
بغداد – عدنان أبوزيد
صبحت ظاهرة استسهال اصدار ونشر الكتب دون رقابة أو محتوى عميق ومفيد، مشكلة بارزة تعاني منها النخب الثقافية الكاتبة والقرّاء على حد سواء في العراق، فيما ارجع مشاركون في استطلاع الزمان، ذلك، إلى انعدام التنظيم من قبل الجهات المسؤولة وفي طليعتها، وزارة الثقافة والسياحة والاثار، حيث تغيب النظم التي تضبط صناعة النشر، ما يسهل إصدار الكتب دون مراجعة أو رقابة. ومع تزايد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، يبحث الكثيرون عن محتوى سريع وسهل الوصول، هذا يدفع الكتّاب والناشرين إلى انتاج محتوى بسرعة دون الالتزام بمعايير عالية من الجودة، مستغلين غياب الدور الرقابي الصارم.
يرى الشاعر والكاتب، عبدالرزاق الربيعي، أن «هذا الاستسهال ليس حكرا على العراق، بل أصبح ظاهرة عربية، مع كثرة دور النشر، واستسهال الكتابة، والطباعة، خصوصا الرواية، التي صارت مخلعة الأبواب، يكتبها كل من له قدرة على الامساك بالقلم، وصارت معارض الكتب ساحة لـ (مؤلفين) لا بالعير ولا النفير للتوقيع على ( إصداراتهم) واغلب من يقدم على ذلك يبحث عن واجهة، ونشر الكتب توفر خير واجهة، مع وجود زمرة من (الكتبة) الذين يصفقون لمن هبّ ودب والصحفيين الذين يبحثون عن خبر شارد، لذا استفحلت هذه الظاهرة، واختلط الحابل بالنابل! ولكن هذه المطبوعات الزائفة لن تغير من المشهد شيئا، فاللعبة أصبحت مكشوفة، ولن تنطلي على القارئ اللبيب (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)».
ويدعو الكاتب والصحفي زيد الحلي، إلى «الانتباه قبل فوات الأوان، كاشفا عن أن هواة الإصدارات نسوا، ان كتاباتهم لا تتعدى خواطر بسيطة وآراء بلا تجارب، وإنهم يهرفون من ما تجيش بهم مخيلاتهم المراهقة، وهي على العموم مخيلات تصب في خانة حب الذات وتأكيد موجوديه، متناسين ان قيمة الكاتب والكتابة والكتاب، هي في الصلة بين معنى ما يُكتب وبين موضوع الكتابة، وهم عندما يدفعون الى الطبع ما يعتقدون إنه نتاج ثقافي، شعراً كان ام رواية»، مشيرا إلى إن «همهم البحث في كتب اللغة والشعر عن كلمات يعتقدون انها تدلل على ثقافة وصقل، غير مدركين ان اللغة هي مجرد وسيلة للإفصاح عما يختلج في النفس من فكر، ومن المفيد توضيح ذلك الفكر الى اقصى حد مستطاع، لأنها كلما ازدادت تبسيطا، ازدادت قدرة على تحقيق وظيفتها في نقل الفكر الى الآخرين».
يضيف: «رحم الله الشاعر نزار قباني الذي اجاب في اكثر من قصيدة عن سؤال : لماذا يكتب ؟ قائلاً : اكتب كي أفجر الأشياء، والكتابة انفجار، اكتب كي ينتصر الضوء على العتمة، اكتب كي تفهمني الوردة والنجمة والعصفور، والقطة والاسماك والأصداف والمحار «.
ويستطرد: «هل تساءل هواة الإصدارات، ماذا يكتبون ولمن يكتبون، أتمنى».
واعتبر الحلي انه «آن الأوان لموقف حازم، فصدور كتاب هزيل بهدف المباهاة، يعني غرس خنجر في خاصرة الثقافة العراقية، وهذا الخنجر يفعل مفعوله في الحقب القادمة، وفي الاخير اتمنى ان يعود الالق الى حديقة الاصدار الثقافي في العراق».
