحقوق هناك.

كان بافي رجل ربعة يكاد لا يفك الخط ولكنه كان مدبرا لمقتضيات ذلك الخان الضخم الذي كانت تأتيه البضائع من كل مكان ,من حمص وملح وأجبان وحنطة وشعير وعدس وبقوليات اخرى ,وكان من يحمل الحلال على الاباعر والخيول من انحاء المحمودية واليوسفية والدورة وسلمان باك وغيرها  يحتاج الى منام ليلا لانهاء التعامل نهارا مع صاحب الخان الذي كان  يستعين بعمال الخان وباولاد بناته امثال عبد الله البراك وعبد المجيد وعبد الحميد ولدا حمودي مال  الله مختار محلة الست نفيسة( زوج السيدة مكية  بافي كبرى بنات بافي ) وبابن اخته عبود بن مهدي الجبوري وسواهم,  في وقت لم يهتم  عبد الكريم  بخان والده ولم يعمل معه يوما فيه.

وكان لبافي علاقات واسعة مع أل أبي الخيل  وآل  القشطيني, وأل مصطفى الخليل وأل الشواف والعبطة والبزركان وسواهم من وجهاء بغداد  وتجارها ,وكانت تربطه علاقة وثقى بالشاعر الملا عبود الكرخي فهو حافظ لشعره يقف معه ايام شدته مع الحكومة ولا يتأخر عن مساعدته .

لبافي عدة بنات تزوجن كرام الرجال أكبرهن مكية وزوجها السيد حمودي مال الله النعيمي مختار محلة الست نفيسة منذ عام 1913 ( اولادهما : عبد المجيد وعبد الحميد( وقد عمل معلما ومديرا لمدارس كثيرة في الناصرية والشامية والسماوة وابي صخير وبغداد وزوجته السيدة نعيمة عبد الرزاق وولديهما باسم والمحامي هاشم فيما توفي لهما ثلاثة ابناء صغار هم حازم ونزار وحمودي) ورشيد( واولاده خالد ووليد وحامد)والمحامي شاكر الذي توفى عند تخرجه في الحقوق عام 1930  وبناته :مسعودةوزوجهاالمعمار الكرخي الشهير الحاج ابراهيم جاسم العبطة والد المحامي الناقد محمودأحد أبرز مثقفي الحزب الوطني الديمقراطي ثم القيادي في الحزب الوطني التقدمي والمحامي محمد وزير العدل الاسبق سكرتير عام نقابة المحامين  والعضو القيادي في  حزب الاستقلال وطه,  ومن بنات حمودي : السيدة صبيحة زوجة عبد الله  حمد البراك وأولادهما عدنان ويعرب وعصام , وعدنان شخصية سياسيةمعروفة فهو أحد المثقفين المتقدمين من ملاكات الحزب الشيوعي وكان سكرتيرا لتحرير جريدة اتحاد الشعب وقد قتل اثر انقلاب شباط 63 مع نفر من رفاقه بطريقة بشعة عرفت بعد حين  وذلك بأن وضعوا أحياء في حفرة ثم أهالوا عليهم التراب بالشفلات وهم مقيدون وقد خلف عدنان ولد واحد اسمه  (مازن) من زوجته السيدة سهيلة حمودي السعدي شقيقة الطبيبين نوري حمودي السعدي وعبد الحميد السعدي والمهندس الدكتورعامر حمودي السعدي وزير الصناعة الاسبق,ومن بنات حمود ي كذلك :السيدة رشيدة زوجة أحمد الياقوت وأولادهما  : المعماران محمد وأحمد والمهندس الكيمياوي حاتم .

من بنات بافي السيدة  أمينة وزوجها هو السيد محمد حسين البازركان وابنهما الوحيد د. قاسم الاستاذ في كلية الطب, ومن بناته ايضا السيدة صفية زوجة السيد رفعت الهندي ( ابن أخ بافي ) ولهما ولد واحد هو القاضي السابق والمحامي جودت.

من بنات بافي أيضا السيدة عطية زوجة عبد  الرزاق محمود البراك مختار محلة  الشيخ بشار في عشرينات القرن العشرين وأولادهما : سامي الموظف في السكك وطالب مدير الحدود في الداخلية والمحامي علي .