الشاعر عبدالكريم كاصد يتحدث عن ان «الظاهرة تمتد إلى أبعد من هؤلاء غير المؤهلين من كتّابٍ ونقاد، إنها تمتدّ إلى المؤسسات الثقافية الموجودة حاليًا، وإلى مؤسسات الدولة نفسها وتداخل الاثنتين معاً، من خلال الفعاليات المشتركة، والتبعية المالية في النشاطات والمهرجانات، ووجود بعض مسؤولي هذه المؤسسات الحكومية أعضاء في قيادات المؤسسات الثقافية، أو العكس، وكلتاهما، رسميةً وثقافيةً ليستا معنيتين بالثقافة ذاتها، بقدر ما هما معنيتان بما هو هامش، في الثقافة، من انتخابات وفعاليات شبيهة بالفعاليات السياسية والدينيّة الشائعة التي يرافقها عادة الأكل والشرب، وليت الأمر ينتهي بفعالية أو فعاليتين أو ثلاث، فقد يمتد إلى العشرات من الفعاليات الفارغة المكرورة التي لا تزيد الوضع الثقافي إلا بؤسًا: مهرجان المربد، مهرجان الحبوبي، مهرجان الجواهري، مهرجان أبي تمام.. إلخ وترافق كل ذلك القصائد العمودية التي أثارت استغراب ضيوف هذه المهرجانات نفسها، فترى الأدباء المؤهلين وغير المؤهلين من نقاد وأدباء جنبًا إلى جنب، ومعهم قراءٌ أيضًا ليس لديهم سوى كراريس طبعت في اللحظة الأخيرة؛ ليحوزوا على العضوية من أجل الانتخابات باعتبارها، وهي الفاسدة، تجسيداً للديمقراطية الأكثر فسادًا منها، فهل هناك ما هو أكثر تجسيدا لهذا الفساد مما يجري حاليا في البلاد من احتراب وخراب واحتلال وظلام دامس وسط أضواء ديمقراطية كاذبة ونزاهةٍ مُدّعاة لمجلسين: مجلس النواب والمجلس المركزي وهذا المجلس أي المركزي يتساوى لديه المؤهل وغير المؤهل فهو يطبع الكتاب للعضو شريطة أن يوزع نصفه بعد الطبع، وبدوري أتساءل: ماذا أفعل أنا المنفي قريبًا من القطب في توزيع هذا النصف الآخر من نسخ الكتاب المكدس لديّ، وليته كان نصفًا آخر باعثا على المتعة، أي أن الاتحاد حوّل الكاتب العراقي إلى موزع لمطبوعه وسط ذئاب من أصحاب مؤسسات نشر وموزعين تُضرب بهم الأمثال على جشعهم واستخفافهم بأيّ مطبوع وفي هذه الحالة يتساوى المؤهل وغير المؤهل في دفع ثمن هذا النصف، أو الكل، لا أدري. ليقلْ لي أعضاء المجلس المركزيّ أين أوزع كتابي إذا طبعته لديهم؟ وحتى لو صحّ أن هناك موزعا فمن يقول لي: منْ من الكتّاب، مؤهلًا أو غير مؤهّل، استلم شيئًا من حقوقه أو أتعابه – على ضآلتها – من ناشر أو موزع في العراق.
ومثلما ضم مجلس النواب أصنافًا من خلق الله ضمّ المجلس المركزي والهيئات الإدارية اصنافًا ممن لا نعرف لهم حطًّا و لا ترحالا.. بعضهم شرطة يكتبون الشعر العمودي والذين لا يعرفون الفعل من الفاعل، وما انتخابات هذه المجالس والهيئات إلا وسيلة أصبحت غاية، بحدّ ذاتها، للسلطة والاتحاد معًا للحصول على العديد من الامتيازات التافهة التي يحسبها بعض المسؤولين عظيمة لما يشعرون به من صَغار، هم الذين لا يجيدون كتابة جملة عربية صحيحة: السلطة في مجلسها النيابي والاتحاد في تشبث مسؤوليه في مقاعدهم وكأنها هي التي تحدد هويتهم وليس الثقافة وقدراتهم الإبداعية التي يفتقدها أكثرهم، لذلك نرى المحاباة ومنح العضوية بالمجّان، ودعوات الحشود إلى المهرجانات، والطبع لمن هبّ ودبّ، دون أي ضبط أو تنظيم تستدعيه هذه المهرجانات المكتظة بهذه الحشود العاطلة التي لا تنبعث إلا عندما يحين موعد الانتخابات، وكأنه يوم الحشر».
يضيف القاصد «لا أفهم حقّا كيف يكون مدير مؤسسة حكومية للنشر كمدير الشؤون الثقافية مثلا هو الذي يقرّر ما ينشر لكتاب عراقيين أو غير عراقيين من دون الرجوع إلى لجنة أو لجان في مؤسسته، وفق ضوابط إبداعية، وثوابت تراعي الأحياء من الأجيال الأدبية المختلفة والأجيال السابقة من أدبائنا الراحلين الكبار ضمن خطة مدروسة، ونهج واضح، ومن دون أن يكون لاتحاد الادباء المركزي أي رأي في هذا الذي يجري من خرق لموظف يكتب الشعر العمودي ومعروف بولائه للسلطة السابقة، ومدائحه لصدام حسين المنشورة علنا في الجرائد، وخبرته البسيطة التي تكاد تكون صفرًا. أليس هذا عارًا على الثقافة العراقية، وعارًا على المثقفين العراقيين الصامتين الذين لن نرى منهم سوى تلبية الدعوات وركوب الباصات من مهرجان إلى آخر حتى أنك لتسأل متى يقرأ هؤلاء بل متى يكتبون».
يضيف «مدير هذه المؤسسة نفسه عضو في المجلس المركزي من خلاله تنتقل فوضى مؤسسة السلطة نفسها – إن لم اقل فسادها – إلى الاتحاد مثلما تنتقل فوضى اتحاد الأدباء إلى المؤسسة السلطوية أيضًا، أي أننا إزاء مؤسستين يقودهما من هم غير مؤهلين أساسًا من دون برامج أو خطة أو مراعاة لأيّ أعراف ثقافية أو أخلاقية. وحين استخدم كلمة (فساد) فهي ليست تقييما خالصًا مني، إنما هو تقييم يتداوله مسؤولو السلطة نفسها».
الكاتب والقاص، ساطع راجي يرى إن «لا مبررا للتذمر الشائع من تزايد اصدار الكتب او من تدني مستويات ما يصدر، علينا ان نتعامل مع الكتاب باعتباره وسيلة نشر وليس عملا متحفيا يجب ان يكون فريدا من نوعه دائما، ورغم ما يقال عن كثرة الكتب المطبوعة في السنوات الاخيرة إلا ان الارقام تثبت اننا في ذيل قائمة الاصدارات مقارنة بكثير من المجتمعات، ولو تفحصنا عدد النسخ المطبوعة من أي كتاب عراقي لوجدانها قليلة جدا».
يسترسل «أما عن استسهال اصدار الكتب او انها مضمونها ليس رصينا او ليس مهما، فهذا جزء من تحول الطباعة والنشر الى قطاعات اقتصادية صناعية، ونحن نعيش في عصر الاستهلاك والانتاج الواسع والمتنوع، وبالتالي من المتوقع ان ينتج قطاع النشر الكثير مما قد لا نحتاجه كمحاولة لخلق اسواق ومستهلكين جدد كما يحدث مع كل السلع، بل ما زال سوق النشر العراقي يفتقر الى الكثير من الاصدارات الشعبية والخفيفة والاستهلاكية، التي تدعم تمويل قطاع النشر لتتحول الدور الى مؤسسات اقتصادية حقيقية قادرة على الدفع للكتاب والمترجمين وشراء الحقوق الفكرية والتوسع في بوابات التسويق».