من بنات بافي كذلك مدينة زوجة حمد البراك وأولادهما : عبد الله ( ابو عدنان) وعبد الرحمن والد مقبل والدكتور مهندوعبد القادر  الصحفي اللامع وصاحب جرائد الامل والبلد والايام وصديق الجواهري

 ومحمد رضا الشبيبي وصادق البصام والمحرر الرئيس في صحفهم وهو زوج السيدة سعدية عبد الرزاق   البراك التربوية المعروفة(وهي أبنة عمه وابنة خالته)   ولهما من الاولاد :

 صالح (توفي صبيا ) والعقيد المتقاعد ناصر وشقيقه عامر

  لعبدالكريم بافي ثلاثة اولاد هم صائب الوزير المفوض المتقاعد في الخارجية , وغالب المحامي المتقاعد ( وقد توفي في التسعينات ) وظافر الموظف المتقاعد , وقد عمل عبد الكريم موظفا في وزارة المالية في ثلاثينات القرن الماضي ثم اختير مديرا لمطبعة الحكومة الوحيدة ايامها ومقرها هو مقر المتحف البغدادي اليوم ,وكانت تطبع الوقائع العراقية وسجلات الوزارات, وبعد سنوات اختير عبد الكريم مديرا عاما لوزارة المالية لنزاهته وكفائته الادارية ثم نقل الى منصب مفتش المالية العام  فقام بعمله بكل جد ونظافة  يد , واراد الباشا نوري السعيد أن يختاره وزيرا للمالية عام 1957 لكنه اعتذر لعدم ايمانه بجدوى العمل في منصب سياسي ,فاحيل الى التقاعد مبكرا واضطر للعمل محاميا ليعيل عائلته  من دون  أن يستطيع تأمين العرصة التي كان يسكنها في الاعظمية كملك خاص فقد ظلت ملكا لوزارة المالية. عاش عبد الكريم بافي رحمه الله ابيا كريم النفس وعمل في الصحافة مع ابن اخته عبد القادر البراك ضمن نظام الخمسات الذي ابتدعه نظام الصحافة زمن العارفين ولم يكن يتقاضى أي مبلغ حتى وفاته في الثمانينات وقد جاوز التسعين عاما.

  واقعة النهر الغريبة مع أبن بافي

يذكر هذه الواقعة الكثير من هواة الشعر الشعبي البغدادي والباحثون في تراث بغداد مثل عباس بغدادي وأمين المميز في كتابيهما عن بغداد ويرويها الاستاذ خالد القشطيني مع القصيدة الخاصة بها ويقول القشطيني أن عبد الكريم بافي -أبن الموسر الكرخي بافي – كان واحدا من ركاب القفة التي تنقل الركاب بالنهر من  صوب الكرخ  الى شريعة المصبغة بالرصافة مع أحد اثرياء محلة سوق الجديد  من البخلاء وهو السيد ذيب .

كان ذلك في شتاء عام 1929 وكانت أمواج النهر تتلاعب بالقفة , ويضيف القشطيني بالنص 🙁 تعذر على ملاح القفة السيطرة عليهافأصطدمت بالدوب-جمع دوبة- التي كانت مربوطة بشريعة المصبغة بحيث أنقلبت على ظهرها. كان من ركابها السيد ذيب والسيد عبد الكريم بافي من أعيان صوب الكرخ , ولكن الاول أشتهر بالبخل في حين اشتهر الثاني بالكرم والاحسان للناس ) ويضيف القشطيني محللا ماجرى :       ( يظهر أن ملاح الكفة واجه  هذا الخيار المسرحي الكلاسيكي , من يبادر الى أنقاذه فورا في غضون تلك الثواني الحرجة القليلة . لم يحتج لمن ينصحه في ذلك  . أسرع الى أنقاذ الرجل الكريم عبد الكريم وأسمه عليه وترك سيد ذيب وأسمه عليه أيضا فغرق ولقي حتفه ولم يعد المشاهدون يرون منه شيئا غير عمامته التي راحت تتقاذفها الامواج .

 ما أن نجى السيد عبد الكريم بافي من الغرق ووصل الشاطئ بسلام حتى أمر فأحضروا له مئة ليرة وجعل يبللها بريقه ثم يلصقها بجبين الملاح مكافأة له على حسن صنيعه وأمر بذبح خروف قربانا لله تعالى على معروفه.

يقول الاستاذ القشطيني أن عبد الكريم هو الذي أمر بأكرام من أنقذه وهذا صحيح , ولكن الذي أعطى المئة ليرة وامر بذبح الخروف وتوزيعه على الفقراء هو والده الخانجي بافي الجبوري , وهذه الرواية روتها لي شخصيا السيدة مكية بافي أخت عبد الكريم الكبرى ومربيتي وجدتي لأبي,وروتها لي أيضا جدتي من أمي السيدة عطية بنت بافي ,وعبد الكريم خال امي وأبي .