يضيف «فيما يتعلق بالرصانة، اعتقد انه ليس من السهل اصدار احكام جمعية وشاملة بشأن ما ينشر، ان كل كتاب هو حالة بذاتها تستحق الحكم عليها من اخصائيين بمضمونها، وسيكون وجود نقاد مكلفين بالفحص وملزمين بالموضوعية ومع وجود جوائز وهيئات تكريم محترمة سيساهم في ارشاد القراء الى الكتب المميزة، اذ تصدر سنويا آلاف الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والاغاني والمقطوعات الموسيقية وتوزع على مستوى عالمي، لكن القليل منها هو المتميز».
الكاتب وصاحب دار نشر، مكي السلطاني يقول إن «لهذا الجانب المطروح للنقاش وجه اخر وهو سرقة حقوق الاخرين، و قبل فترة تابعت عنوان لموضوع معين فوجدت اكثر من شخص يدعي كتابة ذلك الموضوع وموقع باسمه، وقبل ايام اثيرت قضية لشخصية معروفه في مجال الفكر والتأليف، من ان هذا الشخص ينشر في السنة الواحدة العديد من الكتب وهي منقولة من مصادر أخرى، وآخر ينقل صفحات كاملة من دون إشارة الى المصدر، هذا الغش وهذه الفوضى هو نتيجة للفوضى العارمة التي تسود المجتمع العراقي وفي كافة المجالات، والمؤسف لا نجد شيء اسمه حقوق المؤلف او الناشر، اضافة الى انها تعبير عن أزمة اخلاق وضمير وأمانة وصدق في التعبير عن الراي والنشر، لنتصور ان قمة الهرم في الكثير من الدول، يكتب له خطاباته اشخاص لهم باع في الكذب والنفاق والدجل وايهام الناس بكلام من العواطف ودغدغة المشاعر».
الشاعر و الكاتب جنان السعدي، يعتقد أن «عملية استسهال اصدار الكتب لا تنحصر في العراق فقط , خاصة بعد رواج برامج النشر الالكتروني المختلفة , لكن وضع العراق الذي يمر بمرحلة انتقالية من عصر تكميم الأفواه ومقص الرقيب الى عصر الانفتاح المطلق دون رقيب , أحدثت انتقالة في طرائق النشر و الطباعة العشوائية مهما كان المطبوع غثاً أو سمين , هنا تكمن الخطورة في نشر و ترويج الرديء من المفاهيم و المحتوى الركيك و الهابط , لكن ذلك لا يخلو من فائدة , إذ منحت فسحة للأقلام المغبونة اعلامياً و الجريئة غير المدعومة ومنها الأقلام الشابة على طبع رؤاها وابداعاتها في كتب وايصالها للقرّاء بيسر».
الصحافية المقيمة في فرنسا، افراح شوقي ترى إن وراء الظاهرة، «هو السعي للظهور والانتشار على حساب النوع والقيمة بغياب الرقابة على السوق الادبي والثقافي في البلد» مشيرة إلى كتب تملا المكتبات تتفاجئ بمحتواها الرث والهزيل لكنها طبعت بأناقة وبغلاف مميز وعنوان مثير لكن ما بداخلها ليس اكثر من تسطير كلمات والمهم ان يظهر اسم الكاتب ويسوق نفسه ان لديه مؤلفات».
تشير شوق إلى إن «السوق الثقافي العراقي اليوم يشكو من الهرج ويحتاج لتنظيم وقص العشب الضار حوله ليعود رونق الكتاب الادبي لسابق رصانته وجماله وقيمته، وان القائمين على معارض الكتب ودور النشر والطباعة ربما لهم دور كبير في انتشار الظاهرة التي تعد جديدة على السوق الادبي العراقي ربما يمكن تسميتها (فوضى النشر)».
الشاعر والصحفي عبد الجبار العتابي يرى أن «إصدار الكتب على اختلاف مجالاتها متاحة لاي شخص سواء كان كاتبا ام لا يعرف الكتابة، فكل من لديه أموال بامكانه ان يطبع وينشر، فليست هنالك رقابة لا من الدولة ولا من دار النشر ذاتها «.
يستأنف «هذا النشر بالمحتوى الهابط او الذي لا يصلح للنشر، يندفع صاحبه للاستفادة من علاقاته الشخصية في الترويج والتسويق، وقد وجدت شخصيا ان العديد من الذين يمتدحون الاصدارات لم يقرأوها، بل تؤثر فيهم العلاقة او ربما اسم الكاتب الذي يشتهر بكتاباته الكثيرة على الفيس وتعليقاته المثيرة، فيجدون ان التقرب منه بهذه الطريقة افضل وان الكتابة عنه هو باب من ابواب المجاملة الذي قد يرد عليها الاخر بمجاملة أخرى».
ويضيف: «اما من ناحية النقاد الحقيقيين فهم لا يتورطوا في الكتابة بالايجاب عن مطبوع ذي محتوى هابط، لانهم يحترمون اسماءهم ولكن هناك اشخاص يطلق عليهم البعض نقادا لمصالح خاصة هم من يقومون بمثل هذه القراءات او النقود حتى وان لم يقرأوا شيئا من الكتاب، فهم يعتقدون ان احدا لا يقرأ كتاباتهم الا صاحب الكتاب وهم بذلك يرسمون حالات من المجاملة».
الناقد التشكيلي، د.جواد الزيدي يرى أن «ظاهرة الانفتاح في كتابة الروايات والبحوث العلمية وتأليف الكتب سببه الانفتاح غير المبرر وغياب الرقابة الفنية على المطبوعات إزاء الحرية المنفلتة في العقدين الأخيرين، فضلاً عن منصات التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب واسعاً أمام أنصاف المواهب والفاشلين في استخدامها، بما يخدم تطلعاتهم الى الشهرة المزيفة التي لا تستند الى معرفة حقيقية، أو هموم ابداعية يُمكن أن تضع صاحب المنجز الحقيقي في المقدمة من دون أدنى مجاملة، بيد أن العصر الحالي حاول تصعيد بعض الأسماء طبقاً للمجاملات، أو الذرائعية النفعية التي يتخذها البعض في الترويج للآخر، فضلاً عن مؤسسة رسمية غير عارفة بمهامها، ووصول بعض الأسماء الهامشية الى مركز القرار وتناغمها مع فلسفة الدولة المفقودة تجاه هذه القضايا الحساسة في موضوع العلم والثقافة، وتحديد مساره في أن يكون صراع ثقافي أم حوارثقافي. وإزاء ذلك كله وتوجيه المؤسسة التعليمية بالتساهل وعدم ضبط قضايا البحث العلمي تم انجاز بحوث تلفيقية على مستوى الدراسات العليا أصبح أصحابها في مواقع ادارية متقدمة حاولوا التضييق على المواهب الحقيقية والمنجز المحترم وازاحتهم، وتقديم النماذج المماثلة وتقريبهم بما يُغطي على فشل الأثنين، لتخلو المؤسسة البحثية في الجامعات ومراكز البحوث من الكفاءات الحقيقية».
ويتحدث الإعلامي والكاتب محمد الكاظم عن انه «مبدئياً لست مع تقييد سوق النشر، وعلينا الاعتراف بأن الطباعة والنشر والتوزيع هي صناعة ثقافية لها ايجابياتها وسلبياتها، ووسائل ضبطها تكمن في المعايير والضوابط العرفية التي يحددها الوسط الثقافي، ومن المفترض ان الكتاب الجيد يفرض نفسه على القارئ والناشر بوجود معايير ابداعية وحياة ثقافية سليمة تقوم على وجود الندوات الثقافية التي تنشر الوعي، والدرس الاكاديمي الذي يؤسس للمعرفة، والنقاد الجيدين الذين يتمتعون بالنزاهة، وعلى عروض الكتب الاحترافية، والبرامج التلفزيونية والاذاعية الجيدة، والمؤسسات الثقافية الحاضنة، والناشر الذكي المثقف. هذه الفعاليات كلها تخلت عن دورها للأسف مقابل تغول تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والشللية والسلوك الاستعراضي في الحياة الثقافية، فصار على الكاتب الجيد ان يتحول الى (فاشنيستا) لكي يعرفه مجتمعه».