لنستكمل الان بقية الحكاية برواية القشطيني أذ يقول:

(( لم تفت مسرحية الحادثة ووقعها على أنظار جماهير بغداد فبينما تقاطر القوم على بيت السيد عبد الكريم بافي ليهنؤه على سلامته خف الآخرون للتفرج على تشييع جنازة المسكين سيد ذيب وكانت من المناسبات القليلة لا في تاريخ العراق وحسب, بل وفي تاريخ الجنائز في كل العالم أيضا, فقد شيع الفقيد بالضحك والسخرية وتعيير الصبيان والاطفال وتشفيهم به فلم يكن بينهم من أنعم عليه ذيب ببيزة واحدة أو حامض حلواية واحدة, وأكثر من ذلك لم يظهر بين أهل بغداد من أعترف بقرابته له أو أدعى بها. لقد عاش وحيدا ينكر ويتنكر لأهله خوفا من طلب مساعدته لهم فأنكروه هم بدورهم وتنكروا له تجنبا لعاره وسوء سمعته.

لكن الاطفال لم يبخلوا عليه فمشوا وراء جنازته يصفقون ويتندرون عليه ويرددون الهوسات الشعبية الساخرة والمضحكة. سرعان ما دخلت مأساته صفحات الادب الشعبي لتلك الايام بما قيل عنه وأنشده الشعراء , وكان من أطرفها الابيات التي صاغتها السيدة أمينة والدة الشاعرناجي القشطيني))

وهذه القصيدة الشعبية الممتعة يرويها أمين المميز أيضا ويشير اليها وألى أبيات منها السيدان عباس بغدادي وأنور الناصري ولكني أحفظها منذ الصغر من جدتي مكية وعطية رحمهما الباري , وكانت عطية راوية للشعر الشعبي  وقارئة للقرآن .

 قالت السيدة أمينة القشطيني رحمها الله , وكانت جارة لآل بافي  :

    جتي العمامة طايفة

  والروج يلعب بيها

 بعيد البلى سيد ذيب راعيها

ذيب مات بالغصة

لا شهد ولا وصه

عاش بتمن الميدان

بعمره ما خرج له قران

 شاهيات لملمهن

بالزاغور ضمضمهن

أردان ثوبه كونيه

سيد ذيب  هالغافي

والماي العليه صافي

والتهو بابن بافي

وخلوه يضيع الفينة

ومن  الطبيعي أن تحتاج بعض مفردات هذه الاهزوجة الجميلة الى بعض الشرح لبعد الزمان بلغتها عن لغة اليوم العامية البغدادية  لكننا نقول ان عبارة (بعمره ماخرج له قران ) تعني ان السيدذيب في كل عمره أي حياته لم يصرف عشرين فلسا والعشون هو القران ونقول أنه عاش بتمن الميدان تعني أنه كان يأكل مجانا من الرز الذي  يضعه الموسرون في أبواب مساجد منطقة الميدان ليأكله الفقراء والمعوزون, أما ( الشاهيات ) فهي الدنانير الذهبية التي كان السيد يجمعها ويضعها في زاغور (حفرة مستورة في طابوق بيته العتيق ) , أما ( اردان ثوبه كونيه ) فتعني أنه استخدم الشوال لخياطة ردن ملابسه , أما أبن بافي فقد ( التهوا به ) أي اهتموا به وأخرجوه من الشط وتركوه يضيع الفينة ,وهي الطربوش الذي كان يعم رأسه على عادة مثقفي أيام زمان ,وأنت تجد هنا كيف أقفلت الشاعرة القشطيني قصيدتها على  ملبس رأس عبد الكريم بافي ( الفينة ) التي طافت أيضا وبدأت قصيدتها ببيت عن ملبس رأس سيد ذيب ,.  العمامة التي طافت في النهر في مفتتح القصيدة , والفرق شاسع بين االحالين.

هناك العمامة وحدها ذاهبة الى مصيرها الفريد كصاحبها وهنا الفينة التي تركها أبن بافي عامدا بفعل من  انقذه ومن دون اهتمام منه ومن أهله , وهذه القصيدة الهازلة وثيقة تحتاج الى أكثر من شرح لا  لطرافتها ولكنها تشكل حالة أنسانية غريبة ونادرة معا .

مشاركة