يتابع القول «يمكنني ان اضيف سبباً آخر لهذه الفوضى هو غياب المؤسسات الثقافية الريادية التي تصنع نموذجاً ايجابياً يقود قاطرة الثقافة، فالمؤسسة الرسمية فاقدة لبوصلتها، والمنظمات المهنية اصبحت عبارة عن دائرة علاقات عامة، او اجنحة ثقافية لتنظيمات سياسية، اما دور النشر فاغلبها عبارة عن بقالات كتب، بالمقابل هناك اصحاب مشاريع حقيقية افنوا اعمارهم في الانتاج الثقافي الذي يلقى صدى كبيراً في الاوساط العربية والدولية لكنه يقابل بالإهمال في المؤسسات العراقية لعوامل نفسية وشخصية، وهناك حالة فوضى تبدأ من فوق في بعض الاحيان تخيل ان احد وزراء الثقافة اصدر امراً بطباعة كتاب لي بعد فوزه بجائزة عربية، حدث هذا في مرحلة انتقالية بين حكومتين، فأوقف الوزير الذي جاء بعده طباعة الكتاب».
الباحث الاكاديمي والكاتب بلال الخليفة يقول «خدمت في الجامعات لأكثر من 12 سنة وفي المعهد التقني 2 سنة، اما في مجال كتابة المقالات فلدي اكثر من مئتين ولدي من البحوث العشرات ومن الكتب اكثر من 15 كتاب مطبوع، لذلك اكتسبت خبرة في تمييز الكتابة الرصينة والكتابة الحشوية والكتابة الخالية من الراي اي كتابة منقولة تم انتدابي لتقييم عشرات البحوث، والغريب اني وجدتها مجرد حشو واخرى منقولة لا شيء فيها جديد ولا اصاله ولا توصية جيدة».
يرى الخليفة ان «السبب هو المحاصصة والتاثيرات الحزبية التي تجعل الاشخاص غير المناسبين في الاماكن غير المناسبة وعدم وجود محاسبة حقيقية للمتجاوزين على حقوق الطباعة والنشر وغياب المهنية في لجان التقييم للبحوث والكتب وعدم وجود لجان تقييم للمقال قبل النشر».
الكاتب حسين الذكر يقول انه «مهما كانت جرأة النشر ومتدنيات التأليف حسب راي الاخر وما دون ذلك، لا يمكن عده سببا كافيا لمنع الطبع والنشر لمن يريد ذلك ويقدر عليه شريطة ان يخضع لضوابط معينة ليست دكتاتورية ولا شمولية ولا حزبية ولا عقائدية، فقط مصلحة المجتمع العليا واحترام الاخر هي العائق الوحيد الذي يقف بين المؤلف ونشر نتاجاته وغير ذاك يجب ان يتاح لمن يريد النشر والتأليف فله حق ذلك اما التقييم ينبغي ان يترك للجمهور واهل الاختصاص وبما يضمن مقتضيات المصلحة العامة وعدم انتهاك قواعد الحرية قدر الإمكان، والمقصود هنا بالنشر هي وسائل التعبير الفكري والثقافي والادبي والفني والابداعي والعلمي والاجتماعي، وخير ذلك من ملفات الحياة، وكل ما يمكن ان يعبر عنه الفرد الحر شريطة ان يكون لغاية افضل ولمصلحة عامة وليس لمجرد اللهو والعبث والتعارض».
























